تصاعد القتال في السودان مع اتساع المواجهات بين الجيش والدعم السريع في كردفان ودارفور والخرطوم والنيل الأزرق، وسط تعثر جهود الهدنة.
وجاء التصعيد عقب تصريحات لقادة الجيش أكدوا فيها التمسك بالخيار العسكري والسعي إلى حسم المعركة ضد قوات الدعم السريع، قبل أن تتوسع العمليات البرية والجوية في مناطق عدة من البلاد.
وقال رئيس أركان الجيش السوداني ياسر العطا، مطلع أغسطس، إن القوات المسلحة تنفذ استراتيجية هجومية على مختلف المحاور، متعهداً بإنهاء وجود قوات الدعم السريع قبل نهاية عام 2026.
وأعقبت تلك التصريحات عمليات للجيش والقوات المتحالفة معه في شمال كردفان، أسفرت، وفق مصادر عسكرية، عن السيطرة على مناطق بارا وجبرة الشيخ وأم سيالة وأم قرفة.
وكثف الجيش بعد ذلك غاراته الجوية واستخدام الطائرات المسيّرة ضد مواقع لقوات الدعم السريع في شمال وغرب كردفان، بما في ذلك أم بادر وسودري وأبو زعيمة والمزروب والخوي والنهود.
وامتدت الغارات إلى مناطق في دارفور، حيث أفادت تقارير حقوقية بمقتل 35 شخصاً في ضربة بطائرة مسيّرة في الثاني من أغسطس، وسط تزايد المخاوف من ارتفاع الخسائر في صفوف المدنيين جراء القصف المتبادل.
هجمات على الأبيض والعاصمة
وردت قوات الدعم السريع بهجمات برية وبالمسيّرات على مواقع للجيش، خصوصاً في محيط مدينة الأبيض بولاية شمال كردفان.
وتعرضت المدينة، الأربعاء، لنحو ثماني هجمات بالمسيّرات، استهدفت إحداها محيط مقر الفرقة الخامسة مشاة التابعة للجيش، بحسب مصادر محلية.
وتزامنت الهجمات مع موجة من الضربات بالمسيّرات استهدفت الخرطوم وأم درمان والخرطوم بحري، إضافة إلى عطبرة والدامر في ولاية نهر النيل وربك في ولاية النيل الأبيض.
وقال الجيش السوداني إن دفاعاته الجوية أسقطت أكثر من 20 مسيّرة، فيما أفاد سكان بسماع انفجارات وتصاعد أعمدة الدخان في مناطق مختلفة.
ولم تعلن قوات الدعم السريع رسمياً مسؤوليتها عن الهجمات، لكن مصادر عسكرية وشهوداً وتقارير محلية ودولية نسبتها إليها.
وتشير عودة الهجمات بالمسيّرات إلى العاصمة إلى استمرار قدرة قوات الدعم السريع على استهداف مناطق بعيدة عن خطوط المواجهة، رغم فقدانها السيطرة على الخرطوم.
جبهة جديدة في النيل الأزرق
وفي جنوب شرق السودان، تجدد القتال في إقليم النيل الأزرق، حيث شنت قوات الدعم السريع والحركة الشعبية-شمال هجوماً مشتركاً على مدينة قيسان القريبة من الحدود الإثيوبية.
وأعلن تحالف “تأسيس” السيطرة على المدينة عقب معارك مع الجيش السوداني، في تطور يفتح جبهة جديدة بعيداً عن مسارح القتال الرئيسية في دارفور وكردفان.
وقالت الأمم المتحدة إن المعارك الأخيرة بين الجيش وقوات الدعم السريع وحلفائهما في المنطقة أسفرت عن مقتل أكثر من 20 مدنياً ونزوح نحو 2500 شخص، إلى جانب تضرر منشآت وخدمات أساسية.
ويثير تجدد القتال في النيل الأزرق مخاوف من موجة نزوح جديدة داخل السودان وعبر الحدود، خصوصاً باتجاه إثيوبيا وجنوب السودان.
تعثر جهود الهدنة
ويتزامن التصعيد مع تحركات إقليمية ودولية لإنهاء الحرب، بينها جهود الآلية الخماسية التي تضم الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي والاتحاد الأفريقي والهيئة الحكومية للتنمية “إيغاد” وجامعة الدول العربية.
كما يواصل المبعوث الأميركي تحركاته للدفع باتجاه خفض التصعيد وإقرار هدنة إنسانية تتيح إيصال المساعدات إلى المتضررين.
وكان مقترح أميركي قد دعا إلى هدنة لمدة 90 يوماً، تعقبها مفاوضات بشأن وقف شامل لإطلاق النار ومسار سياسي يقود إلى حكم مدني.
وأعلنت قوات الدعم السريع قبولها المبدئي بالمبادرة، بينما رفضت قيادة الجيش المقترح بصيغته المطروحة، واشترطت انسحاب قوات الدعم السريع من المدن والمناطق المدنية التي تسيطر عليها.
ويزيد استمرار العمليات العسكرية من صعوبة بناء الثقة بين الطرفين، في وقت يراهن فيه كل طرف على تحسين موقعه الميداني قبل العودة إلى المفاوضات.
المدنيون في مواجهة التصعيد
وتفاقم العمليات العسكرية الأزمة الإنسانية في السودان، حيث يواجه ملايين المدنيين نقصاً حاداً في الغذاء والمياه والوقود والأدوية، إلى جانب استمرار موجات النزوح.
وتعاني مدينة الأبيض، التي تضم نحو نصف مليون شخص بينهم عشرات الآلاف من النازحين، نقصاً في الإمدادات الأساسية، فيما أدت المعارك في شمال كردفان إلى نزوح جديد وتعطيل خدمات المياه والصحة.
وفي دارفور، أدت العمليات العسكرية والقصف إلى تفاقم الأوضاع الإنسانية، بالتزامن مع ارتفاع أسعار الغذاء وتراجع المساعدات، بينما تواجه مناطق عدة تفشي أمراض، بينها الكوليرا.
وأدت المعارك كذلك إلى تعطيل طرق الإمداد وعرقلة وصول المساعدات الإنسانية إلى مناطق متضررة، ما يزيد مخاطر الجوع وسوء التغذية، خصوصاً بين الأطفال والنازحين.
وتحذر منظمات إغاثة من أن استمرار القتال وتعدد جبهاته يحدان من قدرتها على الوصول إلى السكان المحتاجين، في وقت تتزايد فيه الاحتياجات وتتراجع الموارد المتاحة للاستجابة الإنسانية.
وفي دارفور، يواجه مئات الآلاف من النازحين ظروفاً معيشية صعبة داخل المخيمات ومناطق النزوح، مع نقص الغذاء والمياه والرعاية الصحية، بينما تدفع المعارك المتجددة مزيداً من السكان إلى الفرار من مناطقهم.
أما في كردفان، فتشكل سيطرة أي طرف على الطرق والمدن الرئيسية عاملاً حاسماً في تأمين خطوط الإمداد والتحرك العسكري، ما يجعل المنطقة مرشحة لمزيد من المعارك خلال المرحلة المقبلة.
ومع اتساع القتال إلى النيل الأزرق واستمرار الهجمات بالمسيّرات على المدن الواقعة تحت سيطرة الجيش، تبدو الحرب أكثر تعقيداً من أي وقت مضى، في ظل صعوبة تحقيق انتصار حاسم لأي من الطرفين.
ويرى مراقبون أن استمرار الرهان على الحسم العسكري قد يؤدي إلى إطالة أمد الحرب بدلاً من إنهائها، خصوصاً مع قدرة كل طرف على فتح جبهات جديدة واستنزاف خصمه.
وبعد أكثر من ثلاثة أعوام على اندلاع الحرب، يبقى المدنيون في مواجهة تداعيات القتال، بينما تتراجع فرص التسوية السياسية مع كل موجة تصعيد جديدة، ويزداد خطر تحول الصراع إلى حرب استنزاف طويلة الأمد.
نزوح عشرات الآلاف من دارفور إلى تشاد إثر هجمات عنيفة للدعم السريع
