30 أغسطس 2026

أنهى افتتاح إثيوبيا سد النهضة، في 9 سبتمبر 2025، الجدل بشأن إمكان منع تشييد السد، ونقل الأزمة إلى مستوى جديد يتعلق بتوزيع كلفة الندرة المائية.

خلال مواسم الأمطار الجيدة، تمر المياه المستخدمة في توليد الكهرباء عبر التوربينات وتصل إلى دولتي المصب، فتبدو آثار الخلاف محدودة. أما في فترات الجفاف الممتد، فيمنح خزان تبلغ سعته 74 مليار متر مكعب، وبقدرة توليد تصل إلى 5150 ميغاواط، إثيوبيا قدرة كبيرة على تحديد توقيت تصريف المياه وحجمه، بما يؤثر في مخزون بحيرة ناصر، وإنتاج السد العالي من الكهرباء، والزراعة المصرية، وتشغيل السدود السودانية.

ويجعل غياب اتفاق ملزم بشأن التشغيل وتبادل البيانات وتقاسم العجز كل موسم جفاف خاضعاً لقرار إثيوبي منفرد، بدلاً من قواعد متفق عليها تحدد ما يتحمله كل طرف. لذلك، لم تعد المشكلة مرتبطة بحجم منشأة هندسية فحسب، بل باختلال في توزيع السلطة والمخاطر؛ فإثيوبيا تمتلك الخزان والبيانات وبوابات التصريف، بينما تتحمل مصر والسودان النتائج المباشرة للقرارات المتعلقة بتشغيله.

وقد تضاعف السدود الثلاثة المخطط لها هذا الاختلال، إذا بُنيت من دون إطار موحد لإدارة السلسلة بأكملها.

ثلاثة سدود جديدة ومعطيات تحتاج إلى ضبط

شمل إعلان أديس أبابا، في مارس 2026، عن سدودها الثلاثة الجديدة كلاً من سد كارادوبي، بقدرة 1600 ميغاواط، وماندايا، بقدرة تقارب 2000 ميغاواط، وبيكو أبو، بقدرة تبلغ نحو 2100 ميغاواط.

وتصل القدرة الإجمالية للسدود الثلاثة إلى 5700 ميغاواط، فيما تُقدّر كلفتها بنحو 10.5 مليارات دولار، وتتراوح مدة تنفيذها بين أربع وسبع سنوات. وما تزال المشروعات في مرحلة التخطيط والمناقصات، ما يمنح القاهرة فرصة للتأثير قبل الوصول إلى مرحلة الإغلاق المالي وبدء البناء.

أما الرقم المتداول، والبالغ 140 مليار متر مكعب، باعتباره السعة الإجمالية للسدود الثلاثة، فليس دقيقاً؛ إذ يرتبط بخطة أقدم لبناء أربعة سدود، شملت كارادوبي وماندايا وبيكو أبو ومشروع الحدود، الذي أصبح لاحقاً سد النهضة. كما أن الاستخدام الكهرومائي يعيد معظم المياه إلى المجرى، خلافاً للري الذي يستهلك جزءاً منها.

ويرتبط الخطر بطريقة تشغيل السدود أكثر من ارتباطه بتوليد الكهرباء، لأن المياه تمر عبر التوربينات ثم تعود إلى مجرى النهر. وتبدأ المشكلة عندما تملأ إثيوبيا عدة خزانات في أوقات متقاربة، أو تخفض التصريف خلال سنوات الجفاف، فتتراجع كمية المياه الواصلة إلى السودان ومصر في الفترة التي تشتد فيها الحاجة إليها.

ويزداد الأثر إذا استُخدمت المياه المخزنة لاحقاً في مشروعات زراعية واسعة، لأن الري يستهلك جزءاً من المياه، بخلاف توليد الكهرباء.

في المقابل، يمكن أن يحقق التشغيل المنسق نتائج مختلفة؛ إذ تستطيع السدود الإثيوبية تنظيم الفيضانات، وتقليل كمية الطمي الواصلة إلى السدود السودانية، وتوفير الكهرباء، وتخزين جزء من المياه في خزانات أقل تعرضاً للتبخر مقارنة ببحيرة ناصر.

وقدّرت بعض النماذج أن هذا التنسيق يمكن أن يخفض فاقد التبخر بنحو 2.5 مليار متر مكعب سنوياً. غير أن تحقيق هذه الفوائد يتوقف على التوصل إلى اتفاق يحدد مواعيد الملء والتصريف خلال فترات الجفاف، ويضمن تبادل البيانات بصورة فورية. أما التشغيل المنفرد، فيحوّل القدرة على تنظيم النهر إلى أداة ضغط على دولتي المصب.

خلاف على القانون والسيادة

خصصت اتفاقية عام 1959، المبرمة بين مصر والسودان، 55.5 مليار متر مكعب سنوياً لمصر، و18.5 مليار متر مكعب للسودان، من دون مشاركة إثيوبيا أو بقية دول المنبع فيها.

وتستند القاهرة إلى الاستخدام التاريخي لمياه النيل ومبدأ عدم التسبب بضرر ذي شأن، بينما تتمسك أديس أبابا بمبدأ الاستخدام المنصف والمعقول، وبحقها في التنمية.

وحاول إعلان مبادئ الخرطوم، الذي وقّعته مصر والسودان وإثيوبيا عام 2015، إيجاد أرضية مشتركة بين الموقفين؛ فأقر حق إثيوبيا في التنمية، وأكد، في الوقت نفسه، مبادئ منع الضرر والتعاون وتبادل المعلومات والاتفاق على قواعد ملء سد النهضة وتشغيله. لكنه لم يحدد حصص المياه أو قواعد تفصيلية للتصرف خلال فترات الجفاف، كما لم ينشئ آلية ملزمة لفرض الاتفاق عند وقوع خلاف، فبقي إطاراً عاماً للتفاوض بدلاً من أن يصبح اتفاقاً نهائياً للتشغيل.

ودخلت اتفاقية عنتيبي حيز التنفيذ في أكتوبر 2024، بعد تصديق ست دول عليها، فيما بقيت مصر والسودان خارجها، ما عمّق الانقسام القانوني داخل حوض النيل.

في المقابل، أثارت تصريحات نُسبت في أغسطس 2026 إلى وزير المياه الإثيوبي جدلاً جديداً، بعدما نُقل عنه أن بلاده ستتحكم في كمية المياه الخارجة من أراضيها، وستواصل بناء سدود إضافية. ومثّل ذلك تحولاً أساسياً في النزاع؛ إذ لم يعد الخلاف يدور حول وجود سد النهضة، بل حول حق إثيوبيا في تحديد كمية المياه الواصلة إلى مصر والسودان وتوقيت وصولها.

ويزيد هذا الأمر صعوبة التسوية؛ فأي قبول إثيوبي بقواعد تشغيل ملزمة سيُعد تنازلاً عن السيادة، بينما سيُعد قبول القاهرة بالتشغيل المنفرد تراجعاً عن مسؤوليتها في حماية الأمن المائي المصري.

هشاشة مصر وإل نينيو

تحتاج مصر إلى نحو 114 مليار متر مكعب من المياه سنوياً، بينما لا تتجاوز مواردها المائية العذبة 59.3 مليار متر مكعب، يأتي 55.5 ملياراً منها من مياه النيل.

وتعوض الإجراءات المصرية جزءاً من النقص من خلال إعادة استخدام نحو 22 مليار متر مكعب من المياه، إلى جانب استيراد الغذاء بدلاً من زراعته محلياً، ما يوفر كميات من المياه تُقدّر بنحو 30 مليار متر مكعب. ومع ذلك، تبقى فجوة تتجاوز 20 مليار متر مكعب، فيما ينخفض نصيب الفرد إلى نحو 500 متر مكعب سنوياً.

وتمثل بحيرة ناصر احتياطياً يمكن استخدامه عند انخفاض تدفق مياه النيل، لكن رقم 89.7 مليار متر مكعب يشير إلى سعتها التشغيلية القصوى، وليس إلى كمية المياه الموجودة فيها بصورة دائمة. وقد سحبت مصر نحو 70 مليار متر مكعب من البحيرة خلال فترة الجفاف الممتدة بين عامي 1979 و1987، فيما تتوقف قدرة البحيرة على تعويض النقص، لمدة تتراوح بين 18 شهراً وثلاث سنوات، على منسوب المياه وشدة الجفاف.

وتزيد توقعات ظاهرة إل نينيو، التي تغيّر أنماط الأمطار والرياح، خطورة الوضع؛ إذ تُقدّر الإدارة الأميركية للمحيطات احتمال وصول الظاهرة إلى مستوى قوي جداً خلال عامي 2026 و2027 بأكثر من 90%، مع احتمال يبلغ 69% لأن تكون أقوى من جميع الحالات المسجلة منذ عام 1950.

وتكمن الخطورة بالنسبة إلى مصر في احتمال تزامن نقص مياه الري مع ارتفاع أسعار الغذاء عالمياً؛ إذ يُقدّر برنامج الأغذية العالمي أن تداعيات إل نينيو ربما تدفع 49 مليون شخص إضافي إلى مواجهة انعدام الأمن الغذائي الحاد حتى نهاية عام 2027، في وقت يُتوقع أن تستورد فيه مصر 12.5 مليون طن من القمح.

الخيار العسكري وحدود الصواريخ

يبقى احتمال الصراع العسكري منخفضاً في المدى القريب، لكنه يصبح أكثر قابلية للوقوع إذا تزامن جفاف ممتد مع ملء خزانات جديدة، وانخفاض واضح ومستمر في كمية المياه الواصلة إلى مصر والسودان.

ويرتفع الخطر أكثر إذا رفضت إثيوبيا تقديم بيانات التشغيل أو تعديل كميات التصريف، لأن القاهرة ستعتبر ذلك تهديداً متعمداً لأمنها المائي، بينما ستتعامل أديس أبابا مع أي ضغط عسكري باعتباره اعتداءً على سيادتها وحقها في استخدام مواردها.

وتكمن الخطورة في احتمال سوء التقدير؛ فقد تنظر إثيوبيا إلى التهديد المصري باعتباره وسيلة ضغط غير قابلة للتنفيذ، بينما قد تفسر القاهرة انخفاض التدفقات باعتباره قراراً سياسياً، لا نتيجة للجفاف.

وعند استخدام القوة، يصبح احتواء المواجهة صعباً؛ فالضربة المحدودة قد تعطل إنتاج الكهرباء، من دون أن تفرض اتفاقاً، بينما قد يؤدي إلحاق ضرر واسع بالسد إلى فيضانات تهدد السودان، ولا سيما سدّي الروصيرص وسنار، والمناطق السكانية الواقعة على مجرى النيل الأزرق.

وتضاعف البيئة الإقليمية كلفة الحرب؛ إذ يمكن أن تمتد المواجهة إلى شبكة التحالفات المصرية والإثيوبية في الصومال وإريتريا والبحر الأحمر. كما تستطيع أديس أبابا استثمار رمزية موقعها الإفريقي لتصوير الهجوم باعتباره اعتداءً عربياً على دولة إفريقية.

المسار المصري والسيناريوهات

تحتاج القاهرة إلى اتفاق موحد ينظم تشغيل سد النهضة والسدود الإثيوبية الثلاثة المخطط لها، على أن يحدد كمية المياه التي تلتزم إثيوبيا بإطلاقها خلال سنوات الجفاف، ويمنع ملء عدة خزانات في وقت واحد، ويضمن تبادل بيانات التشغيل وسلامة السدود.

وتملك مصر فرصة للتأثير قبل بدء البناء، لأن المشروعات الجديدة تحتاج إلى تمويل يُقدّر بنحو 10.5 مليارات دولار، ما يتيح الضغط على الجهات الممولة لربط التمويل بإجراء دراسة مشتركة لتأثير السدود، ووضع قواعد ملزمة لتشغيلها.

ويتمثل السيناريو الأرجح على المدى المنظور في استمرار المواجهة من دون اتفاق، بينما يظل اتفاق “التمويل مقابل قواعد التشغيل” احتمالاً قائماً خلال فترة تتراوح بين سنتين وخمس سنوات، وقد تظهر مؤشراته في إجراء دراسة مشتركة ووضع بروتوكول للتعامل مع الجفاف.

ويبقى سيناريو التصعيد المرتبط بالمناخ منخفضاً إلى متوسط الاحتمال حتى نهاية عام 2027، لكنه يرتفع مع ضعف الأمطار، وتراجع منسوب بحيرة ناصر، والملء المتزامن للخزانات، وحدوث صدمة في أسعار القمح، ورفض تبادل البيانات، فيما تظل الحرب المباشرة منخفضة الاحتمال.

بقلم نضال الخضري

صدام حفتر يحصل على درجة الدكتوراه في الفلسفة من الأكاديمية العسكرية المصرية

اقرأ المزيد