أعادت زيارة رئيس الحكومة المالية عبد الله مايغا إلى الجزائر في 24 أغسطس 2026 طرح سؤال يتجاوز المصالحة الثنائية، فهل بدأت الجزائر مراجعة سياستها تجاه تحالف دول الساحل الذي يضم مالي والنيجر وبوركينا فاسو؟
جاءت الزيارة بعد عودة السفيرين وفتح المجالين الجويين في 10 يوليو، وحملت رسالة من غويتا إلى عبد المجيد تبون، مع قبول الرئيس المالي دعوة لزيارة الجزائر.

يوحي هذا المسار بأن الجزائر انتقلت من إدارة القطيعة إلى اختبار شراكة مع واقع إقليمي فرض نفسه، فيما تبدو روسيا عاملا مساعدا على التقارب وجزءا من معادلته.
أزمة المسيرة كشفت خلافا أعمق
بدأت الأزمة المباشرة ليلة 31 مارس، عندما أسقطت الجزائر مسيرة عسكرية مالية قرب تين زواتين، وأوضحت الجزائر إن الطائرة اخترقت مجالها بنحو 1.6 كيلومتر، بينما أكدت مالي أن الحطام سقط داخل أراضيها بنحو 9.5 كيلومتر، وسحبت مالي والنيجر وبوركينا فاسو سفراءها تضامنا، وردت الجزائر بالمثل وأغلق البلدان مجالهما الجوي، وحولت الحادثة خلافا حدوديا إلى مواجهة مع التحالف كله، وكشفت قدرته على التحرك الدبلوماسي ككتلة واحدة.

التوتر في العلاقات سبق حادثة المسيرة، فباماكو أنهت مطلع 2024 اتفاق الجزائر للسلام الموقع عام 2015، واتهمت الجزائر بالتدخل واستضافة معارضين وقادة من الطوارق، أما الجزائر فرأت في الاتفاق إطارا يحفظ وحدة مالي عبر تسوية سياسية، بينما عدته السلطة العسكرية قيدا على استعادة الشمال بالقوة.
النزاع الحقيقي دار حول من يرسم نظام الأمن: الوساطة الجزائرية أم المقاربة العسكرية التي بنتها باماكو بمساندة روسية.
من القطيعة إلى التطبيع المحسوب
تشكلت بداية الانفراج خارج القناة المالية المباشرة، فزيارة رئيس النيجر عبد الرحمن تياني إلى الجزائر في فبراير 2026 فتحت باب الوساطة، وسط تقارير عن تحركه بالتشاور مع غويتا.
وسعت الجزائر بالتوازي تعاونها في الطاقة والمناجم مع النيجر وبوركينا فاسو، وزادت هجمات أبريل في مالي الحاجة إلى خفض التوتر، لأن تراجع القوات المالية في الشمال أعاد إظهار قيمة الحدود الجزائرية وقنوات الجزائر المحلية.

تسلسل الخطوات يحمل دلالة تتجاوز مالي حيث تقارب مع واغادوغو، ومصالحة مع نيامي، ثم إعادة السفير وفتح الأجواء مع باماكو وزيارة مايغا، ما شكل اعترافا جزائريا بأن الكونفدرالية صارت عنوانا ثابتا في الساحل، والطابع الثنائي يمنح الجزائر هامش مناورة، ويتيح لدول التحالف مراعاة تضامنها الداخلي.
تحالف صاعد يعيد رسم إفريقيا الغربية
انطلق تحالف دول الساحل كميثاق دفاع مشترك في سبتمبر 2023، وتحول إلى كونفدرالية في يوليو 2024، ثم غادرت دوله المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا في يناير 2025، وهو يجمع نحو 2.8 مليون كيلومتر مربع وأكثر من سبعين مليون نسمة، حيث تملك مالي الذهب وبوركينا فاسو والنيجر اليورانيوم، كما أصدر التحالف جواز موحد، وشكل قوة مشتركة قوامها المعلن نحو خمسة آلاف عنصر، إضافة لمصرف استثماري، وهي كلها مؤشرات على تجاوز التنسيق الظرفي بين ثلاثة أنظمة عسكرية.

وتمنح كتلة التحالف الجزائر ثلاثة أسباب للانخراط في علاقات قوية معه، فأولا الجغرافيا التي تجعل استقرار مالي والنيجر جزءا من أمن الجنوب الجزائر، وثانيا استعادة النفوذ الذي تراجع مع انهيار اتفاق الجزائر وصعود شركاء جدد. و ثالثا المنافسة الإقليمية، خصوصا بعد تبني دول التحالف مبادرة المغرب لربط الساحل بالموانئ الأطلسية، وعرض طريق بديل نحو المتوسط الذي أصبح أداة نفوذ جيوسياسي.
الأمن.. الحدود قبل المجاملات
يأتي الأمن في مقدمة الحسابات الجزائرية، حيث تمتد الحدود مع مالي أكثر من 1300 كيلومتر عبر فضاء صحراوي تنشط فيه جماعة نصرة الإسلام والمسلمين وتنظيم الدولة وشبكات السلاح والتهريب والهجرة.
تحمل الجزائر خطين أحمرين متلازمين، الأول قيام كيان انفصالي للطوارق على حدودها، والثاني تحول شمال مالي إلى ملاذ جهادي مفتوح، وهذه الثنائية تفسر دعمها وحدة الأراضي المالية وتمسكها في الوقت نفسه بإدماج سكان الشمال في تسوية سياسية، لأن الحسم العسكري وحده يدفع المقاتلين والنازحين نحو الحدود الجزائرية.
تكشف الأزمة الحاجة إلى آلية تمنع الاحتكاك المباشر، وانسحاب مالي والنيجر من لجنة الأركان العملياتية المشتركة أضعف منصة تبادل المعلومات في تمنراست، فالتطبيع يحتاج إلى بروتوكول للحوادث الجوية، واتصال عسكري مباشر، وترتيبات مراقبة متفق عليها، مع فصل الجماعات الجهادية عن الحركات المحلية القابلة للتفاوض، وغياب هذه الأدوات يترك أي مسيرة قادرة على إعادة العلاقات إلى نقطة الصفر.
الاقتصاد.. الممرات أهم من أرقام التجارة
تكشف الأرقام ضآلة العلاقات الرسمية قياسا بحجم الجوار؛ إذ بلغت المبادلات الجزائرية المالية نحو 7.6 ملايين دولار في 2024، بينما تحجب الإحصاءات تجارة حدودية واسعة، وتكمن الفرصة الحقيقية في تحويل الجغرافيا إلى بنية اقتصادية مثل الطريق العابر للصحراء، ومناطق التبادل الحر، فالربط الكهربائي والاتصالات، وإمدادات الوقود والدواء والحبوب، وخدمات النقل نحو الموانئ الجزائرية.
يربط ممر الطريق العابر للصحراء الجزائر بمالي والنيجر وتشاد ونيجيريا، بما يمنح الجزائر منفذا لتوسيع صادراتها خارج المحروقات ويمنح دول الساحل الحبيسة مسارا إضافيا إلى البحر.
مصلحة الجزائر الاقتصادية ترتبط بالأمن، وتنمية مدن الجنوب وتنظيم التجارة المحلية يقلصان اقتصاد التهريب الذي تستفيد منه الجماعات المسلحة، وخبرة سوناطراك في الاستكشاف والخدمات النفطية توفر مدخلا آخر في النيجر ومالي، ويتطلب نجاح الرؤية تمويلا وتأمينا ومؤسسات تنفيذ، لأن المشاريع من دون طرق آمنة وجمارك فعالة تبقى عناوين سياسية.
روسيا: جسر وشريك بمنهج مختلف
حملت روسيا إلى التقارب ميزة فريدة، فهي تملك شراكة استراتيجية مع الجزائر، وموقع الشريك الأمني الأول لأنظمة التحالف.

دعمت موسكو القوة المشتركة وزادت التدريب والتسليح بحضور فيلق إفريقيا، كما أن لقاء سيرغي لافروف بوزراء خارجية دول التحالف في يوليو 2026 انتهى بتعهد تعزيز التعاون العسكري، ما يجعل روسيا طرفا أساسيا في أي ترتيب أمني جديد.
تشير التقارير إلى دور يتجاوز السلاح، فنشرت “أفريكا إنتليجنس” أن الدبلوماسية الروسية عملت على أعلى المستويات لنحو شهرين لترميم العلاقة، مستعينة بقنوات في النيجر وتوغو والكونغو.
وتحدثت مصادر إعلامية عن تنسيق جزائري روسي لتأمين انسحاب منظم لفيلق إفريقيا من كيدال في أبريل، وهذه المعطيات لم تعلنها الحكومات الثلاث.
مصلحة موسكو منع صدام بين شريكين، والجزائر تستفيد من طرف يستطيع مخاطبة باماكو بلغة الضمانات، ومالي تستفيد من قناة تخفف كلفة التراجع عن التصعيد.
التباين يظل قائما؛ فالجزائر تفضل الجيوش الوطنية والتسويات السياسية، بينما تركز روسيا على حماية الواقع الجديد، والجسر الروسي يمكن أن يقرب الطرفين، ويدفع نحو رفع العلاقات لمستويات جديدة,
بداية انفتاح أوسع أم هدنة مؤقتة؟
تميل الوقائع إلى اعتبار المصالحة بداية انفتاح أوسع، فالجزائر تتعامل مع كل عاصمة على حدة، وتبني مصالح في الطاقة والتجارة والأمن قبل الانتقال إلى إطار مع الكونفدرالية.
استمرار الخلاف حول شمال مالي، وتقارب باماكو مع الرباط في ملف الصحراء الغربية، وغياب اتفاق لإحياء التعاون العسكري تحد من وصف التحول في العلاقات الجزائرية مع تحالف دول الساحل بأنه تحالف استراتيجي.
تكمن الاختبارات الحاسمة في تحديد موعد زيارة غويتا، وإعادة تشغيل اللجنة المشتركة المتوقفة منذ 2016، وإنشاء قناة لمنع الحوادث الحدودية، وإطلاق مشاريع في النقل والطاقة والتجارة.
تحويل التهدئة إلى علاقة مستقرة سيعني أن الجزائر انتقلت من الدفاع عن نظام ساحلي قديم إلى المشاركة في صياغة نظام تصنعه الكونفدرالية والحضور الروسي.
بقلم: مازن بلال
الجزائر تطالب فرنسا بالاعتراف بجرائمها النووية في صحراء البلاد
