27 أغسطس 2026

لقي 12 شاباً مصرعهم بعد غرق قارب هجرة غير نظامية، في مأساة تعكس أزمة بن قردان الاقتصادية وتراجع التجارة مع ليبيا وغياب فرص العمل.

وأبحر القارب فجر 19 أغسطس وعلى متنه 15 شاباً، بينهم 14 من مدينة بن قردان الحدودية مع ليبيا وشاب من جرجيس، متجهين إلى إيطاليا، قبل أن يلقى 12 منهم حتفهم. وأعلنت الإدارة العامة للحرس الوطني التونسي استمرار عمليات البحث عن المفقودين.

وتعيد الحادثة تسليط الضوء على الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية في بن قردان، حيث يشكو السكان من تراجع النشاط التجاري المرتبط بالمعبر الحدودي مع ليبيا، وتشديد القيود على التجارة الموازية، التي مثلت لعقود مصدر دخل رئيسياً لشرائح واسعة من سكان المنطقة، في ظل محدودية الاستثمارات والمشروعات التنموية.

وقال رئيس المرصد التونسي لحقوق الإنسان مصطفى عبد الكبير إن صعوبة حصول الشباب على تأشيرات دخول إلى دول أوروبا، إلى جانب الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، تدفع البعض إلى اختيار الهجرة غير النظامية بحثاً عن العمل وحياة أفضل.

وأضاف أن سكان بن قردان يعيشون على هامش معبر تجاري وتجارة بينية غير مستقرة، مشيراً إلى أن الخلافات وعدم التقارب بين السلطات التونسية والليبية انعكسا على حركة التجارة، فيما يتحمل سكان المنطقة تبعات ذلك اقتصادياً.

وأوضح عبد الكبير أن جزءاً كبيراً من الشباب والعائلات في بن قردان يعتمد على التجارة البينية، وأن استمرار الصعوبات في المعبر والتأخر في إيجاد حلول لتدفق السلع بين البلدين فاقما الضائقة المالية التي تعيشها المنطقة.

ويرى رئيس المرصد أن تونس لا تمتلك، وفق تقييمه، مقاربة استراتيجية متكاملة للهجرة، منتقداً التركيز على الجوانب الأمنية بدل معالجة الأسباب الاقتصادية والاجتماعية للظاهرة.

وأشار إلى أن الاتحاد الأوروبي تعهد عام 2023 بتقديم أكثر من مليار يورو لتونس لدعم الاقتصاد وإدارة الحدود والحد من الهجرة غير النظامية، لكنه اعتبر أن هذه الترتيبات لا توفر حلولاً كافية للشباب التونسي الراغب في الهجرة النظامية.

وفي مارس الماضي، دعا الرئيس التونسي قيس سعيد إلى إعادة النظر في الشراكة الشاملة بين تونس والاتحاد الأوروبي، معتبراً أن الاتفاق بحاجة إلى أن يكون أكثر توازناً وعدلاً.

من جانبه، دعا النائب في البرلمان عن بن قردان علي زغدود إلى وضع خطة عاجلة للتنمية في المدينة، معتبراً أن تدهور الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية وغياب فرص العمل وتعطل الحركة التجارية عبر المعبر أسهمت في دفع الشباب إلى خيارات محفوفة بالمخاطر، بينها الهجرة عبر البحر.

وانتقد زغدود ما وصفه بغياب المؤسسات والمصانع والشركات ومشروعات الاستثمار الكبرى القادرة على توفير فرص العمل في المدينة، فيما تؤكد السلطات التونسية أنها تعمل على تحقيق التنمية في مختلف المناطق رغم الظروف الاقتصادية والدولية الصعبة.

وقال الباحث في قضايا الهجرة رمضان بن عمر إن الهجرة غير النظامية ستستمر نتيجة تعمق العوامل الاقتصادية والاجتماعية وغياب الأمل لدى شريحة من الشباب.

وأوضح أن بعض الشباب والعائلات باتوا ينظرون إلى مخاطر البقاء في تونس باعتبارها أكبر من مخاطر البحر، رغم معرفتهم بالمآسي التي تواجه المهاجرين خلال الرحلة.

وأشار بن عمر إلى أن الهجرة لم تعد مرتبطة بالحاجة الاقتصادية وحدها، إذ يبحث الشباب أيضاً عن مستقبل أفضل وشعور أكبر بالمواطنة والقدرة على تحقيق تطلعاتهم داخل بلدهم.

وأضاف أن العامل السياسي أصبح مؤثراً في ظاهرة الهجرة خلال السنوات الأخيرة، إلى جانب العوامل الاقتصادية والاجتماعية.

ولفت بن عمر إلى أن الصورة التقليدية لشباب بن قردان باعتبارهم مستفيدين من التجارة البينية مع ليبيا تغيرت تدريجياً مع تدهور الأوضاع في ليبيا وتشديد القيود على الحدود.

وأشار إلى أن إنشاء الساتر الترابي على الحدود أسهم في إنهاء نموذج اقتصادي محلي قائم على التجارة غير النظامية، من دون توفير بدائل اقتصادية كافية، بحسب تقديره.

كما اعتبر أن التضييقات على المعبر أضعفت الوساطات المحلية التي كانت تسعى إلى تسهيل الحركة والتبادل بين الجانبين التونسي والليبي.

وتنفي السلطات التونسية اتهامات التضييق على منظمات المجتمع المدني، وتؤكد التزامها بالحريات وفق الدستور والقوانين.

وحذر بن عمر من أن إغلاق الحدود وتشديد الإجراءات الأمنية من دون توفير بدائل اقتصادية واجتماعية قد يؤدي إلى مزيد من الهجرة غير النظامية أو اندلاع احتجاجات في المناطق المتضررة.

اجتماع حول ليبيا في لندن

اقرأ المزيد