مصادر دبلوماسية كشفت أن تحفظ مصر والسعودية على المبادرة الأمريكية بشأن ليبيا لا يعني رفضها، بل يرتبط بمخاوف من آليات التنفيذ وإمكانية منح مراكز القوة العسكرية والاقتصادية شرعية سياسية دون ضمانات تضمن خضوعها الكامل لمؤسسات الدولة.
وأوضحت المصادر أن هذا الموقف يتجاوز مسألة تشكيل السلطة التنفيذية المقبلة، إذ يرتبط برؤية أوسع تعتبر أن نجاح أي تسوية سياسية في ليبيا مرهون بمعالجة تداعيات الحرب في السودان، وتأمين الحدود الجنوبية، والحد من شبكات تهريب السلاح والمقاتلين، إلى جانب حماية أمن البحر الأحمر، انطلاقًا من قناعة بأن الاستقرار الدائم لا يتحقق بمجرد تشكيل حكومة جديدة، بل عبر بناء مؤسسات قادرة على فرض سيادتها.
وأشارت المصادر إلى أن هذه الرؤية برزت خلال الاجتماع الذي استضافته القاهرة في 20 يونيو/حزيران 2026، وجمع وزير الخارجية المصري ونظيريه السعودي والتركي، إلى جانب مستشار الرئيس الأمريكي مسعد بولس، حيث ناقش المشاركون مستقبل المبادرة الأمريكية من دون التوصل إلى توافق كامل بشأن آليات تنفيذها.
وأكدت المصادر أن المجتمعين اتفقوا على ضرورة إنهاء الانقسام المؤسسي بين شرق ليبيا وغربها عبر تشكيل سلطة تنفيذية موحدة، إلا أن الخلاف تركز حول الضمانات المطلوبة لمنع تكرار إخفاقات المراحل الانتقالية السابقة، وضمان احتكار الدولة للقرار الأمني والعسكري والاقتصادي.
ولفتت إلى أن القاهرة والرياض لا تعارضان إشراك القوى المؤثرة في المشهد الليبي ضمن أي تسوية مقبلة، لكنهما تشددان على أن نجاح أي اتفاق يجب أن يقاس بقدرته على توحيد المؤسسات وإنهاء تعدد مراكز النفوذ، وليس بسرعة تشكيل حكومة جديدة.
وبيّنت المصادر أن المبادرة الأمريكية، التي يقودها مسعد بولس، تنطلق من قناعة بأن تجاوز الأزمة الليبية يتطلب إشراك القوى صاحبة النفوذ الفعلي على الأرض داخل سلطة تنفيذية موحدة، بما يسمح بإعادة توحيد المؤسسات وتهيئة الظروف لإجراء انتخابات عامة بعد مرحلة انتقالية تمتد لنحو 36 شهرًا.
وأضافت أن هذه المقاربة تتوافق مع ما أوردته صحيفة “فايننشال تايمز” بشأن مساعٍ أمريكية لتشكيل حكومة موحدة تضم ممثلين عن الشرق والغرب، مع منح صدام حفتر دورًا محوريًا، إلى جانب توحيد المؤسسات المالية وإطلاق مشاريع إعادة الإعمار، بينما تحدثت وكالة “رويترز” عن اتصالات أمريكية مكثفة مع الأطراف الليبية لدفع العملية السياسية وتعزيز الاستقرار.
ورأت المصادر أن أبرز أسباب التحفظ المصري والسعودي يتمثل في غياب تصور واضح لمعالجة تداعيات الحرب في السودان، وما تفرضه من تحديات أمنية على جنوب ليبيا، خصوصًا في منطقة الكفرة التي تحولت إلى معبر رئيسي لشبكات تهريب السلاح والوقود والمهاجرين، فضلًا عن ارتباطها بالتطورات العسكرية في دارفور.
وأفادت بأن القاهرة تعتبر أن أي تسوية سياسية لن تحقق أهدافها إذا بقي الجنوب الليبي خارج السيطرة الفعلية للدولة، متسائلة عما إذا كانت السلطة التنفيذية الجديدة ستكون قادرة على فرض سيادتها على الحدود وإنهاء نشاط شبكات التهريب، أم أن هذه المناطق ستظل خاضعة لموازين القوى المحلية والإقليمية.
وأوضح الصحفي المصري علاء فاروق أن المقاربة المصرية لا تنطلق من رفض المبادرة الأمريكية، وإنما من تقييم للمخاطر المحتملة في حال تنفيذها من دون ضمانات مؤسسية واضحة، مؤكدًا أن القاهرة تضع توحيد المؤسسة العسكرية، وضبط الحدود، وإنهاء تعدد مراكز القرار في مقدمة أولوياتها قبل الدخول في أي ترتيبات سياسية طويلة الأمد.
وأشار فاروق إلى أن التحفظ المصري لا يرتبط بشخص صدام حفتر بقدر ما يتعلق بإمكانية منحه موقعًا متقدمًا داخل السلطة قبل استكمال توحيد المؤسسة العسكرية، محذرًا من أن منح صلاحيات واسعة في هذه المرحلة قد ينعكس على الملفات الأمنية والحدودية المرتبطة بالسودان.
وأكد الباحث السعودي مالك الروقي أن المبادرات الدولية السابقة حققت اختراقات سياسية محدودة، لكنها لم تنجح في بناء مؤسسات مستقرة، مشددًا على أن استقرار ليبيا يتطلب إدارة فعالة للموارد السيادية، وتوحيد المؤسسة العسكرية، وضبط الحدود، وتهيئة الظروف لإجراء انتخابات تنهي المراحل الانتقالية المتكررة.
ورأى الباحث جلال حرشاوي أن المقاربة الأمريكية تعتمد على التعامل مع موازين القوى القائمة واحتوائها داخل إطار سياسي موحد، لكنها تثير تساؤلات حول قدرة مؤسسات الدولة الجديدة على احتواء القوى المسلحة ومنع استمرار نفوذها داخل السلطة.
واعتبر الباحث الأمريكي كاميرون هدسون أن معظم المبادرات الدولية ركزت على إنتاج توافقات سياسية سريعة أكثر من تركيزها على بناء مؤسسات الدولة، محذرًا من أن أي سلطة لا تفرض سيطرتها على المؤسسة العسكرية والحدود والموارد السيادية ستظل عاجزة عن ترسيخ سيادة الدولة، حتى مع حصولها على اعتراف دولي.
وخلصت المصادر إلى أن جوهر الخلاف بين واشنطن من جهة، والقاهرة والرياض من جهة أخرى، لا يتمحور حول ضرورة إنهاء الانقسام الليبي، وإنما حول الطريق الأنسب لتحقيق ذلك، إذ ترى الولايات المتحدة أن جمع مراكز القوة داخل سلطة تنفيذية واحدة يمثل مدخلًا للاستقرار، بينما تشدد مصر والسعودية على ضرورة توفير ضمانات مؤسسية تحول دون انتقال النفوذ العسكري والاقتصادي إلى داخل أجهزة الدولة، معتبرتين أن نجاح المبادرة سيقاس بقدرتها على بناء دولة موحدة بمؤسسات فاعلة، وليس بمجرد تشكيل حكومة جديدة.
إحالة عمرو دياب إلى المحكمة في واقعة صفع شاب
