أيوب نصر خبير في الشؤون الأوراسية، أكد في تصريحات خاصة لشبكة “أخبار شمال إفريقيا”، أن التحركات الصينية في مصر تعكس تحولات النظام الدولي، وتستهدف تعزيز حضور بكين الاستراتيجي في المنطقة وتطوير مصالحها مع القاهرة ودول الإقليم.
وأوضح نصر أن العالم يعيش مرحلة من التحولات الكبرى التي ستفضي إلى تغييرات في طبيعة النظام الدولي، لافتاً إلى أن المنطقة تشهد، إلى جانب حضور القوى التقليدية وفي مقدمتها الولايات المتحدة، تحركات أوروبية متزايدة، برزت من خلال زيارة الرئيس الفرنسي إلى المنطقة وما حملته من أبعاد جيوسياسية مرتبطة بالفرنكوفونية والبحر الأبيض المتوسط ودول حوض المتوسط.
ورأى أن زيارة الرئيس الصيني تأتي في هذا السياق لتأكيد موقف بكين تجاه المنطقة وإيصال رسالة مفادها أن الصين أصبحت لاعباً مهماً فيها، معتبراً أن التحولات الدولية الراهنة كانت تستدعي تعزيز الصين لوجودها الإقليمي، خصوصاً في ظل امتلاكها مصالح استراتيجية وسياسية مع مصر وباقي دول المنطقة.
وفي ما يتعلق بنظرة الصين إلى مصر ومكانتها ضمن مبادرة الحزام والطريق، شدد الخبير في الشؤون الأوراسية على الأهمية الاستراتيجية لقناة السويس، باعتبارها ممراً بحرياً رئيسياً يربط بين الشرق والغرب، مشيراً إلى أن التفكير الصيني في استخدام الممر الجليدي لا يلغي المكانة التي تتمتع بها قناة السويس.
وأضاف أن موقع القناة يجعلها من أهم نقاط الربط بين الشرق والغرب، ولا سيما أوروبا الغربية، مؤكداً أن دور مصر وقناة السويس لا يمكن استبعاده من الحسابات الصينية المتعلقة بمبادرة الحزام والطريق.
وأشار نصر إلى أن قناة السويس تمثل، من المنظور الجيوسياسي، أحد أهم المواقع بالنسبة إلى الصين والمبادرة، باعتبارها الطريق الأقصر والأقل مسافة لربط الشرق بالغرب، وخاصة الأسواق الأوروبية.
وبشأن مدى تقارب المواقف المصرية والصينية من أزمات المنطقة، قال الخبير إن متابعة الموقف المصري تجاه إيران خلال الفترة الأخيرة تكشف، بحسب تقديره، عدم تبني القاهرة موقفاً عدوانياً تجاه طهران، بل اقترابها من الموقف الإيراني مقارنة بمواقف عربية أخرى، خصوصاً خلال ما وصفه بالحرب الخليجية الرابعة.
ولفت إلى أن هذا الموقف المصري له أسبابه، التي قال إنها لا يتسع المجال لذكرها، مضيفاً أن التصريحات الرسمية وما صدر عن الإعلام الرسمي المصري يمكن، وفق رؤيته، أن يشيرا إلى معارضة القاهرة للحرب على إيران.

وذكر أن إرسال مسيرة لضرب سفينة في مصر كان، بحسب تقديره، يستهدف دفع القاهرة إلى تغيير موقفها، إلا أن مصر تمسكت بموقفها ولم تتراجع عنه.
واعتبر نصر أن تطورات الأحداث والحرب الخليجية الرابعة تكشف عن وجود تقاطع في المواقف بين مصر والصين، موضحاً أن بكين لا ترى في سقوط النظام الإيراني الحالي مصلحة لها، ولذلك فإنها، في تقديره، معنية بالعمل لدى طهران من أجل الوصول إلى حل دبلوماسي للأزمة.
وأضاف أن تأجيل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب زيارته إلى الصين، وفق قراءته، ارتبط بمحاولة انتظار سقوط النظام الإيراني واستخدام ذلك كورقة ضغط على بكين، مشيراً إلى أن هذه المحاولة لم تحقق هدفها، ما يجعل التدخل الصيني لدى إيران من أجل الدفع نحو تسوية دبلوماسية أمراً أكثر أهمية.
وأكد الخبير أن هناك تقارباً كبيراً بين الموقفين الرسميين المصري والصيني بشأن الحرب الخليجية الرابعة، معتبراً أن هذا التقارب يمكن أن يساهم في البحث عن حلول للأزمات التي تشهدها المنطقة.
وشدد على أن الحديث يدور عن قوة عالمية كبرى هي الصين، إلى جانب دولة إقليمية ذات وزن كبير هي مصر، التي وصفها بأنها تقع في قلب الإقليم وفي نقطة جغرافية شديدة الحساسية تمثل عنق المنطقة العربية والإقليمية.
ورأى أن مصر تمثل أحد العناصر الأساسية في تحقيق التوازن الإقليمي، معتبراً أن التعاون بين دولة تتمتع بهذه المكانة، مثل مصر، وقوة عظمى مثل الصين، يمكن أن يكون مفيداً في معالجة أزمات المنطقة، وفي مقدمتها ما وصفه بالحرب الخليجية الرابعة الدائرة حالياً.
وفي ما يتعلق بتأثير تنامي العلاقات المصرية الصينية على علاقات القاهرة مع الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، استبعد نصر وجود تأثير كبير على العلاقات المصرية الأوروبية، موضحاً أن الأوروبيين لا ينظرون إلى الصين باعتبارها عدواً، وإنما باعتبارها منافساً.
وأشار إلى أن طبيعة العلاقات بين أوروبا والصين تؤكد وجود قدر من تقبل هذا التنافس، في ظل غياب مواقف عدائية مباشرة بين الطرفين، لافتاً في الوقت ذاته إلى أن الصين تراعي هذه المعادلة، وهو ما ظهر، بحسب تقديره، في تجنبها اتخاذ موقف واضح في دعم روسيا خلال حربها الأخيرة.
وبناءً على ذلك، رجح الخبير ألا يكون للتقارب المصري الصيني تأثير ملحوظ على العلاقات بين مصر والاتحاد الأوروبي، خصوصاً في ظل استمرار المصالح المشتركة بين القاهرة والعواصم الأوروبية.

وذكّر نصر بأن الرئيس الفرنسي زار مصر قبل عدة أشهر، وتحدث خلال الزيارة عن شراكة استراتيجية وجيوسياسية تشمل القارة الإفريقية ودول البحر الأبيض المتوسط، معتبراً أن هذه التحركات الأوروبية تؤكد أهمية الموقع المصري في الحسابات الإقليمية والدولية.
وأما على صعيد العلاقات المصرية الأمريكية، فرجح نصر أن يكون للتقارب مع الصين تأثير أكبر، خصوصاً في المجالين العسكري والأمني، مشيراً إلى اعتماد مصر منذ سنوات على الأسلحة الأمريكية.
وأوضح أن جزءاً كبيراً من المساعدات التي تحصل عليها مصر بعد اتفاقية كامب ديفيد يذهب إلى المصانع العسكرية الأمريكية، معتبراً أن توسيع القاهرة لعلاقاتها الدفاعية مع الصين قد يؤدي إلى تقليص اعتمادها على الأسلحة والتقنيات العسكرية الأمريكية، ولا سيما في ضوء التطورات الأخيرة.
واستند الخبير في رؤيته إلى ما وصفه بالمناورات العسكرية التي أجرتها الصين، فضلاً عن أداء السلاح الصيني خلال الحرب الأخيرة بين باكستان والهند، معتبراً أن هذه التطورات أظهرت، من وجهة نظره، قوة الأسلحة الصينية في مواجهة الأسلحة الغربية.
وقال إن هذه العوامل مجتمعة تدفع مصر إلى البحث عن تنويع مصادر تسليحها وعتادها العسكري، وهو ما يمكن أن يترك أثراً على طبيعة العلاقات المصرية الأمريكية.
ومع ذلك، أكد نصر أن هذا التأثير، حتى في ظل التحولات الكبرى التي يشهدها العالم، لن يصل إلى مستوى إحداث تغيير جذري في العلاقات بين القاهرة وواشنطن، مشيراً إلى أن الولايات المتحدة نفسها لا ترغب في خسارة مصر، نظراً إلى مكانتها الاستراتيجية ودورها في المنطقة.
وختم الخبير في الشؤون الأوراسية بالتأكيد على أن الظرفية الدولية الراهنة جعلت التنافس والاستقطاب حول دول المنطقة في أعلى مستوياته، متوقعاً أن يؤدي تنامي التعاون المصري الصيني إلى إضعاف العلاقات المصرية الأمريكية بدرجة محدودة، لكنه لن يحدث تأثيراً كبيراً عليها.
ظهور 47 شخصاً من المختفين قسرياً في مصر بعد سنوات من الغياب
