أعفت ليبيا المواطنين الموريتانيين من تأشيرة الدخول، في خطوة تعيد تسهيل السفر بين البلدين بعد أكثر من عقد من القيود الأمنية.
وأصدرت حكومة الوحدة الوطنية الليبية القرار رقم 454 لسنة 2026، القاضي بإعفاء حاملي جوازات السفر الموريتانية من شرط الحصول على تأشيرة دخول إلى الأراضي الليبية، استناداً إلى مبدأ المعاملة بالمثل، إذ تسمح موريتانيا للمواطنين الليبيين بالدخول دون تأشيرة.
وينهي القرار قيوداً استمرت أكثر من عقد، بعدما كانت السلطات الليبية تشترط موافقة أمنية مسبقة لدخول الموريتانيين، في إطار الإجراءات التي أعقبت سقوط نظام معمر القذافي عام 2011 وما رافقه من اضطرابات أمنية وسياسية.
ولقي القرار ترحيباً في الأوساط الموريتانية، باعتباره خطوة باتجاه استعادة العلاقات الطبيعية بين البلدين، وتسهيل حركة التجار والطلبة والمسافرين والأسر التي تربطها صلات اجتماعية بين ليبيا وموريتانيا.
وتكتسب الخطوة أهمية مغاربية أيضاً، في ظل عضوية البلدين إلى جانب المغرب والجزائر وتونس في اتحاد المغرب العربي، الذي تأسس عام 1989، بينما ظل مشروع الاندماج الإقليمي وحرية تنقل الأشخاص والبضائع محدوداً على مدى عقود.
ويأتي ذلك في وقت أظهر فيه مؤشر انفتاح التأشيرات في إفريقيا لعام 2025 ضعف انفتاح اتحاد المغرب العربي مقارنة بالتجمعات الاقتصادية الإقليمية الإفريقية، بمتوسط بلغ 0.166.
ويرى مراقبون أن الاتفاقات الثنائية يمكن أن تسهم في تخفيف القيود التي تعرقل الحركة داخل المنطقة المغاربية، وربما تدفع نحو اندماج تدريجي يبدأ من السفر والتجارة والتبادل الاجتماعي، في ظل تعثر الأطر الجماعية للاتحاد.
مخاوف من استغلال القرار في الهجرة
في المقابل، أثار القرار تساؤلات بشأن احتمال استغلال سهولة الدخول إلى ليبيا من جانب بعض الراغبين في الوصول بصورة غير نظامية إلى أوروبا، خصوصاً أن ليبيا تمثل إحدى أبرز نقاط الانطلاق نحو إيطاليا ومالطا عبر وسط البحر المتوسط، مع تنامي مسارات من شرق ليبيا باتجاه كريت واليونان.
وتشير بيانات استندت إلى المنظمة الدولية للهجرة إلى وجود نحو 930 ألف مهاجر في ليبيا خلال الفترة من أغسطس إلى أكتوبر 2025، فيما قال 9% فقط ممن شملهم المسح إن لديهم خططاً ملموسة للانتقال إلى بلد آخر، ما يعكس دور ليبيا كبلد مقصد للعمل، وليس مجرد محطة عبور.
وفي الوقت نفسه، انطلق من ليبيا خلال عام 2025 نحو 89% من قرابة 66 ألف شخص وصلوا عبر طريق وسط المتوسط، ما يجعل أي تغيير في شروط دخول الأراضي الليبية موضع اهتمام لدى الجهات المعنية بملف الهجرة.
ويرى الصحافي والخبير في قضايا الهجرة محمد الأمين خطاري أن إعفاء الموريتانيين من التأشيرة ينبغي أن يُقرأ أساساً في سياقه الاقتصادي والمغاربي، مع عدم استبعاد احتمال محاولة شبكات تهريب المهاجرين استغلال القرار.
وأوضح أن سهولة دخول حامل الجواز الموريتاني إلى ليبيا قد تجعلها نظرياً خياراً إضافياً لبعض الراغبين في الوصول إلى أوروبا، لكنه حذر من اعتبار ذلك دليلاً على فتح “طريق جديد” للهجرة، مشيراً إلى محدودية حضور الموريتانيين أصلاً في تدفقات الهجرة البحرية مقارنة بالسنغاليين والماليين والغينيين وغيرهم من مواطني غرب إفريقيا والساحل.
وبحسب هذا الطرح، فإن المستفيد المباشر من القرار هو المواطن الموريتاني، في حين لا يشمل الإعفاء عشرات الجنسيات الإفريقية التي تشكل الجزء الأكبر من تدفقات الهجرة في المنطقة.
خريطة هجرة متغيرة
وتتقاطع في المنطقة المغاربية ثلاثة مسارات رئيسية للهجرة غير النظامية: طريق الساحل الأطلسي عبر موريتانيا والمغرب نحو جزر الكناري، وطريق غرب المتوسط عبر المغرب والجزائر نحو إسبانيا، وطريق وسط المتوسط عبر ليبيا وتونس نحو إيطاليا ومالطا، إلى جانب تنامي الحركة من ليبيا باتجاه اليونان.
وتظهر بيانات المنظمة الدولية للهجرة أن 17,788 مهاجراً وصلوا بصورة غير نظامية إلى جزر الكناري خلال 2025، مقابل 46,843 في 2024، بانخفاض بلغ 62%. ورغم تراجع التدفقات، سجلت المنظمة 54 حادث غرق خلال العام، أدت إلى وفاة أو فقدان 1,214 شخصاً.
وتحتل موريتانيا موقعاً مهماً في هذه الخريطة بسبب امتداد ساحلها وموقعها بين غرب إفريقيا والمغرب العربي. وفي 27 أغسطس، اعترض خفر السواحل الموريتاني قارباً كان يقل 161 مهاجراً، بينهم 17 طفلاً، بعد انطلاقه من غامبيا باتجاه جزر الكناري.
كما تحولت موريتانيا إلى بلد عبور لمهاجرين قادمين من عمق غرب إفريقيا، وليس فقط بلداً مصدراً للمهاجرين.
وفي ظل تشديد الرقابة على طريق جزر الكناري والإجراءات المغربية والجزائرية والتعاون المتزايد مع أوروبا، قد تحاول شبكات التهريب اختبار مسارات بديلة، إلا أن المعطيات المتاحة لا تثبت حتى الآن أن قرار إعفاء الموريتانيين من التأشيرة سيؤدي إلى تحول ملموس في مسارات الهجرة نحو أوروبا.
وتشير البيانات كذلك إلى أن تدفقات المهاجرين إلى ليبيا انخفضت بنسبة 44% خلال الربع الأخير من 2025 مقارنة بالربع السابق، وربطت المنظمة الدولية للهجرة ذلك بتراجع الطلب الموسمي على العمالة وتشديد مكافحة التهريب وظروف البحر الشتوية.
ويحذر خبراء من قدرة شبكات التهريب على استغلال أي تسهيل إداري في دعايتها، عبر تقديمه باعتباره فرصة للوصول إلى أوروبا، رغم أن الدخول القانوني إلى ليبيا لا يعني أن محاولة العبور منها إلى أوروبا ستكون أكثر أمناً.
وتشير المنظمة الدولية للهجرة إلى أن ليبيا تمثل بلد مقصد وعبور في الوقت نفسه، لكنها تواجه مخاطر مرتبطة بالاتجار بالبشر والعمل القسري والعنف والاحتجاز التعسفي، في ظل الانقسام المؤسسي وتحديات إدارة ملف الهجرة.
كما شهدت طرابلس في يونيو الماضي احتجاجات على وجود المهاجرين، في وقت تشير فيه تقديرات حديثة إلى وجود أكثر من 900 ألف مهاجر في ليبيا، التي يبلغ عدد سكانها نحو سبعة ملايين نسمة.
وبذلك يحمل قرار إعفاء الموريتانيين من التأشيرة وجهين؛ أولهما يتعلق بتسهيل السفر والتجارة والعمل والتواصل الاجتماعي بين بلدين مغاربيين، والثاني يرتبط بالتحديات الأمنية والإنسانية التي تفرضها موقع ليبيا ضمن طرق الهجرة الإفريقية نحو أوروبا.
اللجنة الاستشارية الأممية في ليبيا: محاولة لإعادة ضبط القواعد الانتخابية
