يمثل توسيع التعاون الجزائري النيجري إلى الأشغال العمومية والبنية التحتية خطوة نحو تحويل التقارب السياسي إلى مشاريع تنموية وشراكات عملية.
ويرى المحلل السياسي سامبو سوسوكو، أن إدراج قطاع الأشغال العمومية والبنية التحتية ضمن مجالات التعاون بين الجزائر والنيجر يمثل مرحلة مهمة في مسار العلاقات الثنائية، باعتباره ينقلها من مستوى التفاهمات السياسية إلى تعاون يرتبط بشكل مباشر بالاحتياجات التنموية للبلدين.
وأوضح سوسوكو أن أهمية هذا القطاع تكمن في طبيعته الاستراتيجية، باعتبار البنية التحتية أحد المحركات الأساسية للتنمية الاقتصادية والاجتماعية، مشيراً إلى أنها لا تقتصر على إنجاز الطرق والمنشآت، بل تشكل قاعدة لتطوير النقل والتجارة والطاقة والاتصالات، فضلاً عن تسهيل حركة الأشخاص والبضائع وربط المناطق الداخلية بالمراكز الاقتصادية والأسواق.
وأشار إلى أن الجزائر راكمت خلال العقود الماضية خبرة معتبرة في إنجاز الطرق والمنشآت الكبرى وتسيير المشاريع العمومية، إلى جانب امتلاكها أجهزة ومخابر متخصصة في الدراسات التقنية ومراقبة الجودة. واعتبر أن وضع هذه الخبرة في خدمة التعاون مع النيجر يمكن أن يمنح الشراكة الثنائية بعداً تقنياً ومهنياً، ويساعد الجانب النيجري على تطوير قدراته في التخطيط والتنفيذ والمتابعة والصيانة.
وأكد سوسوكو أن القيمة الأساسية للتعاون لا ينبغي أن تقاس فقط بعدد المشاريع المنجزة، وإنما أيضاً بمدى مساهمته في بناء الكفاءات المحلية. وأوضح أن نقل الخبرة يمثل استثماراً طويل الأمد، إذ ينتهي مشروع الطريق أو المنشأة بانتهاء الأشغال، بينما يترك تكوين المهندس والتقني والإطار المتخصص أثراً مستداماً يسمح بتطوير مشاريع جديدة بالاعتماد على القدرات الوطنية.
وأضاف أن برامج التكوين وتبادل الخبرات يمكن أن تشمل مجالات الدراسات الجيوتقنية، وهندسة الطرق والجسور، ومراقبة جودة مواد البناء، وإدارة المشاريع، والصيانة والسلامة، إلى جانب متابعة الورشات واستخدام الوسائل الرقمية في مراقبة تقدم المشاريع.
ويرى المحلل السياسي أن إشراك المؤسسات الجزائرية المتخصصة ومراكز التكوين والمخابر التقنية في هذه العملية من شأنه تعميق التعاون ورفع فعاليته، مشدداً على أن نقل التكنولوجيا لا ينبغي أن يقتصر على إرسال تجهيزات أو خبراء لفترات محدودة، بل يجب أن يقوم على نقل المعرفة بصورة تدريجية ومنظمة.
واقترح في هذا الإطار اعتماد برامج تكوين تجمع بين الجانب النظري والتطبيق الميداني، مع مرافقة الكفاءات النيجرية خلال مراحل تنفيذ المشاريع، ووضع أدلة تقنية وإجراءات عمل تمكنها لاحقاً من إدارة المشاريع وتشغيل التجهيزات وصيانتها بصورة مستقلة.
وبحسب سوسوكو، يمكن لهذا النموذج أن يحقق مكسبين متوازيين، أولهما تحسين نوعية المشاريع وتسريع وتيرة إنجازها، وثانيهما بناء قاعدة من الكفاءات النيجرية القادرة على مواصلة العمل بعد انتهاء برامج التعاون. وأكد أن نجاح الشراكة في مجال البنية التحتية يقاس بقدرتها على خلق قيمة محلية مستدامة، وليس فقط بحجم الدعم أو عدد الخبراء الموفدين.
مشاريع إقليمية
وفيما يتعلق بالآفاق المستقبلية، يرى سوسوكو أن خطة العمل المشتركة في مجال الأشغال العمومية يمكن أن تشكل مدخلاً لتوسيع التعاون إلى قطاعات استراتيجية أخرى، بالنظر إلى الارتباط المباشر بين البنية التحتية والطاقة والنقل والتجارة والمياه والاتصالات واللوجستيك.
وأوضح أن تطوير شبكات الطرق والمنشآت القاعدية يمكن أن يساهم في خلق بيئة أكثر ملاءمة للاستثمار والتبادل التجاري، بما يدفع المؤسسات الاقتصادية الجزائرية والنيجرية إلى البحث عن فرص شراكة جديدة.
كما اعتبر أن المشاريع ذات البعد الإقليمي، وعلى رأسها الطريق العابر للصحراء ومشاريع الربط والنقل والطاقة، يمكن أن تستفيد من هذا المناخ الجديد للتعاون، مؤكداً أن تعزيز البنية التحتية بين دول المنطقة لا يخدم العلاقات الثنائية فحسب، وإنما يساهم أيضاً في بناء فضاء اقتصادي أكثر ترابطاً في منطقة الساحل.
وأضاف أن الجزائر تمتلك موقعاً جغرافياً وخبرة مؤسساتية يمكن أن يؤهلاها للاضطلاع بدور أكبر في مشاريع الربط الإقليمي التي تصل شمال القارة بعمقها الإفريقي.
الانتقال إلى شراكات مشتركة
ويرى سوسوكو أن المرحلة المقبلة تتطلب الانتقال من التعاون القائم على تبادل الخبرات إلى شراكات أكثر تنظيماً، من خلال إنشاء فرق عمل مشتركة، وإشراك المؤسسات الاقتصادية والجامعات ومراكز البحث، وتحديد مشاريع قابلة للإنجاز وفق آجال وتمويلات واضحة.
كما اعتبر أن إشراك القطاع الخاص يمكن أن يمنح الشراكة بعداً اقتصادياً إضافياً، ويحولها من تعاون مؤسساتي إلى مشاريع إنتاجية واستثمارية قادرة على خلق فرص العمل وتعزيز المبادلات التجارية.
وأكد المحلل السياسي أن الرهان الحقيقي للعلاقات الجزائرية النيجيرية يتمثل في الانتقال من منطق “الجزائر تنقل خبرتها إلى النيجر” إلى نموذج أكثر تقدماً يقوم على مبدأ “الجزائر والنيجر تنجزان معاً”.
ووفق هذا التصور، ينبغي أن يشكل التعاون التقني مرحلة أولى نحو بناء شراكات طويلة المدى في مجالات البنية التحتية والطاقة والنقل والتجارة والتكوين، بما يسمح بتحويل التقارب السياسي بين البلدين إلى منظومة من المصالح والمشاريع المشتركة، ويمنح العلاقات الجزائرية النيجيرية بعداً تنموياً واقتصادياً أكثر رسوخاً.
جزائريون في فرنسا يطالبون بإزالة اسم حاكم استعماري من شوارع ليون
