28 أغسطس 2026

على امتداد الهلال النفطي تظهر مفارقة ليبيا؛ فالمنشآت تصدّر الثروة، فيما تطالب مدن قريبة بالمياه والمستشفيات وفرص العمل.

تمتلك البلاد أكثر من 48 مليار برميل من الاحتياطيات المؤكدة، وهي الأكبر في إفريقيا، وفق منظمة “أوبك”، ويشكّل النفط والغاز نحو 60% من الناتج، و97% من إيرادات الحكومة، و91% من الصادرات، بحسب البنك الدولي.

تكمن المشكلة في آلية تحويل عائدات النفط إلى إنفاق عام؛ إذ تمر الأموال عبر دولة منقسمة، ثم تُستهلك في ثلاثة مسارات: الفساد داخل سلسلة النفط، وجهاز حكومي يضم تشكيلات مسلحة وشبكة دبلوماسية مكلفة، ودعم الوقود الذي يحفّز التهريب. وهكذا تبقى ليبيا غنية نفطياً، وفقيرة في إنتاج الخدمات والاستثمار.

خزينة كبيرة تستهلكها النفقات الجارية

سجّل مصرف ليبيا المركزي في عام 2025 إيرادات قدرها 136.5 مليار دينار، بينها 99.6 ملياراً من مبيعات النفط، و17.2 ملياراً من المبالغ التي تسددها الشركات للدولة مقابل حقوق استخراج النفط واستغلال الحقول.

أما الإنفاق، فبلغ 136.8 مليار دينار، استحوذت الرواتب منها على 73.3 ملياراً، والدعم والمخصصات على 34.5 ملياراً، والتنمية على 20 ملياراً، فيما خُصصت تسعة مليارات دينار للنفقات التشغيلية للمؤسسات الحكومية.

عملياً، يذهب من كل مئة دينار نحو 54 ديناراً إلى الرواتب، و25 إلى الدعم والتحويلات، و15 إلى التنمية، وستة فقط إلى النفقات التشغيلية واللوجستية.

يبدو الحساب متوازناً، لكنه جزئي؛ إذ تشير التقديرات إلى أن إنفاق ليبيا لعام 2024 بلغ 222.2 مليار دينار، مقابل إيرادات قدرها 163.5 ملياراً، فيما وصل العجز إلى 25.1% من الناتج، بعد احتساب نفقات من خارج الموازنة، ونحو 60 مليار دينار أنفقتها المؤسسات في الشرق الليبي. وفي تقييم صدر في أبريل 2026، قُدّر عجز عام 2025 بنحو 30% من الناتج، والدين العام بنحو 146% منه.

يكشف تعدد قنوات الإنفاق انهيار الوحدة المالية للدولة؛ فالإيرادات النفطية تُجمع في مؤسسات مقرها طرابلس، بينما تغيب معادلة معلنة تضمن حصة مناطق الإنتاج. وفي ظل هذا الفراغ، اتجهت السلطات في شرق البلاد إلى تمويل الإعمار والخدمات عبر قنواتها الخاصة، تعويضاً عن عجز المركز عن توفير موازنة وطنية عادلة ومتفق عليها.

الفساد بعد خروج البرميل من الحقل

يتجاوز الفساد سرقة النفط الخام، ليشمل استيراد الوقود، ومبادلة الخام بالمشتقات، والاعتمادات المستندية، وفروق أسعار الصرف والتوزيع؛ فتسجّل الخزينة إيرادات البرميل، ثم تفقد جزءاً منها عند شراء الوقود.

مثّلت مبادلة الخام بالوقود نموذجاً لهذا الخلل؛ إذ لم تظهر العملية كاملة في الموازنة، وأكد صندوق النقد الدولي أنها انطوت على مخاطر تتعلق بالحوكمة، وضاعفت فاتورة المنتجات المكررة قبل إلغائها في أبريل 2025. كما سجّل بيان المصرف لعام 2025 صفراً في بند إيرادات مبيعات الوقود المحلية، وربما يعود ذلك إلى آلية المحاسبة، لكنه يظل أمراً يستوجب التفسير.

قدّر تحقيق لمؤسسة “ذا سنتري” تكلفة تهريب الوقود بنحو 6.7 مليارات دولار سنوياً، ونحو 20 مليار دولار بين عامي 2022 و2024، ورجّح تحويل أكثر من نصف الوقود المستورد عن غايته الأصلية.

نسب التحقيق الاستفادة إلى شبكات نفوذ تعمل عبر مؤسسات ومناطق متعددة، وهي نتائج تحقيقية وليست أحكاماً قضائية. وتبقى مفاتيح الاعتمادات والاستيراد والتسوية المالية في مؤسسات العاصمة، ما يجعل حصر الفساد في مواقع الإنتاج أو التصدير قراءة مبتورة لسلسلة تدفق الأموال.

دولة تدفع رواتب أكثر مما تبني

بلغ عدد موظفي القطاع العام نحو 2.1 مليون شخص، فيما تشير تقديرات البنك الدولي إلى أن 89% من القوة العاملة الرسمية تعمل لدى الدولة.

ارتفعت فاتورة الرواتب بنسبة 104% خلال أربعة أعوام، من 33.1 مليار دينار في عام 2021 إلى 67.6 ملياراً في 2024، قبل أن تبلغ 73.3 ملياراً في 2025. ووفق تقارير إعلامية، تعادل الأجور نحو 30% من الناتج، وهي من أعلى النسب عالمياً.

يؤدي الراتب الحكومي وظيفة اجتماعية، كما يقدم المعلمون والأطباء خدمات ضرورية، لكن الخلل ينشأ عندما تصبح الوظيفة أداة لتوزيع الريع وشراء الولاءات، أو عندما تذهب الأموال إلى قوائم مكررة وجهات لا تقدم خدمات قابلة للقياس.

تشمل هذه الشبكة القطاع الأمني؛ إذ أدرجت الحكومات تشكيلات مسلحة ضمن وزارتي الدفاع والداخلية، مع احتفاظها بقياداتها المحلية. وخلصت مؤسسة “تشاتام هاوس” إلى أن معظم الجماعات المسلحة أصبحت رسمياً جزءاً من الأجهزة الأمنية، ومستحقة للرواتب، من دون خضوعها بالضرورة لقيادة موحدة.

ورصدت الدراسة نجاح القوات المسلحة العربية الليبية، بقيادة المشير خليفة حفتر القائد العام للقوات المسلحة العربية الليبية، في بناء هيكل عسكري أكثر مركزية، وفرض سيطرة أوسع على السلاح الثقيل، مقابل استمرار تعدد سلاسل القيادة لدى تشكيلات مرتبطة بسلطات طرابلس، واحتفاظها بنفوذ داخل مؤسسات الدولة. وبلغت مصروفات وزارة الدفاع في حكومة الوحدة منتهية الولاية، حتى نوفمبر 2025، نحو 3.88 مليارات دينار، منها 3.6 مليارات للرواتب.

ويمتد تضخم الإنفاق إلى الخارج؛ إذ تضم ليبيا نحو 150 سفارة وقنصلية وبعثة، فيما سجّل ديوان المحاسبة في عام 2024 وجود 2106 دبلوماسيين و1555 موظفاً محلياً، مع تخصيص قرابة ملياري دينار لرواتب البعثات.

وارتفع إنفاق وزارة الخارجية والجهات التابعة لها في عام 2025 إلى 3.85 مليارات دينار، منها 2.214 مليار للرواتب، وفق بيانات المصرف المركزي. وتضغط هذه الفاتورة على احتياطيات النقد الأجنبي، لأن الرواتب والإيجارات الخارجية تُدفع بالدولار واليورو.

وتدعم الدولة قرابة 190 شركة، فيما تستحوذ خمسة مصارف حكومية على 80% من أصول القطاع المصرفي و90% من ودائعه، بينما لا يتجاوز ائتمان القطاع الخاص ما بين 10 و12% من الناتج. وتدفع هذه البنية المواطن نحو الوظيفة العامة، والمستثمر نحو العقد الحكومي، فتُعيد إنتاج ضعف القطاع الخاص.

دعم الوقود الذي يمول التهريب

يُشترى الوقود بالعملة الصعبة، ثم يُباع محلياً بسعر شديد الانخفاض، ما يحقق أرباحاً استثنائية عند تهريبه عبر الحدود البرية أو البحر.

قدّر صندوق النقد الدولي دعم الطاقة بنحو 20% من الناتج، بعدما وصل في تقديرات سابقة إلى 25%. ويمنح الدعم أكبر منفعة لمن يستهلك أو يهرّب أكثر، بينما يدفع محدودو الدخل كلفته عبر انخفاض قيمة الدينار وارتفاع التضخم.

خفض المصرف المركزي قيمة الدينار بنسبة 13.3% في أبريل 2025، ثم بنسبة 14.7% في يناير 2026. وتعتمد ليبيا على استيراد 3.3 ملايين طن من الحبوب، مقابل إنتاج محلي لا يتجاوز 150 ألف طن، ما أدى إلى انتقال أثر الهدر إلى أسعار الغذاء، التي ارتفعت بنسبة 18% في مايو 2026، وفق منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة “الفاو”.

فقر الخدمات ومظلومية مناطق الإنتاج

يبلغ نصيب الفرد من الناتج نحو سبعة آلاف دولار، لكنه متوسط حسابي لا يمثل الدخل الفعلي للأسرة.

نفى مكتب الإحصاء نسبة الفقر المتداولة والبالغة 40%، فيما قدّرت دراسة مستقلة وقوع 32.4% من الأسر تحت خط الفقر. وتكشف مؤشرات الخدمات النتيجة بصورة أوضح؛ إذ يستخدم 38% فقط من السكان مياهاً مدارة بأمان، فيما لا تتجاوز تغطية التأمين الصحي نحو 3%.

ويزداد الشعور بالحرمان في برقة وفزان، حيث تقع الحقول والموانئ، بينما تتركز قرارات الموازنة والتعاقد في طرابلس. كما لا تنشر الدولة بيانات توضح نصيب كل بلدية من الإنفاق التنموي. وتبدأ العدالة بإلزام المؤسسات المركزية بنشر هذه البيانات، ومنح مناطق إنتاج النفط حصة معلنة من مشروعات البنية التحتية، تتناسب مع مساهمتها في الاقتصاد وحجم احتياجاتها المتراكمة.

تصل عائدات النفط إلى ليبيا، لكنها تتبدد بين جهاز رواتب متضخم، ودعم يغذي التهريب، وعمليات استيراد وعقود تفتقر إلى الإفصاح. ولهذا تبدو ليبيا الغنية فقيرة؛ إذ تُستخدم الثروة لحماية توازنات السلطة وإدامة الاقتصاد الريعي، قبل أن تصل إلى المواطن في صورة مياه نظيفة أو مستشفى أو فرصة عمل منتجة.

بقلم مازن بلال

قوات “الوحدة الوطنية” الليبية تشن عملية عسكرية في الزاوية

اقرأ المزيد