30 أغسطس 2026

قال الخبير في الشؤون الإفريقية الدكتور محمد تورشين إن الحسم العسكري ليس الخيار الوحيد لإنهاء الحرب في السودان، مشيراً إلى أهمية الحوار والتفاوض، ومحذراً من سيناريو تعدد مراكز السلطة.

وأوضح تورشين، في مقابلة خاصة لوكالة “أخبار شمال إفريقيا”، أن الخيارات المطروحة أمام السودان تشمل الحسم العسكري، والتسوية السياسية عبر الحوار أو التفاوض بين الأطراف العسكرية، إلى جانب سيناريو تعدد مراكز السلطة والتقسيم الفعلي للنفوذ.

وأشار إلى أن الحوار السياسي لن يحقق نتائج ملموسة بصورة سريعة في ظل استمرار المعارك، لافتاً إلى أن وقف القتال أو التوصل إلى هدنة مؤقتة يمثل شرطاً أساسياً لتهيئة الأجواء أمام التفاوض السياسي.

وأكد أن استمرار المواجهات العسكرية يعقد المشهد ويعيق تحقيق المكاسب السياسية، مهما كانت طبيعة التفاهمات أو القوى المشاركة فيها، فيما لا يزال الجيش السوداني يمتلك قدرات عسكرية كبيرة، رغم تفاوت تأثير الخيار العسكري على قوات الدعم السريع.

ورأى تورشين أن أي تسوية سياسية تتطلب لاحقاً إشراك قوات الدعم السريع، إلى جانب التوصل إلى تفاهمات مع قوى سياسية داخل السودان وخارجه، مشدداً على أهمية وقف تدفق الأسلحة إلى الدعم السريع.

وقال إن تدفق الأسلحة يرتبط بصورة كبيرة بأدوار كل من إثيوبيا وتشاد وشرق ليبيا، معتبراً أن استمرار الدعم الخارجي يمثل عقبة أمام التسوية السياسية ورافداً أساسياً لاستمرار الصراع.

وعلى الصعيد الميداني، أوضح تورشين أن الجيش السوداني لا يزال يمتلك زمام المبادرة، مستفيداً من استعادة عدد من المناطق، خصوصاً على طريق الصادرات الرابط بين الأبيض والخرطوم، إلى جانب تقدمه في محور الصحراء.

واعتبر أن التحركات العسكرية للدعم السريع في مناطق أخرى لا تعوض الأهمية الاستراتيجية لطريق الصادرات، خصوصاً أن استمرار القتال في المناطق الجديدة يتطلب خطوط إمداد مستمرة.

وفي ما يتعلق بإثيوبيا، قال تورشين إن السودان يسعى إلى تقليل تأثيرها من خلال فتح نافذة للتعاون واستعادة العلاقات، مشيراً إلى أن التطورات تتطلب إعادة ترتيب الأولويات العسكرية لتحديد الطرف الذي يمتلك زمام المبادرة.

وأكد أن المشهد العسكري لا يزال أقرب إلى توازن في القوة أو ضعف متبادل بين الطرفين، مع تغير زمام المبادرة من مرحلة إلى أخرى، لافتاً إلى أن تقدم الجيش على محور الصادرات والانقسامات داخل صفوف الدعم السريع يمثلان مؤشرين يصبان في مصلحة الجيش.

وأوضح أن الحكومة السودانية تسعى للاستفادة من الانقسامات داخل الدعم السريع وتغذيتها، معتبراً أن ذلك يمكن أن يؤثر على الروح المعنوية والقدرات القتالية للقوات، ولا سيما المجموعات التي تقاتل في مناطق محددة من إقليم كردفان.

وحذر تورشين من أن عودة القتال في النيل الأزرق، ولا سيما حول الكرمك والمناطق الحدودية مع إثيوبيا، تمثل مؤشراً سلبياً وتهديداً للإقليم، مع احتمال امتداد العمليات إلى مناطق مثل الدمازين والروصيرص وباو.

وقال إن اتساع رقعة القتال قد يؤدي إلى موجات نزوح واسعة بين المدنيين، كما قد يهدد منشآت حيوية، من بينها خزان الروصيرص الذي يمثل مصدراً مهماً للزراعة والري وإنتاج الكهرباء.

وأشار إلى أن المعارك في كردفان لا تزال مستمرة، رغم التقدم الذي أحرزه الجيش في بعض محاور الصادرات، معتبراً أن الحكومة تسعى إلى السيطرة على مناطق استراتيجية وإدخال الدعم السريع في حرب استنزاف طويلة، خصوصاً في المناطق التي يمكن عزلها أو محاصرتها جغرافياً.

ولفت إلى أن دخول السودان موسم الخريف قد ينعكس سلباً على خطوط الإمداد العسكرية، بسبب وعورة الطرق وصعوبة وصول الآليات والمعدات إلى بعض المناطق.

وبشأن الحوار الوطني، رأى تورشين أن إطلاقه في ظل استمرار الحرب لن يكون ذا جدوى كبيرة، معتبراً أن الخطوة قد تستهدف، في تقديره، إعادة صياغة الوثيقة الدستورية ومنح رئيس مجلس السيادة عبد الفتاح البرهان صلاحيات أوسع، بما قد يسهم في شرعنة وجوده في السلطة.

وشدد على أن أي حوار وطني شامل يجب أن يضم جميع الأطراف السودانية دون قيود، وأن تشارك القوى السياسية في تحديد أجندته ومكانه وزمانه، على أن يتناول قضايا شكل الدولة ونظام الحكم والترتيبات العسكرية والأمنية.

وأضاف أن الحوار ينبغي أن يناقش طبيعة الدولة السودانية، سواء كانت فدرالية أو شبه فدرالية أو مركزية أو شبه مركزية، إلى جانب تحديد نظام الحكم، برلمانياً كان أو رئاسياً، ومعالجة قضية دمج المليشيات والفصائل المسلحة في المؤسسة العسكرية.

واعتبر أن تجاهل الملفات العسكرية والأمنية سيجعل أي حوار وطنياً منقوصاً وغير قادر على معالجة جذور الأزمة.

وفي تقييمه للسيناريوهات المقبلة، قال تورشين إن السودان يواجه ثلاثة مسارات رئيسية: الحسم العسكري، والتسوية السياسية عبر الحوار أو التفاوض، وتعدد مراكز السلطة والنفوذ.

ورأى أن سيناريو الحسم العسكري أصبح محدوداً بفعل تعقيدات الحرب، بينما تمثل التسوية السياسية الخيار الأقل كلفة، لكنها في الوقت ذاته الأكثر تعقيداً، وتتطلب إرادة سياسية وشجاعة من الأطراف السودانية والمجتمع الدولي.

وأشار إلى أن التسوية تحتاج إلى مسارين متوازيين، أحدهما عسكري وأمني يتناول ترتيبات وقف الحرب ودمج الفصائل المسلحة، والآخر سياسي يعالج طبيعة الدولة ونظام الحكم وشكل التسوية.

وحذر تورشين من أن السيناريو الأخطر يتمثل في تعدد مراكز السلطة، موضحاً أن المقصود ليس بالضرورة التقسيم التقليدي وانفصال إقليم عن الدولة، وإنما نشوء مراكز قوة وقرار متعددة داخل السودان.

وختم بالقول إن تعدد مراكز القوة والقرار قد يكون السيناريو الأقرب والأكثر تأثيراً في مستقبل السودان، لما يحمله من تعقيدات سياسية وأمنية تهدد وحدة القرار والدولة.

السودان.. التعايشي يطرح برنامج حكومة “الدعم السريع”

اقرأ المزيد