تدير السلطة السودانية، التي اتخذت بورتسودان مقراً خلال الحرب، سياستها الخارجية كغرفة طوارئ بلا خريطة خروج، فتمنح الأولوية للسلاح والتمويل والاعتراف السياسي، ثم تؤجل حساب التناقضات إلى موعد مجهول.
عملياً، يجمع سجل السلطة شبكات الحركة الإسلامية، والمسيّرات الإيرانية، والتوتر مع إثيوبيا، والاتهامات الأميركية باستخدام أسلحة كيميائية، إلى جانب مسار سابق للتطبيع مع إسرائيل.
تختصر تسمية “سلطة بورتسودان” واقعاً سياسياً أكثر مما تصف موقعاً جغرافياً؛ فهي تضم قيادة الجيش ومؤسسات الدولة، وتواجه قوة الدعم السريع المتهمة بدورها بجرائم صنفتها واشنطن إبادة جماعية في دارفور. غير أن جرائم الخصم لا تمنح الجيش حصانة سياسية أو قانونية، ولا تحول تحالفاته وخياراته العسكرية إلى شؤون خارج المساءلة.

الإسلاميون.. حليف الميدان وعبء الدولة
كشفت الحرب أن العلاقة بين الجيش والحركة الإسلامية أعمق من مجرد تعاطف سياسي، إذ وثقت تقارير صحفية مشاركة آلاف المقاتلين المرتبطين بحزب المؤتمر الوطني وتشكيلات إسلامية، إلى جانب تعبئة عشرات الآلاف ضمن وحدات الإسناد والمقاومة الشعبية.
كما أقر قادة في كتيبة البراء بن مالك بأن وحداتهم تتحرك بأوامر الجيش وتحصل على الأسلحة والمدفعية والمسيّرات، بينما نفى الجيش وجود تحالف رسمي مع أي حزب.
تكمن المشكلة في الثمن المؤجل لهذا الدعم؛ فتحتاج قيادة الجيش إلى المقاتلين الإسلاميين في الميدان، فيما يحتاج الإسلاميون إلى الحرب للعودة إلى مؤسسات الدولة بعد سقوط نظام عمر البشير.
كل انتصار عسكري يرفع رصيدهم التفاوضي، وكل إطالة للحرب توسع قدرتهم على التأثير في الأمن والاقتصاد والإدارة، فيتحول التحالف من أداة عسكرية مؤقتة إلى مشروع لإعادة بناء النظام القديم تحت مظلة الجيش.
رفعت واشنطن مستوى الضغط في هذا الملف خلال العامين الأخيرين، 2025 و2026، وفرضت وزارة الخزانة عقوبات على كتيبة البراء، واتهمتها بتوفير أكثر من عشرين ألف مقاتل وبالحصول على تدريب وتسليح إيراني.
وفي مارس 2026، أدرجت الولايات المتحدة “الإخوان المسلمين السودانيين” على قائمة المنظمات الإرهابية الأجنبية، وفق تعريف يشمل الحركة الإسلامية السودانية وجناحها المسلح، كتيبة البراء بن مالك.
يعكس هذا التصنيف رؤية واشنطن للحركة الإسلامية السودانية وفروعها المتعددة، لكنه يفرض على الجيش كلفة سياسية مباشرة، إذ إن استمرار اعتماده على هذه التشكيلات يهدد بامتداد العقوبات والعزلة إلى مؤسسات الدولة.

الكلور ينقل الحرب إلى مستوى دولي
انتقلت أزمة الجيش من اتهامات بانتهاكات الحرب التقليدية إلى ملف أكثر خطورة، عندما خلصت الولايات المتحدة في أبريل 2025 إلى أن حكومة السودان استخدمت أسلحة كيميائية خلال عام 2024.
أعلنت واشنطن عقوبات أولية، ثم وسعتها في يوليو 2026 لتشمل معارضة القروض والمساعدات التنموية الدولية وتشديد قيود التصدير، مع استثناءات للاحتياجات الإنسانية والأساسية.
دعمت تحقيقات مفتوحة المصدر جانباً من الاتهامات عبر صور ومقاطع جرى تحديد مواقعها في قاعدة الجيلي ومصفاة الخرطوم خلال سبتمبر 2024، وأشار تقييم نشرته “هيومن رايتس ووتش” إلى أدلة تتسق مع إسقاط عبوات كلور جواً، إضافة إلى شهادات عن سحب صفراء وخضراء وحالات فقدان وعي وصعوبة في التنفس.
كانت المواقع في تلك الفترة تحت سيطرة الدعم السريع، بينما امتلك الجيش القدرة الجوية اللازمة لتنفيذ الهجمات.
تفرض حساسية هذه الوقائع التمييز بين الموقف الأميركي والنتيجة القانونية الدولية؛ فالسيناريو الأميركي بشأن الأسلحة الكيميائية حاضر دائماً في سياق الحروب بما يخدم المصالح الأميركية، ولذلك فإن القرار يعبر عن تقييم رسمي لواشنطن، من دون أن يحمل صفة الحكم النهائي الصادر عن منظمة حظر الأسلحة الكيميائية. كما أبقت الإدارة الأميركية معظم أدلتها الفنية خارج المجال العام، بينما رفضت السلطات السودانية الاتهامات وشكلت لجنة داخلية للتحقيق.

إثيوبيا.. الحدود تتحول إلى جبهة بالوكالة
تحولت العلاقة مع إثيوبيا من نزاع حدودي مزمن إلى مواجهة أمنية تختلط فيها الحرب السودانية بصراعات القرن الإفريقي.
تحمل الذاكرة القريبة خلاف الفشقة، وسد النهضة، وتبادل الاتهامات بشأن دعم جبهة تحرير تيغراي، وأضافت حرب السودان مجالاً أخطر، إذ بات كل طرف ينظر إلى خصوم جاره بوصفهم أدوات محتملة للضغط.
وكشف تحقيق لـ”رويترز” في فبراير 2026 وجود معسكر قرب منغي في إقليم بني شنقول-قمز، على مسافة نحو 32 كيلومتراً من الحدود السودانية، وتحدثت مصادر ووثائق عن تدريب آلاف المقاتلين المرتبطين بالدعم السريع، مع اتهامات بتمويل إماراتي نفتها أبوظبي.
وزاد التوتر في مايو 2026، عندما اتهم السودان إثيوبيا والإمارات بتسهيل هجمات بمسيّرات انطلقت من بحر دار وطالت مطار الخرطوم ومواقع أخرى، ثم استدعى سفيره من أديس أبابا.
قابلت أديس أبابا الاتهامات السودانية بالرفض، واتهمت الخرطوم، في المقابل، بدعم جبهة تحرير تيغراي. وتكشف هذه المواجهة عن انتقال الخلاف إلى صراع بالوكالة لم يبلغ مستوى الحرب المباشرة، لكنه يضيف عبئاً أمنياً واقتصادياً على السلطة السودانية.

الحرس الثوري يدخل من بوابة المسيّرات
بدأ تقارب “بورتسودان” مع إيران باستئناف العلاقات الدبلوماسية في أكتوبر 2023، ثم انتقل سريعاً إلى المجال العسكري.
ورصدت تحقيقات صحفية رحلات شحن بين إيران وبورتسودان وظهور مسيّرة “مهاجر-6” في قاعدة وادي سيدنا، كما ربطت مصادر إقليمية بين طهران وتسليم طائرات “مهاجر” و”أبابيل” التي ساعدت الجيش على استعادة المبادرة حول أم درمان والخرطوم، بينما نفى مسؤولون سودانيون تلقي أسلحة إيرانية.
وأضافت وزارة العدل الأميركية في أبريل 2026 بعداً جديداً، حين اتهمت مواطنة إيرانية بالتوسط في عقد يتجاوز سبعين مليون دولار لتوريد مسيّرات “مهاجر-6” إلى الجيش السوداني، إلى جانب صفقات ذخائر وصواعق قنابل مرتبطة بوزارة الدفاع الإيرانية والحرس الثوري.
ورغم أن هذه الاتهامات قضائية ولم يصدر فيها حكم نهائي، فإنها تتقاطع مع اتهامات الخزانة الأميركية بشأن تدريب الحرس الثوري مقاتلين إسلاميين سودانيين.
يمثل الدعم الإيراني علاجاً عسكرياً قصير الأجل بمضاعفات استراتيجية طويلة؛ فالسودان يقع بين مصر والسعودية ودول الخليج، وعلى واحد من أكثر الممرات البحرية حساسية في العالم، وكل اقتراب أمني من الحرس الثوري يثير مخاوف هذه العواصم، حتى من دون وجود دليل علني على قاعدة إيرانية دائمة في بورتسودان.

إسرائيل.. الحلقة المؤجلة
يسجل المسار الإسرائيلي تناقض السياسة السودانية بوضوح، إذ التقى عبد الفتاح البرهان بنيامين نتنياهو في عنتيبي الأوغندية في فبراير 2020، ولم يتوجه علناً إلى إسرائيل كما تردد لاحقاً.
لاحقاً، وقع السودان إعلان اتفاقات أبراهام في يناير 2021، وألغى قانون مقاطعة إسرائيل، وفي فبراير 2023 استقبل البرهان وزير الخارجية الإسرائيلي إيلي كوهين في الخرطوم، وأعلن الجانبان التقدم نحو اتفاق تطبيع لم يكتمل بسبب الأزمة السياسية والحرب.
تظهر إسرائيل هنا كحلقة مؤجلة وليست غائبة؛ فقد استخدمت القيادة السودانية مسار التطبيع لفتح باب واشنطن ورفع العقوبات واكتساب الشرعية، بينما تستخدم اليوم إيران للحصول على السلاح والخبرة العسكرية.
يستطيع نظام مضغوط فتح المسارين معاً لفترة محدودة، لكنه يعجز عن تحويلهما إلى استراتيجية مستقرة؛ فكل خطوة نحو الحرس الثوري ترفع كلفة العودة إلى إسرائيل والولايات المتحدة، وكل وعد بالتطبيع يثير شكوك طهران وحلفائها.

دولة كثيرة الشركاء قليلة الأصدقاء
تبدو تحركات بورتسودان متنوعة في ظاهرها؛ فالإسلاميون يوفرون الرجال، وإيران تؤمن السلاح، ومصر تدافع عن بقاء الدولة المركزية، وتركيا تعرض التقنية العسكرية، بينما يظل باب إسرائيل والولايات المتحدة نصف مفتوح.
تكشف الصورة الأعمق غياب مركز استراتيجي يجمع هذه المسارات؛ فكل علاقة تعالج أزمة عاجلة وتنتج أزمتين جديدتين.
ينتهي هذا النهج بسودان كثير الوسطاء وقليل الأصدقاء، لأن علاقاته الخارجية تتحول إلى أدوات نفوذ تخدم مصالح أطرافها أكثر مما تدعم الدولة وتحمي مصالح السودانيين.
تحتاج البلاد إلى سياسة خارجية تعيد الاعتبار لمؤسساتها وحدودها ومواطنيها، وتفصل بقاء السودان عن بقاء أي قيادة أو تنظيم. واستمرار ألعاب بورتسودان بالوتيرة الحالية يحول الدولة من لاعب في البحر الأحمر والقرن الإفريقي إلى ساحة مفتوحة يتقاسم الآخرون أوراقها.
بقلم مازن بلال
مجموعة “متحدون” تدعو إلى إبقاء معبر “أدري” مفتوحاً
