وكالة “بلومبيرغ” حذرت من تداعيات تعثر مجلس الأمن في الاتفاق على تمديد ولاية بعثة “المينورسو” في الصحراء الغربية، التي انتهت في 31 أكتوبر 2026، في سابقة منذ تأسيسها قبل أكثر من ثلاثة عقود.
وأرجع التقرير الأزمة إلى خلاف دبلوماسي بين القوى الكبرى داخل مجلس الأمن بشأن صيغة القرار ومستقبل النزاع في الصحراء الغربية، بعدما اصطدم مشروع قرار أمريكي لتمديد ولاية البعثة بمعارضة روسية انتهت باستخدام موسكو حق النقض “الفيتو”.
وكانت الولايات المتحدة، بصفتها حاملة القلم في القرارات المتعلقة بالصحراء الغربية، قد طرحت مشروعاً لتمديد ولاية البعثة عاماً إضافياً، مع تجديد الدعم لمبادرة الحكم الذاتي التي يقترحها المغرب تحت سيادته، باعتبارها حلاً جدياً وذا مصداقية للنزاع.
غير أن روسيا عارضت المشروع، معتبرة أن صياغته تميل إلى تأييد الموقف المغربي بشأن الإقليم المتنازع عليه، وقال المندوب الروسي لدى الأمم المتحدة، فاسيلي نيبينزيا، إن “مجلس الأمن لا يمكنه أن يحسم تلقائياً مسائل تتعلق بالسيادة”، مضيفاً أن المجلس يجب ألا يمنح مباركة لنهج أحادي الجانب، وهو ما دفع بلاده إلى منع اعتماد مشروع القرار.
وفي المقابل، طرحت موسكو مشروع قرار بديلاً يقضي بتمديد ولاية البعثة عاماً واحداً، من دون التطرق إلى الأطر السياسية محل الخلاف، لكنه لم يحصل سوى على ثلاثة أصوات مؤيدة، مقابل صوت واحد معارض وامتناع 11 عضواً عن التصويت، وهي نتيجة لم توفر الأصوات التسعة اللازمة لاعتماده.
ويهدد هذا التعثر مستقبل بعثة دأب مجلس الأمن على تجديد تفويضها لعقود، كما يعكس اتساع الخلاف الدولي بشأن الإقليم، الذي يسيطر المغرب على معظمه، فيما تطالب جبهة البوليساريو بإقامة دولة مستقلة فيه.
وكان مشروع القرار الأمريكي يتضمن، إلى جانب تمديد الولاية، ترسيخ خطة الحكم الذاتي المغربية أساساً للمفاوضات الرامية إلى تسوية النزاع المستمر منذ نحو نصف قرن، فضلاً عن تقليص المكون العسكري للبعثة، والدعوة إلى إجراء إحصاء للاجئين.
كما كان المشروع يقترح حذف الإشارة إلى الاستفتاء من اسم البعثة، لتصبح “بعثة الأمم المتحدة في الصحراء الغربية”، بدلاً من “بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء الغربية”.
وعقب التصويت، قال السفير الأمريكي لدى الأمم المتحدة، مايكل والتس، إن الاستفتاء لم يُجرَ قط بسبب الخلافات المستمرة منذ سنوات بشأن تحديد أهلية الناخبين، مضيفاً أن مسؤولي الأمم المتحدة يؤكدون هذه الحقيقة منذ ثلاثة عقود.
وانتقد والتس استخدام بعض أعضاء مجلس الأمن حق النقض للإبقاء على الإشارة إلى الاستفتاء في اسم البعثة، رغم عدم استعداد الأمم المتحدة لإجراء مثل هذا التصويت طوال العقود الماضية.
وأيدت فرنسا وبريطانيا مشروع القرار الأمريكي وخطة الحكم الذاتي المغربية، إلى جانب تسع دول غير دائمة العضوية في مجلس الأمن.
وفي المقابل، تمسكت روسيا بطرح تمديد تقني للبعثة لمدة عام، من دون تضمين القرار مواقف بشأن مستقبل النزاع أو الحل السياسي، غير أن مشروعها لم يتمكن بدوره من حشد التأييد المطلوب.
وبحسب تقرير للأمين العام للأمم المتحدة، تضم بعثة “المينورسو” 155 فرداً عسكرياً، وتتمثل مهمتها في تنظيم استفتاء في إطار اتفاق وقف إطلاق النار الذي توسطت فيه المنظمة الدولية، وتُقدّر تكلفتها بنحو 62 مليون دولار خلال السنة المالية التي بدأت في يونيو الماضي.
وحذرت منظمة “أوكسفام”، عقب التصويت، من أن فقدان البعثة وظائفها المتعلقة بالمراقبة وخفض التصعيد قد يقوض الأمن والاستقرار، ويترتب عليه آثار خطيرة على المدنيين وفرص التوصل إلى تسوية سلمية.
كما حذر مراقبون ودبلوماسيون، وفق “بلومبيرغ”، من أن غياب التفويض الرسمي قد يهدد آليات مراقبة وقف إطلاق النار، ويرفع احتمالات التصعيد العسكري، فضلاً عن تعريض أفراد البعثة والمدنيين لمخاطر أمنية وإدارية.
وفي ظل هذا التعثر، تكثفت الجهود الدبلوماسية للتوصل إلى صيغة تمديد تقني مؤقت وقصير الأجل، تتيح للأطراف وقتاً إضافياً للتفاوض، وتجنب توقف عمل البعثة بصورة مفاجئة.
وتشير تقديرات إلى أن نحو 165 ألف صحراوي يقيمون في مخيمات للاجئين تديرها جبهة البوليساريو في الجزائر، فيما يعيش معظم الصحراويين الآخرين في المناطق الخاضعة للإدارة المغربية في الصحراء الغربية.
ورحب الديوان الملكي المغربي بعدم تجديد مهمة البعثة، معتبراً أن ذلك يمثل “تطوراً مهماً وخطوة ذات دلالة كبرى في اتجاه الطي النهائي لملف الصحراء المغربية داخل أروقة الأمم المتحدة”.
وقال الديوان، في بيان، إن عدم تمديد مهمة “المينورسو” يعني أن وجود البعثة في الأقاليم الجنوبية للمملكة، بما يشمل طواقمها ومركباتها ومعداتها ورموزها، ينبغي أن ينتهي خلال الأيام المقبلة، مؤكداً استمرار المغرب في التزامه بوقف إطلاق النار.
وفي المقابل، وجه ممثل جبهة البوليساريو لدى الأمم المتحدة، سيدي محمد عمار، الشكر إلى روسيا لاستخدامها حق النقض ضد مشروع القرار الأمريكي، معتبراً أن المشروع كان من شأنه “أن ينسف أسس عملية السلام التي تقودها الأمم المتحدة” ويهدد السلام الإقليمي والدولي.
وعلى الأرض، تزامنت التطورات الدبلوماسية مع مظاهر احتفالية في مدينة العيون، كبرى مدن الصحراء الغربية، حيث زُينت الشوارع بالأعلام المغربية والأضواء استعداداً للاحتفال بـ”عيد الوحدة”، وهو عطلة أقرتها الحكومة المغربية العام الماضي لإحياء ذكرى تصويت مجلس الأمن في 31 أكتوبر من العام السابق.
وفي المقابل، نظمت جبهة البوليساريو، الأربعاء، تجمعاً في مخيم السمارة قرب مدينة تندوف جنوبي الجزائر، شارك فيه مئات الرجال والنساء، رافعين أعلام “الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية” التي أعلنتها الجبهة من جانب واحد، إلى جانب مقاتلين يرتدون الزي العسكري ويحملون لافتات ترفض الخطة المغربية وتطالب بحق تقرير المصير.
نائب وزير الدفاع الروسي يصل إلى مطار بنينا في زيارة رسمية لليبيا
