22 يونيو 2026

تحول مطار ديوري هاماني الدولي في نيامي إلى نقطة اختبار مركزية لسلطة المجلس العسكري في النيجر.

الهجوم الذي استهدف المطار والقاعدة العسكرية المجاورة في 18 يونيو 2026 شكل ضربة لأكثر مواقع العاصمة حساسية فداخل هذا المجمع تتداخل وظائف مدنية وعسكرية واستخباراتية وإقليمية، ومن خلاله تظهر حدود التحول الذي قادته نيامي بعد الانقلاب على الشراكات الغربية والاندفاع نحو ترتيبات أمنية جديدة مع مالي وبوركينا فاسو.

يكشف الهجوم تداخلا واضحا بين أبعاد الأزمة النيجرية، فأمنياً أظهر قدرة الجماعات المسلحة على بلوغ العاصمة بعد سنوات من تركز العنف في المناطق الحدودية، كما أعاد ضمن البعد السياسي الاتهامات الموجهة إلى فرنسا بمحاولة زعزعة السلطة الجديدة إلى الواجهة.

أبرز الهجوم أيضا موقع المطار بعد انسحاب القوات الفرنسية والأميركية بوصفه رمزا للسيادة العسكرية، بينما ربطت بعض التقارير المشهد بملف اليورانيوم وشركة Orano الفرنسية والمواد الاستراتيجية الموجودة في نطاق القاعدة 101.

المطار بوصفه مركز ثقل لا مرفقا مدنيا

يختصر مطار نيامي وضع الدولة النيجرية بعد انقلاب 2023، فهو يحمل اسما مدنيا ويؤدي وظيفة النقل الجوي، لكنه جزء من بنية أمنية أوسع تشمل قاعدة جوية ومنشآت عسكرية ومواقع كانت تستخدمها قوات غربية قبل انسحابها.

هذه الطبيعة المركبة تفسر الإصرار المتكرر على استهدافه في يناير ثم في يونيو 2026، فهو يوفر للقوات النيجرية قدرة على الحركة السريعة والمراقبة الجوية وربط العاصمة بالمناطق الحدودية المضطربة، وكل ضربة في هذا الموقع تعني استهداف عين الدولة وذراعها الجوية.

اختيار المطار يحمل أيضا قيمة دعائية عالية، فالجماعات المسلحة تدرك أن ضربة في منطقة صحراوية نائية تبقى ضمن الأخبار الأمنية المعتادة، بينما هجوم على مطار العاصمة يفرض نفسه على الإعلام الدولي.

هذه الحسابات لا تقل أهمية عن الخسائر المادية أو البشرية، لأن المعركة في الساحل أصبحت معركة سرديات بقدر ما هي معركة سيطرة ميدانية.

هجوم يونيو: رسالة إلى العاصمة

أظهر هجوم 18 يونيو أن الجماعات المسلحة انتقلت من الضغط على الأطراف إلى اختبار المركز، فعدد الضحايا بين العسكريين والمدنيين، وسقوط مهاجمين، واعتقال مشتبه بهم، كلها مؤشرات على عملية واسعة نسبيا وليست تسللا محدودا.

عودة المطار إلى العمل خلال ساعات من الهجوم تخدم خطاب السلطة حول السيطرة، لكنها لا تمحو حقيقة أن المهاجمين وصلوا إلى منشأة سيادية داخل العاصمة.

عمليا فإن تبني جماعة نصرة الإسلام والمسلمين للهجوم يضع العملية في سياق تنافس جهادي واسع في الساحل، فالجماعة المرتبطة بالقاعدة تريد تثبيت حضورها في النيجر، بعدما ظلت مناطق واسعة من مالي وبوركينا فاسو ساحتها الأكثر نشاطا.

من جهة أخرى، سبق لتنظيم الدولة أن أعلن مسؤوليته عن هجوم يناير على المطار، ما يجعل نيامي ساحة تنافس بين تنظيمين يسعيان إلى إظهار القدرة على ضرب أهداف عالية القيمة.

تضع المنافسة بين الجماعات المسلحة السلطات النيجرية أمام اختبار أمني معقد، فالهجمات التي طالت محيط العاصمة، ولا سيما مطار نيامي، تكشف انتقال التهديد من المناطق الحدودية إلى مواقع سيادية شديدة الحساسية.

كما تمنح هذه التطورات ملف الأمن الداخلي وزنا إضافيا في مرحلة تعيد فيها نيامي بناء شراكاتها العسكرية بعد تراجع الحضور الفرنسي والغربي، وتبحث عن ترتيبات بديلة قادرة على حماية المنشآت الاستراتيجية وتعزيز السيطرة الميدانية.

فرنسا في الرواية الرسمية

حضرت فرنسا في الرواية الرسمية للسلطات النيجرية بعد الهجمات التي طالت مطار نيامي، إذ اتهم الجنرال عبد الرحمن تياني باريس، إلى جانب بنين وكوت ديفوار، بدعم هجوم يناير.

وبعد هجوم يونيو، عادت الاتهامات بصيغة أشد مباشرة عبر الحديث عن مرتزقة يعملون لمصلحة فرنسا، ومع أن التبني المعلن للهجمات صدر عن جماعات مسلحة، فإن ذلك لا يعزل الوقائع عن سياق أوسع من التوتر بين نيامي وباريس، ففرنسا التي فقدت حضورها العسكري المباشر ونفوذها التقليدي في النيجر بعد الانقلاب، بقيت طرفا حاضرا في خلفية الأزمة عبر شبكة المصالح السياسية والاقتصادية والأمنية الممتدة منذ عقود، وهو ما يمنح الاتهامات النيجرية وزنا سياسيا داخل سردية أوسع عن صراع النفوذ في الساحل.

تمنح الرواية الرسمية النيجرية الهجمات على مطار نيامي بعدا يتجاوز الجانب الأمني المباشر. فربط هذه الهجمات بفرنسا يضعها ضمن سياق أوسع من الصراع على السيادة والنفوذ في الساحل، خصوصا بعد خروج القوات الفرنسية وتراجع موقع باريس في بلد ظل لعقود جزءا من مجالها التقليدي في غرب إفريقيا.

وفق هذا التصور، لا تبدو الضربة على المطار حدثا منفصلا عن التحولات السياسية التي أعقبت الانقلاب، بل تأتي في لحظة يعاد فيها ترتيب العلاقة بين نيامي وباريس على قاعدة القطيعة مع الإرث العسكري والاقتصادي الفرنسي.

تبقى الاتهامات النيجرية بحاجة إلى معطيات موثقة تحدد طبيعة أي دور خارجي محتمل، فتبني جماعات مسلحة للهجمات يؤكد وجود فاعلين مباشرين في استهداف المطار، لكنه لا يعزل الحدث عن بيئة سياسية وأمنية مشحونة بتراجع النفوذ الفرنسي، وحساسية ملفات القواعد العسكرية واليورانيوم والسيادة.

القاعدة 101 وفراغ ما بعد الانسحاب الغربي

تتضاعف أهمية مطار نيامي بسبب القاعدة 101، التي كانت جزءا من البنية الغربية لمكافحة الإرهاب قبل انسحاب الولايات المتحدة من النيجر.

خروج الأميركيين من القاعدة في 2024، بعد خروج الفرنسيين أواخر 2023، غير ميزان القدرات الجوية والاستخباراتية في البلاد، هذا التحول أعاد تعريف المطار باعتباره رمزا لنهاية مرحلة وبداية أخرى.

قدمت نيامي خروج القوات الغربية بوصفه استعادة للقرار الوطني، لكن هذا التحول وضع القوات النيجرية أمام عبء أمني أكبر في مواجهة تمرد يحتاج إلى استخبارات دقيقة ومراقبة جوية ووتنسيق إقليمي مستمر.

الهجمات المتكررة على مطار نيامي تكشف أن مرحلة ما بعد فرنسا والولايات المتحدة لا تزال قيد الاختبار، خصوصا في حماية المنشآت السيادية التي كانت جزءا من شبكة النفوذ العسكري الغربي.

اليورانيوم: الخلفية الاقتصادية للهشاشة الأمنية

ملف اليورانيوم يضيف سوية حساسة إلى موقع المطار، فوجود شحنات من اليورانيوم المركز المرتبط بنزاع مع شركة Orano الفرنسية داخل نطاق القاعدة 101 جعل المكان أكثر من منشأة عسكرية.

النزاع بين نيامي وOrano يعكس محاولة المجلس العسكري إعادة السيطرة على الموارد الاستراتيجية، خصوصا في قطاع ارتبط طويلا بالمصالح الفرنسية.

يمنح هذا الملف المطار أهمية اقتصادية وجيوسياسية، فأي هجوم قرب موقع يحتوي مواد استراتيجية يرفع مستوى القلق الدولي، حتى عندما لا تكون تلك المواد هدفا مباشرا للعملية، فالجماعات المسلحة تستفيد من هذه الحساسية لمضاعفة صدى العملية.

اليورانيوم يجعل فرنسا حاضرة في خلفية المشهد حتى بعد خروج جنودها، فباريس فقدت موقعها العسكري المباشر، لكنها بقيت مرتبطة بالنزاع عبر الشركات والموارد ومسارات النقل والتأمين، والمطار يظهر كمساحة تلتقي فيها ثلاثة مسارات؛ جهادي يستهدف القوة الجوية، وسيادي يواجه فرنسا، واقتصادي يتصل بالمواد الاستراتيجية.

لماذا يتكرر استهداف المطار؟

يكشف تكرار الهجوم على المطار أنه هدف محسوب، فالجماعات المسلحة تجد فيه قيمة عسكرية لأنه يضم قدرات جوية، وأهمية سياسية ويقع في العاصمة، وبعدا إعلاميا لأنه يلفت الأنظار الدولية، إضافة لبعد رمزي عبر ضرب صورة النظام في أكثر مناطقه تحصينا.

الهجمات تحمل أيضا رسالة إلى دول تحالف الساحل، فمقر القوة المشتركة بين النيجر ومالي وبوركينا فاسو داخل هذا المجال يمنح العملية بعدا إقليميا، وضرب المطار يعني التأثير على الرمز الأمني لتحالف عسكري يقدم نفسه كبديل عن إيكواس والشراكات الغربية.

وفق هذا السياق فإن الجماعات المسلحة لا تستهدف نيامي وحدها، بل تستهدف كامل الأمن في الساحل بعد القطيعة مع الغرب.

اختصر مطار نيامي جانبا واسعا من الأزمة النيجرية، ففيه تلتقي اعتبارات الأمن والسيادة وصراع النفوذ وملف اليورانيوم وصعود التهديدات المسلحة إلى قلب العاصمة، والهجمات المتكررة عليه لا تعكس فقط قدرة الجماعات الجهادية على استهداف موقع سيادي شديد الحساسية، بل حجم الرهان الذي تخوضه نيامي بعد إنهاء الحضور العسكري الفرنسي والانتقال نحو ترتيبات أمنية جديدة.

بقلم: مازن بلال

السودان بين عناد الحرب وعجز الدبلوماسية: مؤتمر برلين يكشف مأزق البرهان

اقرأ المزيد