لا تعاني ليبيا في المرحلة الحالية من غياب المبادرات السياسية، فأزمتها الحقيقية في الفجوة بين الاتفاق عليها والقدرة على تنفيذها.
ويأتي ذلك في أعقاب إعلان رئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي، من أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في 23 سبتمبر، بدء العمل على لجنة وطنية للتهدئة وبناء الثقة، بهدف استباق النزاعات واحتواء التصعيد ودعم المصالحة وتهيئة الظروف الملائمة للمسار السياسي والانتخابي.

ولم يعلن المنفي حتى الآن أسماء أعضاء اللجنة أو صلاحياتها وآلية عملها، ما يجعل الحكم على قدرتها مرتبطاً بما ستصبح عليه فعلياً، وليس بما يحمله اسمها من أهداف.
مساحة مبادرة المنفي
تأتي المبادرة بعد أن قطع المسار الذي ترعاه بعثة الأمم المتحدة خطوة مختلفة في طبيعتها، ففي 30 أغسطس، وقع أطراف “الاجتماع المصغر” اتفاقاً يتناول أول استحقاقين في خارطة الطريق الأممية، عبر إعادة تشكيل مجلس المفوضية الوطنية العليا للانتخابات ومعالجة القضايا الخلافية في الإطار القانوني للانتخابات الرئاسية والتشريعية، مع العمل على إجراء الاقتراع خلال مدة لا تتجاوز 24 شهراً وتحت سلطة تنفيذية واحدة.

وعاد المشاركون للاجتماع في تونس في 20 سبتمبر لمتابعة التنفيذ وتوسيع قاعدة التأييد للاتفاق، فمجموعة “4+4” تعمل على “العقدة السياسية والقانونية” التي تمنع الوصول إلى الانتخابات، بينما يفترض أن تعمل لجنة المنفي على “البيئة التي تسمح بتطبيق ما يتم الاتفاق عليه”.
لا تحتاج ليبيا في هذه الحالة إلى لجنة تعيد مناقشة القوانين الانتخابية أو تشكيل المفوضية، وإنما إلى آلية تستطيع التعامل مع أطراف محلية وسياسية وأمنية يكون موقفها حاسماً عند انتقال الاتفاق من الورق إلى التنفيذ.

عملياً فإن خارطة الطريق التي تطرحها البعثة لا تقتصر أصلاً على القوانين، وإنما تربط الانتخابات بتوحيد المؤسسات وبمعالجة ملفات الأمن والحوكمة والمصالحة، كما أن اتفاق “الاجتماع المصغر” يحتاج إلى دعم أوسع من الفاعلين الليبيين حتى يصبح قابلاً للتنفيذ، وهو ما أكدته البعثة بعد اجتماع تونس.
ويمكن للجنة المنفي أن تكتسب وظيفة محددة إذا تحولت إلى قناة ليبية للتعامل مع القوى التي لا يجلس بعضها مباشرة إلى طاولة “4+4″، لكنها تملك القدرة على تسهيل تنفيذ التفاهمات أو تعطيلها.
لجنة المنفي وأحداث الزاوية
ما شهدته الزاوية وصرمان في أغسطس من اشتباكات، وما تعرضت له منشآت حيوية في الزاوية من أضرار وهجمات، يقدم مثالاً على نوع البيئة التي تجعل إجراء استحقاق وطني بحجم الانتخابات أكثر صعوبة، فوجود قوى مسلحة محلية، يؤثر بشكل مباشر على اي استحقاق ليبي.

وفق هذا الواقع لن يقاس دور “لجنة المنفي” بعدد الاجتماعات التي تعقدها، وإنما بقدرتها على تحويل مفهوم “بناء الثقة” إلى ترتيبات يمكن ملاحظتها؛ عبر احتواء توتر قبل تحوله إلى مواجهة، وفتح قنوات بين خصوم محليين، وتوسيع القبول بالتسويات السياسية التي ينتجها المسار الوطني والأممي.
يظل ذلك مشروطاً بتشكيل اللجنة نفسها؛ فإذا اقتصرت على شخصيات لا تملك الوصول إلى مراكز القوة الفعلية، فستصبح إطاراً حوارياً إضافياً، أما إذا ضمت شخصيات تحظى بقبول نسبي واستطاعت التواصل مع المؤسسات والفاعلين الأمنيين والاجتماعيين في مناطق مختلفة، فستؤدي وظيفة لا تستطيع المفاوضات السياسية المركزية أداءها وحدها.
وهذا الدور لا يحل المعضلة الأهم في استعداد الأطراف لتقديم تنازلات عندما تقترب العملية السياسية من إعادة توزيع السلطة.

فالانتخابات ليست مجرد موعد وصناديق اقتراع؛ هي أيضاً احتمال خسارة مواقع قائمة وانتقال صلاحيات وشرعيات إلى مؤسسات جديدة، فيصبح الاختبار الحقيقي فيما إذا كانت القوى التي قبلت مبدأ الانتخابات مستعدة أيضاً للتعامل مع القواعد والنتائج عندما تصبح كلفتها السياسية واضحة.
ورحب مجلس الأمن باتفاق 30 أغسطس، مشدداً بدوره على أهمية دعم جميع الأطراف الليبية للاتفاق والعمل على تنفيذه، وهي إشارة إلى أن التفاهم بين المشاركين وحده لا يكفي.
من إدارة التدخل الخارجي إلى تغيير طبيعته
في الجزء الثاني من خطاب المنفي، دعا إلى ألا تتحول ليبيا إلى ساحة تتنافس فيها الدول على النفوذ داخل مؤسساتها، وأن تنتقل المنافسة بدلاً من ذلك إلى الاستثمار والإعمار والطاقة والتكنولوجيا والتنمية.
هذا الطرح يقدم تصوراً ليبياً للطريقة التي ينبغي أن تتغير بها علاقة الخارج بالبلاد، فالمنفي ربط السيادة صراحة بقدرة الدولة على بناء علاقاتها الخارجية وفق مصالحها، لا وفق صراعات الآخرين داخل أراضيها.
والمشكلة أن تحويل هذه الرؤية إلى سياسة يحتاج إلى مؤسسات موحدة تستطيع التحدث باسم الدولة، وعندما توجد مراكز سياسية وأمنية متعددة، يصبح بإمكان القوى الخارجية إقامة علاقات متوازية مع أطراف مختلفة، ويصعب على الجانب الليبي فرض قواعد موحدة على الشراكات والاستثمارات.

من هذه الوجهة، لا ينفصل حديث المنفي عن “الملكية الوطنية” للعملية السياسية عن دعوته إلى تغيير طبيعة الدور الدولي، فهو طلب من الأمم المتحدة والشركاء دعم لجنة التهدئة، لكنه شدد في الوقت نفسه على ألا تتحول الوساطة إلى وصاية أو إلى صناعة حل من الخارج.
في المقابل، تؤكد خارطة الطريق الأممية نفسها أن العملية يجب أن تكون ليبية القيادة والملكية، لكن الاختبار يبقى في التطبيق، فهل تستطيع المؤسسات الليبية إنتاج اتفاقات وتحمّل كلفتها السياسية، أم تستمر الحاجة إلى الخارج كلما واجه التنفيذ اعتراضاً داخلياً؟
لجنة المنفي والاختبار الحقيقي
لا تكمن أهمية لجنة المنفي في تقديم خارطة طريق أخرى إلى جانب خارطة الأمم المتحدة، وإنما في قدرتها المحتملة على معالجة الحلقة التي تعطلت عندها مبادرات سابقة، من خلال الانتقال من التوافق على القواعد إلى خلق ظروف تسمح بتنفيذها.
ولن يحسم نجاحها إعلان نيويورك، وإنما تشكيلها وصلاحياتها ومن ستتمكن من جمعهم حول طاولة واحدة، ثم ما إذا كان ذلك سيظهر في تنفيذ اتفاق “4+4” وتهيئة بيئة يمكن فيها الوصول إلى الانتخابات وقبول نتائجها.

إذا تحقق شيء من ذلك، يصبح حديث المنفي عن إعادة صياغة علاقة ليبيا بالخارج أكثر قابلية للتطبيق؛ لأن تقليص المنافسة الدولية على النفوذ يبدأ، في النهاية، من تقليص عدد المراكز الليبية التي يستطيع الخارج التنافس من خلالها.
بقلم: نضال الخضري
تيتيه تؤكد التزامها بالتعاون مع جميع الأطراف الليبية
