الأحزاب المغربية تتجه إلى الانتخابات التشريعية المقررة في 23 سبتمبر، وسط مساعٍ لاستعادة ثقة الناخبين ورفع المشاركة، في ظل اتساع الفجوة بين المواطنين والطبقة السياسية.
وتبرز أزمة الثقة باعتبارها أحد أبرز التحديات التي تواجه الأحزاب، إذ يستشهد ناشطون على منصات التواصل الاجتماعي بمظاهر عدة تعكس، في نظرهم، تراجع ثقة الناخبين، من بينها ظاهرة الترحال السياسي، المتمثلة في انتقال مرشحين من حزب إلى آخر بين الاستحقاقات الانتخابية.
وحتى نهاية أغسطس الماضي، اختار 26 برلمانياً في الولاية التشريعية الحالية تغيير انتماءاتهم السياسية، لخوض الانتخابات المقبلة باسم أحزاب أخرى، وفق قرارات منشورة على الموقع الإلكتروني للمحكمة الدستورية.
كما يثير ناشطون قضايا أخرى مرتبطة بالعملية الانتخابية، من بينها استخدام المال الانتخابي، وعدم وفاء بعض الأحزاب بالتزاماتها الواردة في برامجها، فضلاً عن تعيين وزراء من خارج الأحزاب السياسية.
ويرى أستاذ العلوم السياسية بجامعة سيدي محمد بن عبد الله في فاس، إسماعيل حمودي، أن الانتخابات المقبلة تحمل ثلاثة رهانات أساسية، يأتي في مقدمتها ضمان نزاهة الاقتراع.
ويطرح حمودي، في حديث للأناضول، تساؤلاً بشأن مدى قدرة العملية الانتخابية على حماية صناديق الاقتراع من التلاعب، وضمان أن تعكس النتائج اختيارات المواطنين الفعلية.
ويشير إلى أن هذا الرهان يرتبط بشكل وثيق بإشكالية المال، معتبراً أن الإنفاق الانتخابي أسهم في تحويل الانتخابات إلى ساحة للتنافس بين أصحاب الأموال وشبكات المصالح.
وأما الرهان الثاني، فيتعلق بتنافسية الانتخابات ومدى توفر شروط عادلة ومتوازنة بين مختلف المتنافسين.
ويلفت حمودي إلى أن الأحزاب دأبت على الشكوى من تدخلات بعض رجال السلطة، ومن قوانين لا تراها ديمقراطية، فضلاً عن استخدام المال السياسي في ظل ما يعتبره رقابة غير كافية من الجهات المكلفة بحماية العملية الانتخابية.
ويرتبط الرهان الثالث، وفق حمودي، بما بعد الانتخابات، ومدى قدرة النتائج على إنتاج مؤسسات أكثر تمثيلاً وفاعلية وخضوعاً للمساءلة، بما يسهم في إعادة بناء الثقة بين المواطن والعمل السياسي.
ويشير إلى أن الدولة اتخذت بالفعل عدداً من الإجراءات التنظيمية استعداداً للاقتراع، من بينها مراجعة اللوائح الانتخابية، لكنه يعتبر أن الاختبار السياسي الأهم ستحدده نسبة المشاركة ومدى شعور المواطنين بأن أصواتهم قادرة على إحداث أثر سياسي.
وبلغت نسبة المشاركة في الانتخابات التشريعية الأخيرة عام 2021 نحو 50.18 في المائة، مقارنة بـ43 في المائة في انتخابات 2016.
ومن جانبه، يرى أستاذ الصحافة والإعلام بجامعة مولاي إسماعيل في مكناس، محمد كريم بوخصاص، أن الأحزاب السياسية تمتلك اليوم إمكانات أكبر للتواصل مع الناخبين مقارنة بالاستحقاقات السابقة، سواء عبر وسائل الإعلام التقليدية أو المنصات الرقمية.
ولكنه يوضح، في حديث صحفي، أن المشكلة لم تعد في قدرة الأحزاب على الوصول إلى الناخب، بقدر ما أصبحت مرتبطة بقدرتها على إقناعه واستعادة ثقته.
ويشير بوخصاص إلى وجود فجوة واضحة بين المواطنين والمؤسسات والفاعلين السياسيين، تبدو أكثر وضوحاً لدى فئة الشباب، ما يضع الأحزاب أمام تحديين رئيسيين خلال الانتخابات المقبلة.
ويتمثل التحدي الأول في تجاوز ما وصفه بـ”التواصل الموسمي”، الذي ينشط خلال الحملات الانتخابية ثم يتراجع بعد انتهائها.
وأما التحدي الثاني، فيتمثل في الانتقال من خطاب يقوم على الشعارات والوعود إلى خطاب يشرح الخيارات السياسية والاقتصادية، ويقدم برامج قابلة للقياس، ويربط الالتزامات الانتخابية بالحصيلة والمساءلة.
ويرى بوخصاص أن البيئة الرقمية، رغم ما توفره من فرص للوصول إلى الناخبين، تفرض تحديات إضافية تتعلق بسرعة تداول المعلومات وانتشار التضليل، فضلاً عن هيمنة المحتويات المختصرة والانفعالية.
ويؤكد أن نجاح الأحزاب في مجال التواصل لن يقاس فقط بعدد المتابعين أو بحجم حضورها على المنصات الرقمية، وإنما بمدى قدرتها على الإنصات للناخبين والتفاعل معهم وتقديم إجابات مقنعة عن القضايا التي تشغلهم.
ويخلص إلى أن الرهان الحقيقي في انتخابات 2026 يتمثل في قدرة الأحزاب على تحويل التواصل من أداة للتعبئة الانتخابية المؤقتة إلى علاقة سياسية مستمرة مع المواطن.
ويشدد على أن أزمة الثقة لا يمكن معالجتها من خلال حملة تواصلية ناجحة فحسب، بل تتطلب المصداقية والوضوح والقدرة على تنفيذ الوعود الانتخابية.
ويعتبر حمودي أن من الصعب الجزم بقدرة الأحزاب السياسية على استعادة ثقة المواطنين خلال الانتخابات التشريعية المقبلة، موضحاً أن المشكلة لا تقتصر على اعتقاد الناخب بأن الأحزاب لا تمثله، بل تمتد إلى شعوره بأنها لا تعبر عن مصالح المواطنين.
ويلفت إلى نتائج دراسة وطنية حديثة شملت نحو 3 آلاف مشارك، أظهرت، وفق عرضه، أن 88 في المائة من المستطلعين يرون أن الأحزاب لا تهتم بما يكفي بانشغالات المواطنين.
كما أظهرت الدراسة، بحسب حمودي، أن 90.4 في المائة يرون أن المنتخبين لا يوفون بالتزاماتهم، في حين أفاد 79.5 في المائة بعدم وجود علاقة أو تواصل بينهم وبين الأحزاب السياسية.
ويرى أن هذه المؤشرات تجعل استعادة الثقة في الانتخابات المقبلة مهمة صعبة، خصوصاً أن فقدان الثقة جاء، بحسب تقديره، نتيجة مسار طويل، وبالتالي فإن استعادتها تتطلب بدورها عملاً متدرجاً ومستداماً.
وفي 13 نوفمبر الماضي، تعهد وزير الداخلية المغربي عبد الوافي لفتيت بضمان شفافية الانتخابات، وذلك خلال اجتماع برلماني خُصص لعرض مشاريع قوانين مرتبطة بالاستحقاقات الانتخابية.
وقال لفتيت إن من أبرز التحديات التي تواجه الانتخابات المقبلة إرساء قواعد من شأنها تخليق الحياة السياسية والانتخابية بشكل نهائي، مؤكداً أن تحقيق هذه الغاية يمثل قناعة مشتركة بين مختلف الأطراف المعنية.
وأضاف أن هذه الإجراءات تستهدف صيانة سمعة مجلس النواب أمام الرأي العام الوطني وعلى المستوى الدولي.
وتخوض أحزاب الحكم والمعارضة الاستحقاقات المقبلة وسط منافسة على المرتبة الأولى، بما يتيح للحزب أو التحالف صاحب النتائج الأقوى فرصة قيادة مفاوضات تشكيل الحكومة المقبلة.
وتتكون الحكومة الحالية، برئاسة عزيز أخنوش، من ائتلاف يضم ثلاثة أحزاب رئيسية هي التجمع الوطني للأحرار، والأصالة والمعاصرة، والاستقلال، فيما تسعى القوى السياسية، بمختلف مواقعها، إلى إعادة ترتيب موازينها استعداداً للمرحلة السياسية المقبلة.
وبين ضمان نزاهة الاقتراع، وتعزيز التنافسية، ورفع المشاركة، ومعالجة أزمة الثقة، تبدو الانتخابات المقبلة أمام تحديات تتجاوز مجرد تحديد الخريطة البرلمانية الجديدة، لتشمل مدى قدرة المؤسسات والأحزاب على إعادة وصل الناخب بالعمل السياسي وترسيخ الثقة في المسار الديمقراطي.
المغرب وكينيا يتفقان على تعزيز التعاون الدفاعي
