27 سبتمبر 2026

صيد الطيور البرية في ليبيا تحول من هواية للاستمتاع بالطبيعة إلى منافسات تتجاوز الضوابط، ما أدى إلى مشاهد لطيور نافقة بأعداد كبيرة، وسط تحذيرات منظمات بيئية من الصيد الجائر وتأثيره على الحياة البرية واستدامة أعداد الطيور.

وتؤكد منظمة البراري لصون الطبيعة في ليبيا، التي نشرت عبر صفحتها الرسمية صوراً ومشاهد لأعداد كبيرة من الطيور المصطادة، أنها لا تعارض الصيد المسؤول والمنظم، وإنما تحذر من ثقافة المبالغة في الصيد والتفاخر بحجم الحصيلة وتحويل الأمر إلى منافسة بين الصيادين.

وقالت المنظمة في بيان نشرته عبر مواقع التواصل الاجتماعي إن “الصياد الواعي يجب أن يدرك أن استمرار الطريدة أهم من حصيلة يوم واحد”، داعية إلى التعامل مع الصيد باعتباره نشاطاً منظماً لا سباقاً لاستنزاف الحياة البرية.

ومن بين المشاهد التي أثارت انتقادات بيئية، نشر أحد الصيادين ورقتين على مجمدين يستخدمهما لحفظ حصيلة الصيد، أشارتا إلى احتواء كل مجمد على نحو ألف حمامة.

وعلقت منظمة البراري على المشهد محذرة من أن نشر مثل هذه الصور على سبيل التفاخر قد يشجع آخرين على تقليد أصحابها والدخول في منافسة على أعداد الطيور المصطادة، بما يحول الحياة البرية إلى “مسابقة في الاستنزاف”.

وأشارت المنظمة إلى أن استمرار هذا السلوك يضر أيضاً بالصيادين الذين يلتزمون بالضوابط، إذ عبّر عدد منهم في مقاطع فيديو متداولة عن تراجع أعداد الطرائد وقلة ما يعثرون عليه مقارنة بما كان متوافراً في السابق.

وأثارت الجمعية الليبية للطيور بدورها قضية الصيد الجائر، خصوصاً صيد طيور اليمام القمري الأوروبي وعرضها للبيع، معتبرة أن ذلك يعكس تحولاً مقلقاً نحو الاتجار بالطرائد واستغلال الحياة البرية لأغراض تجارية.

وقالت الجمعية في بيان عبر صفحتها على فيسبوك إن هذا السلوك يزيد الضغوط على الأنواع البرية ويهدد استدامة تجمعاتها الطبيعية، مشيرة إلى أن اليمام القمري الأوروبي يحظى بأهمية خاصة باعتباره من الطيور المهاجرة التي تعبر ليبيا خلال رحلتها بين مناطق التكاثر ومناطق الشتاء في أفريقيا.

ولفتت الجمعية إلى أن أعداد هذا النوع شهدت تراجعاً كبيراً على المستوى العالمي، وأصبح مصنفاً ضمن فئة الأنواع المعرضة للخطر.

ودعت الجمعية، على غرار منظمة البراري، إلى تنظيم الصيد بدلاً من الاكتفاء بمنعه، مؤكدة الحاجة إلى تحديث وتفعيل منظومة تنظيم الصيد في ليبيا بما يضمن حماية الأنواع المهددة والمهاجرة، وتنظيم مواسم الصيد وكمياته ووسائله، وتعزيز الرقابة وتطبيق القوانين على أرض الواقع.

وتكتسب الدعوات إلى تنظيم الصيد أهمية خاصة بالنظر إلى موقع ليبيا على مسارات هجرة الطيور، إذ لا تقتصر أهمية البلاد على كونها منطقة عبور، بل تضم مناطق ساحلية وداخلية تمثل محطات للتوقف والتغذية والراحة خلال رحلات الطيور المهاجرة.

وبحسب تقرير لشبكة الطيور المائية في منطقة المتوسط “ميد ووتر بيردز” ومؤسسة “تور دو فالاه” لأبحاث الأراضي الرطبة وحفظ الطبيعة، تمتلك ليبيا نحو 2000 كيلومتر من السواحل، تضم السبخات والخلجان والبحيرات والمسطحات الساحلية، إلى جانب الواحات والأودية الداخلية، وهي مواقع توفر محطات مهمة للطيور خلال رحلات الهجرة.

وفي السياق ذاته، أشار تقرير لمنظمة “بيرد لايف” الدولية لعام 2025 إلى أن ليبيا تأتي ضمن الدول العشر الأعلى في المنطقة من حيث تقديرات القتل غير القانوني للطيور، وقدر التقرير عدد الطيور التي تُقتل بصورة غير قانونية بنحو 503 آلاف طائر سنوياً.

ولا يوجد تقدير رسمي ليبي حديث يؤكد هذا الرقم أو ينفيه، إلا أن المشاهد التي نشرتها منظمة البراري، والتي أظهرت ألف طائر في كل مجمد، تعكس، بحسب أحمد عجاج، مدير المنظمة، حجم الضغوط التي تتعرض لها الطيور البرية نتيجة الصيد المفرط.

وقال عجاج إن هذه الأعداد تعكس مستوى الإسراف في الصيد، معتبراً أن استمرار هذا السلوك يهدد بعض الأنواع التي تصنفها المنظمات الدولية ضمن الأنواع المعرضة للخطر، وفي مقدمتها اليمام القمري الأوروبي وطائر الشحيم.

وأضاف أن المنظمة لا تعارض الصيد المسؤول للطيور وغيرها من الأنواع، عندما يقتصر على الاستخدام الشخصي، لكنه أشار إلى أن وجود سوق لبيع هذه الطيور بأسعار مرتفعة يزيد من الرغبة في صيدها ويدفع إلى التنافس على جمع أعداد أكبر منها.

ويصل سعر زوج اليمام القمري الأوروبي إلى نحو 100 دينار ليبي، أي ما يقارب 21 دولاراً، فيما يباع الطبق الذي يضم 50 طائراً من الشحيم بالسعر نفسه، وهو ما يفسر، وفق عجاج، جانباً من دوافع الصيد بأعداد كبيرة.

ويرى عجاج أن الحل لا يكمن في منع الصيد بشكل كامل، لأن الحظر وحده قد لا ينهي المشكلة، داعياً بدلاً من ذلك إلى وضع تشريع يحقق ما وصفه بـ”الصيد المستدام”، من خلال تحديد ضوابط واضحة للصيد وحماية الأنواع المهددة.

وأوضح عجاج أن الإطار القانوني المطلوب لتنظيم الصيد ينبغي أن يحدد خمسة عناصر أساسية، تشمل أنواع الطيور المسموح بصيدها، والمناطق التي يسمح فيها بالصيد، والمواسم المناسبة، بما في ذلك تحديد فترات الهجرة التي يمكن خلالها الصيد أو حظره، إلى جانب وسائل الصيد والأعداد المسموح لكل صياد مرخص باصطيادها.

وأشار إلى ضرورة حظر استخدام الشباك، نظراً إلى أنها قد تصيد الطيور المسموح بها وغير المسموح بها على حد سواء، بينما يمكن تنظيم استخدام البنادق النارية والهوائية وفق ضوابط واضحة، مع تحديد حصص الصيد لكل شخص يحمل ترخيصاً.

وبحسب عجاج، فإن قانون الصيد المعمول به في ليبيا لا يتضمن هذه العناصر الخمسة بصورة كافية، فضلاً عن كونه تشريعاً قديماً يعود إلى عام 1968، خلال العهد الملكي في ليبيا، ويتضمن عقوبات مالية محدودة لا تمثل، بحسب تقديره، رادعاً كافياً للمخالفين.

كما لم يعالج قانون حماية وتحسين البيئة رقم 15 لسنة 2003 هذه الثغرات بصورة تفصيلية، إذ يتضمن نصاً عاماً يؤكد ضرورة المحافظة على الحيوانات والطيور البرية وحمايتها من الانقراض نتيجة الصيد، دون وضع تفاصيل تتعلق بأنواع الطيور ومواقع ومواسم الصيد ووسائله والكميات المسموح بها والعقوبات الخاصة بالمخالفات.

وفي ظل غياب تشريع أكثر تفصيلاً ورادعاً، تقتصر جهود جمعيات المجتمع المدني المعنية بالبيئة إلى حد كبير على التوعية بمخاطر الصيد الجائر والتعريف بأهمية حماية الطيور والحياة البرية.

ويؤكد عجاج أن جهود المنظمات والجمعيات تمثل محاولة للحد من حجم المشكلة، لكنه يرى أن معالجة الظاهرة بصورة نهائية تتطلب إصدار قانون واضح وحاسم يحدد ضوابط الصيد المستدام والعناصر الأساسية لتنظيمه، إلى جانب فرض عقوبات على المخالفين.

أمطار غزيرة تضرب مدنا بشرق ليبيا وسط مخاوف من كارثة وانتقادات للدبيبة

اقرأ المزيد