وثائق سرية كشفت، وفق “واشنطن بوست”، عن مخزون من الأسلحة الكيميائية في السودان مرتبط بـ”قوات بورتسودان” بقيادة عبد الفتاح البرهان، وسط اتهامات لمسؤولين كبار بمحاولة إخفاء البرنامج.
وبحسب الصحيفة، تشير الوثائق إلى استخدام قنابل تحتوي على غاز الكلور، مستندة في ذلك إلى مقاطع فيديو ورسائل نصية ومواد داخلية قالت إنها حصلت عليها، وتصف كيفية تطوير “الجيش السوداني” وإنتاجه، على مدى ستة أشهر خلال عام 2024، ذخائر تعتمد على غاز الكلور بهدف استخدامها ضد قوات الدعم السريع.
وتتجاوز المواد التي حصلت عليها الصحيفة، والتي لم يسبق الكشف عنها، المعلومات المحدودة التي أعلنتها الحكومة الأمريكية عندما فرضت عقوبات اقتصادية على السودان، عقب هجومين يُشتبه في استخدام غاز الكلور خلالهما في سبتمبر 2024.
وتتضمن الوثائق، وفق التقرير، مخططات لتصميم القنابل وتفاصيل بشأن اختبارات سرية أُجريت في مناطق صحراوية، فضلًا عن معلومات تشير إلى محاولات لإخفاء آثار البرنامج بعد اكتشافه من جانب الولايات المتحدة.
ووصفت المصادر التي تحدثت إلى الصحيفة هذه المواد بأنها أدلة موثوقة على وجود برنامج للأسلحة الكيميائية في السودان.
وقال غاريث ويليامز، المسؤول الكبير السابق في منظمة حظر الأسلحة الكيميائية، إن الأدلة الواردة في الوثائق “مثيرة للقلق وتدعو إلى القلق العميق”.
وبحسب مسؤولين أمنيين وخبراء، فإن استخدام ذخائر غاز الكلور، وهي أسلحة بدائية تعود إلى حقبة حرب الخنادق خلال الحرب العالمية الأولى، من غير المرجح أن يؤدي إلى تغيير مسار الجمود العسكري القائم في السودان.
لكن رسائل نصية منسوبة إلى ضباط عسكريين سودانيين، بحسب مسؤولين أمنيين في الشرق الأوسط، تشير إلى أن الجيش السوداني رأى في الهجمات باستخدام المواد الكيميائية وسيلة لإثارة الرعب ودفع قوات «الدعم السريع» إلى مغادرة مواقعها المحصنة.
وفي إحدى المراسلات، أشار شخص عُرّف بأنه ضابط سوداني إلى ثكنات تابعة للشرطة تضم أبراج حراسة تسيطر عليها قوات الدعم السريع، قائلًا إن المجمع “يجب استهدافه.. الغاز سيغطي كل هذه الأبراج وأي قناص سينزل منها”، بما يسمح لمقاتلي الجيش السوداني، وفق تعبيره، بـ”تحييدهم”.
كما تحتوي المجموعة التي استندت إليها الصحيفة على صور ومقاطع فيديو تظهر عشرات القنابل المرتجلة، وقد رُصت داخل هياكل شبيهة بالمستودعات.
وتظهر في عدد من الصور أسطوانات تشبه تلك المستخدمة في شوايات المنازل، إلى جانب خزانات تُستخدم أساسًا لتخزين الغاز المسال، قبل أن تخضع، وفق التقرير، لتعديلات بواسطة اللحامين، شملت تثبيت أغطية مروحية وإبر إطلاق تعمل بنظام النوابض وزعانف ديناميكية هوائية، بهدف ضمان سقوط القنابل برأسها باتجاه الأهداف.
ويُظهر أحد مقاطع الفيديو نظاماً بدائياً لتعبئة الذخائر بغاز الكلور المسحوب من أسطوانات تخزين كبيرة صفراء اللون، فيما تبدو أحواض معدنية متصلة بمصدر للمياه المبردة وسط شبكة من الصمامات والخراطيم.
وتظهر بعض الصور الأكثر إثارة للانتباه في الملفات عمليات اختبار للأسلحة في مناطق صحراوية نائية. وفي أحد المقاطع، يمكن سماع صوت طائرة تقترب قبل أن تسقط مقذوفات على الرمال، أعقبها تصاعد أعمدة طويلة من البخار الأصفر، وهو اللون الذي يرتبط بغاز الكلور وفقاً للخبراء الذين استشارتهم الصحيفة.
ويمكن كذلك سماع أصوات مراقبين غير ظاهرين في التسجيل وهم يهتفون عقب وقوع الانفجارات، في مشاهد قالت الصحيفة إنها تمثل جزءًا من المواد التي تدعم روايتها بشأن عمليات الاختبار.
وتقدم الوثائق معلومات متباينة بشأن كيفية حصول السودان على مادة الكلور، وهي مادة كيميائية تستخدم بصورة أساسية في معالجة مياه الشرب والقضاء على البكتيريا الضارة، لكنها قد تصبح شديدة الخطورة عند استخدامها كسلاح، إذ يمكن أن تؤدي إلى حروق في الجلد وإصابات خطيرة في الجهاز التنفسي، وقد تتسبب في فشل التنفس.
وقال مسؤول أمني في الشرق الأوسط، شارك الوثائق مع الصحيفة، إنهم يعتقدون أن ملفات الاستخبارات تشير إلى أن الجيش السوداني كان لا يزال يختبر تصميمات لقنابل تعتمد على الكلور خلال تلك الفترة، ولم تكن تلك التصميمات قد اعتمدت للاستخدام في وقت الهجوم على المصفاة، بحسب روايته.
وتتضمن الرسائل الواردة في الملفات إشارات أخرى إلى محطات لمعالجة المياه، في سياق البحث عن مصادر لمادة الكلور المستخدمة في تصنيع الذخائر.
وفي تسجيل صوتي نسبه المسؤولون إلى مدني، يتحدث شخص عن “أسطوانات الكلور التي تُستخدم للتعقيم وقتل البكتيريا” في إحدى منشآت تنقية المياه.
ويقول المتحدث في التسجيل إن تلك الأسطوانات “تأتي عبر برامج الرعاية الصحية التابعة للأمم المتحدة أو غيرها”، قبل أن يضيف: “أخذنا بعضاً منها من هناك”.
وتأتي هذه المعطيات في وقت يواصل فيه السودان حرباً دامية بين الجيش وقوات الدعم السريع، وسط اتهامات متبادلة بشأن انتهاكات خطيرة خلال النزاع، فيما تثير المعلومات الجديدة، في حال تأكدت صحتها، مخاوف إضافية بشأن طبيعة الأسلحة المستخدمة ومسار التصعيد العسكري في البلاد.
مصر تؤكد انخراطها في إطار رباعي مع السعودية وتركيا وباكستان
