دخلت حرب السودان عامها الرابع، وهي تنتقل من العاصمة إلى أحزمة دارفور وكردفان والنيل الأزرق، بعدما خلّفت عشرات آلاف القتلى ونحو 13 مليون نازح، فيما تتكاثر خرائط السلام من دون أن تقترب البلاد من تسوية.
تكشف هذه المفارقة أن الأزمة لم تعد تكمن في نقص المبادرات، بل في رفض عبد الفتاح البرهان التعامل مع محمد حمدان دقلو “حميدتي” باعتباره طرفاً لا بد من التفاوض معه، وتمسّكه بمسار يبدأ بانسحاب قوات الدعم السريع، وينتهي بإخراج قيادتها من الحياة السياسية.
وبهذا الشرط، تتحول المفاوضات من وسيلة لإنهاء حرب متوازنة في ميزان القوة إلى مراسم لتوثيق نصر لم يحققه الجيش بعد.

مبادرات كثيرة ومسار مسدود
بدأت أولى المبادرات بمسار جدة، برعاية سعودية أميركية، الذي تعامل مع الملف الإنساني وحماية المدنيين، ثم جاءت “الرباعية”، التي تضم الولايات المتحدة والسعودية ومصر والإمارات، بخريطة طريق في سبتمبر 2025، تبدأ بهدنة إنسانية لمدة ثلاثة أشهر، يعقبها وقف دائم لإطلاق النار، ثم انتقال مدني خلال تسعة أشهر.
وأيّد الاتحاد الإفريقي و”إيغاد” الخطة، وربطاها بمسار جدة وحوار سوداني شامل، لكن طرفي النزاع رفضاها. كما لم يُنتج تعدد الوسطاء مساراً موحداً للسلام؛ إذ اختلفت الدول الراعية في مواقفها من الجيش وقوات الدعم السريع، فانعكست خلافاتها على المبادرات، وأضعفت قدرتها على دفع الطرفين نحو تسوية واحدة.
وقدمت ورقة مستشار الرئيس الأميركي، مسعد بولس، في يونيو 2026، صيغة أكثر تفصيلاً، تضمنت هدنة فورية وشاملة لمدة 90 يوماً، لتمرير المساعدات وحماية المدنيين والبنية التحتية، إلى جانب آلية تقودها الأمم المتحدة، بمشاركة الاتحاد الإفريقي وجامعة الدول العربية، لمراقبة الهدنة، ومعالجة خروقها، ودعم انسحابات محدودة تبدأ في شمال دارفور وشمال كردفان.
ثم تُستثمر الهدنة في التفاوض على وقف دائم لإطلاق النار، وتجميع القوات، ونزع السلاح، والتسريح، وإعادة الإدماج، وبناء جيش وطني موحد خاضع لحكومة مدنية منتخبة. ويلي ذلك حوار سوداني يستبعد الجماعات المتطرفة ومرتكبي الفظائع، وينتهي بتشكيل حكومة انتقالية، وإجراء انتخابات، وتحقيق العدالة، وإنشاء صندوق لإعادة الإعمار ودعم الزراعة والتعافي الاقتصادي.

حين تصبح الهدنة شرط استسلام
قبلت الحكومة التي يقودها الجيش معظم المبادئ، لكنها ربطت هدنة التسعين يوماً بانسحاب قوات الدعم السريع من كل مدينة سيطرت عليها منذ توقيع إعلان جدة، في 11 مايو 2023.
واقترحت الحكومة أيضاً ثلاث مراحل، مدة كل منها 30 يوماً: تبدأ الأولى بالانسحاب من النيل الأزرق وشمال كردفان وشمال ووسط وغرب دارفور؛ ثم الانسحاب من غرب كردفان وجنوب دارفور في المرحلة الثانية؛ وأخيراً الانسحاب من شرق وجنوب كردفان إلى نقطة تجميع في كاودا، معقل الحركة الشعبية لتحرير السودان – شمال، بقيادة عبد العزيز الحلو، المتحالفة مع قوات الدعم السريع.
ويملك هذا الشرط منطقاً أمنياً مفهوماً؛ فعودة النازحين وحماية المدن تتطلبان إخلاء الأحياء من التشكيلات المسلحة، لكنه يطلب من قوات الدعم السريع التخلي، قبل بدء التفاوض، عن الأرض التي تمنحها القدرة على التفاوض.
وتخشى الخرطوم، في المقابل، أن تجمّد الانسحابات المحدودة خطوط التماس، وتحول مناطق النفوذ إلى تقسيم شبيه بالنموذج الليبي. وتظهر هنا معضلة الالتزام؛ فكل طرف يرى في الهدنة فرصة لخصمه لإعادة التسليح، فيرفع سقف ضماناته إلى مستوى يعجز الطرف الآخر عن قبوله.
وكرّس البرهان هذه العقدة حين أعلن، في أبريل، رفض التفاوض مع “المليشيا”، ومواصلة الحرب حتى “تطهير” البلاد، ثم قال في أغسطس إن السلام يبدأ بانسحاب قوات الدعم السريع وتجميعها، وإنه لا يمكن بحث وضع المقاتلين الذين لم يرتكبوا جرائم وإدماج بعضهم إلا بعد عودة النازحين، مع رفض عودة حميدتي وأنصاره إلى السلطة.
وفي هذا التصور، يجري التفاوض مع أفراد مهزومين، لا مع قيادة عسكرية تسيطر على مساحات واسعة. أما حميدتي، فرفض بدوره الانسحاب، رغم قبوله مبدأ الهدنة، وذهب في مايو إلى إعلان الاستعداد للقتال حتى عام 2040.
ويتغذى، بهذا الشكل، مشروع “الحرب حتى النصر” من الطرفين، وإن كان رفض البرهان الاعتراف بالدعم السريع طرفاً محاوراً يسد باب التفاوض نفسه.

الرصاصة الأولى ورواية الشرعية
تضع مراجعة أحداث صباح 15 أبريل 2023 رواية الحرب الدفاعية الخالصة موضع اختبار؛ إذ بدأ إطلاق النار نحو الساعة الثامنة والنصف في معسكر سوبا التابع لقوات الدعم السريع، فيما كانت قوات الجيش ومدفعيته متمركزة حوله، بينما كانت القوات الجوية تدرس إحداثيات معسكرات الدعم السريع منذ أكثر من أسبوع.
وتدعم هذه الوقائع رواية مفادها أن قوات البرهان بدأت الهجوم على معسكرات الدعم السريع في الخرطوم، ثم ردت الأخيرة بالاستيلاء على منشآت الدولة. غير أن الوكالة التي أوردت هذه الوقائع لم تتمكن من التحقق منها بصورة مستقلة، أو تحديد الجهة التي أطلقت الرصاصة الأولى، فيما قال الجيش إنه كان يستعد لصد هجوم.
وتمنع هذه البداية أي طرف من احتكار شرعية الضحية؛ فالبرهان وحميدتي قادا معاً انقلاب أكتوبر 2021، ثم اختلفا بشأن مدة دمج قوات الدعم السريع، وتسلسل القيادة، والانتقال المدني، والمصالح الاقتصادية.
ولا يمنح الاعتراف بحميدتي على طاولة التفاوض براءة أخلاقية، ولا يمحو فظائع قوات الدعم السريع، بل يعترف بحقيقة عملية مفادها أن القائد القادر على مواصلة الحرب هو نفسه القادر على إصدار أمر بوقفها.

الكرمك.. مكسب مهم لا يصنع نصراً
قدّمت استعادة الجيش مدينة الكرمك، في يوليو، بعد 106 أيام من سيطرة تحالف قوات الدعم السريع والحركة الشعبية عليها، نموذجاً لما تستطيع المكاسب الميدانية فعله، وما تعجز عنه.
فالمدينة بوابة على إثيوبيا وجنوب السودان، وقد أسهمت استعادتها، إلى جانب ثماني مناطق حدودية، في قطع خطوط إمداد التحالف، وتأمين طرق الجيش وسد الروصيرص ومناطق الذهب، ورفع المعنويات، وإفشال محاولة تطبيق استراتيجية “شد الأطراف”، من خلال فتح جبهة شرقية لتخفيف الضغط عن دارفور.
ومع ذلك، بقي للتحالف وجود في بابوس والمنصور، فيما وصفت منصة “تأسيس” القتال بأنه عمليات كر وفر.
وتكشف معركة الكرمك أيضاً حدود وهم الحسم؛ إذ يستطيع الجيش إدارة جبهات في النيل الأزرق وكردفان ودارفور، واستعادة نقاط استراتيجية، لكن قوات الدعم السريع تحتفظ بعمق واسع في دارفور، وبقدرة على شن هجمات بالمسيّرات في كردفان، إلى جانب تحالفها مع الحركة الشعبية وامتلاكها حكومة موازية.
ويحمل إقليم النيل الأزرق نفسه تاريخاً من التمرد منذ ثمانينيات القرن الماضي، حين كان معقلاً للحركة الشعبية بقيادة جون قرنق. ويعيد تبدل السيطرة إنتاج الحرب في الأطراف بدلاً من إنهائها.
ويمتلك كل طرف قوة تحول دون هزيمته، فيما يفتقر كلاهما إلى القوة اللازمة لحكم السودان كله.

العقوبات الأميركية.. ضغط بلا تسوية
نقلت واشنطن الضغط إلى مجلس الأمن، في 24 أغسطس، واقترحت توسيع حظر السلاح المفروض على دارفور منذ عام 2005 ليشمل السودان كله، مع إدراج الطائرات المسيّرة ومكوّناتها والتقنيات المرتبطة بها ضمن الأسلحة المحظور توريدها، وزيادة عدد خبراء لجنة العقوبات، وتنسيق عملهم مع لجان خبراء أخرى.
وغاب عن المقترح أي حظر للطيران، فيما جاء التحرك بعد عقوبات أميركية استهدفت حميدتي والبرهان، وشبكات تسليح وتمويل مرتبطة بالطرفين، وفرض قيود على الصادرات والتكنولوجيا والائتمان الحكومي، عقب اتهام الجيش باستخدام أسلحة كيميائية، وصولاً إلى استهداف شبكات تجنيد مرتزقة كولومبيين.
ورغم ذلك، استمر تدفق السلاح والمال؛ إذ تقدّم أكثر من 12 دولة دعماً عسكرياً لطرفي النزاع، وفق بولس، فيما قتلت المسيّرات 1120 مدنياً خلال النصف الأول من عام 2026.
واصطفّت بريطانيا وفرنسا والدنمارك ولاتفيا إلى جانب توسيع الحظر، بينما عارضته روسيا والصين والسودان.
ورفضت مصر مساواة الجيش الوطني بـ”المليشيا”، وركزت السعودية على فظائع قوات الدعم السريع، وعلى التزام الحكومة بفتح المعابر وفق إعلان جدة، فيما أبقت البحرين ودول مجموعة “A3” الإفريقية، وهي الصومال والكونغو الديمقراطية وليبيريا، إلى جانب بنما وباكستان واليونان وكولومبيا، مواقفها معلّقة.
ويمنح هذا الانقسام موسكو وبكين القدرة على تعطيل المشروع، كما يكشف أن العقوبات الشاملة تستهدف اقتصاداً منهاراً، وتغذي خطاب السيادة لدى البرهان، من دون أن تقطع شبكات الذهب والمرتزقة والطائرات المسيّرة.

سلام يبدأ من توازن الواقع
يفرض مأزق الحرب في السودان صيغة مختلفة، تقوم على هدنة متزامنة مع انسحابات مرحلية ومتبادلة، ومراقبة دولية فعلية، وتجميد إمدادات السلاح وعائدات الذهب للطرفين، من خلال استهداف الشبكات الخارجية بدلاً من الاقتصاد السوداني، إلى جانب تقديم ضمانات لعودة المدنيين، وإطلاق مسار مستقل للمساءلة لا يتحول إلى عفو.
ويحتاج المسار السياسي إلى المدنيين بوصفهم أصحاب الدولة، وإلى البرهان وحميدتي بوصفهما صاحبي السلاح، من دون منحهما حق تقرير مستقبل الحكم.
أما انتظار تحقيق نصر كامل، فلن يؤدي إلا إلى إطالة أمد الحرب، لأن الميدان أثبت قدرة كل طرف على تعطيل الآخر، لا قدرته على إنهائه.
بقلم مازن بلال
مصر تدرس سيناريوهات الرد على تفعيل “اتفاقية عنتيبي”
