02 يوليو 2026

تدخل الحرب السودانية عامها الرابع وتنتقل من صراع على السلطة إلى صدام على الجغرافيا والموارد، وجاءت العقوبات الأميركية في لحظة يتعمق فيها الانقسام بين سلطة الجيش في بورتسودان ومناطق نفوذ قوات الدعم السريع في دارفور وكردفان، مع تتراجع فرص الحسم أو التسوية الشاملة.

هذا التحول يدخل في إطار “التقسيم الفعلي للأمر الواقع”، حيث تتشكل سلطات موازية وخطوط تماس ثابتة واقتصاد حرب مستقل عن الدولة المركزية، فلا تبدو العقوبات الأميركية مجرد ضغط خارجي، بل تدخل ضمن معركة أوسع على مصادر التمويل، وشبكات الإمداد، وقدرة كل طرف على تحويل سيطرته العسكرية إلى سلطة سياسية واقتصادية دائمة.

عقوبات أميركية أوسع من حظر الطيران

تستهدف الحزمة الأميركية الأخيرة البنية المالية واللوجستية التي تغذي الحرب، من خلال قيود تطال الطيران السوداني المملوك للدولة، والقروض والمساعدات المالية والفنية عبر المؤسسات الدولية، وفرض قيود إضافية على الصادرات.

ويعكس هذا المسار انتقال واشنطن من الضغط الدبلوماسي العام إلى محاولة تضييق مصادر التمويل التي تسمح باستمرار القتال.

عملياً لا تقتصر الحزمة الجديدة من العقوبات الأميركية على إجراء واحد، بل تشمل معارضة واشنطن أي تمويل أو مساعدات دولية للسودان، وفرض قيود إضافية على الصادرات، ومنع شركات الطيران السودانية المملوكة للدولة من العمل داخل الولايات المتحدة، وذلك بموجب قانون مراقبة الأسلحة الكيميائية والبيولوجية.

هل يقترب السودان من التقسيم أم التسوية؟

المؤشرات الحالية ترجح التقسيم الوظيفي للسودان أكثر من التسوية السياسية، فالجيش يرسخ سلطته في الشمال والشرق والوسط ويتخذ من بورتسودان عاصمة إدارية، بينما تسيطر قوات الدعم السريع على مساحات واسعة من دارفور وأجزاء من كردفان.

هذا الانقسام لم يتحول إلى إعلان انفصال، لكنه ينتج آثار الانفصال تدريجياً من عملة وإدارة وجبايات وأجهزة محلية، وخطاب سياسي منفصل.

ظهور أوراق نقدية جديدة في مناطق سيطرة الدعم السريع يعكس خطورة التحول من الانقسام العسكري إلى الانقسام المؤسسي، حيث نقلت رويترز في 25 حزيران 2026 أن أوراقاً نقدية سودانية جديدة بدأت تتداول في مناطق الدعم السريع، بعد إنشاء حكومة موازية تعرف باسم “تأسيس” وتعيين مسؤول على بنك مركزي مواز، في خطوة تعمق الانقسام الفعلي للبلاد.

هذه التطورات جعلت التسوية تصطدم بشرطين متعارضين، فالجيش يرفض الاعتراف بالدعم السريع ككيان سياسي أو عسكري مشروع بعد الحرب، والدعم السريع يتمسك بمكاسبه الميدانية باعتبارها ورقة تفاوض.

أما مبادرة عبد الفتاح البرهان، رئيس مجلس السيادة الانتقالي في السودان، للحوار السياسي فاستبعدت حسب قوله من “ولغوا في دماء السودانيين”، وهو توصيف موجه إلى الدعم السريع، بينما تطرح قوى مدنية مساراً يقوم على وقف القتال وإبعاد القوات المسلحة عن السياسة.

الفجوة بين الطرحين تجعل التسوية صعبة على مستوى العمل السياسي الداخلي، أما الضغط الخارجي والإقليمي فهو يدخل ضمن إطار المبادرات دون أن يفتح مساراً واضحاً لحل الأزمة.

هل تنجح العقوبات الأميركية في تغيير موازين الصراع؟

العقوبات الأميركية ترفع كلفة الحرب لكنها لا تقلب ميزانها بسرعة، فشبكات السلاح والذهب والتهريب والجبايات لا تعتمد بالكامل على النظام المالي الأميركي.

الجيش يمتلك شركات ومنظومة اقتصادية مرتبطة بالصناعات الدفاعية والنقل والتجارة، والدعم السريع يعتمد على الذهب والجبايات والحدود المفتوحة وشبكات خارجية، ويصبح أثر العقوبات تراكمياً عبر إبطاء التمويل، ورفع كلفة الشحن، وتشديد الامتثال المصرفي، وإضعاف القدرة على الحصول على قنوات مالية نظيفة.

قوة العقوبات أنها تنقل الأزمة من مستوى “وقف إطلاق النار” إلى “اقتصاد الحرب”، فالحرب تتغذى من بنية اقتصادية عسكرية وأمنية تشكلت قبل اندلاع المعارك وتوسعت بعدها، وتشمل التعدين والنفط والنقل والاتصالات والمصارف والجبايات غير النظامية.

معالجة هذه البنية تصبح شرطاً لأي سلام دائم، لأن اتفاقاً سياسياً لا يمس مصادر المال والسلاح سيبقي الأطراف قادرة على استئناف القتال.

الأبيض وكردفان: اختبار الحسم العسكري

يؤكد الميدان أن الحسم العسكري أصبح بعيد المنال، فمدينة الأبيض في شمال كردفان تحولت إلى نقطة اختبار كبرى، لأنها تقع على طريق استراتيجي يربط غرب السودان بوادي النيل والخرطوم، وتضم قاعدة جوية وفرقة عسكرية.

كما ظهرت تحذيرات أممية وغربية من تعزيزات كبيرة للدعم السريع حول المدينة، مع مخاوف من تكرار نمط العنف الجماعي الذي شهدته الفاشر.

يملك الجيش تفوقاً في الطيران والمدفعية والشرعية الدولية، لكنه يعاني في السيطرة البرية على مساحات واسعة، أما الدعم السريع فلديه قدرة على الحركة وحرب المدن والانتشار في دارفور وكردفان، لكنه يواجه صعوبات في الاحتفاظ بمدن كبيرة إذا دخل في مواجهة طويلة مع جيش منظم وطائرات مسيرة وتحالفات محلية مناوئة.

استخدام المسيرات من الطرفين غيّر شكل الحرب من مواجهة كلاسيكية إلى استنزاف مستمر للبنية التحتية والطرق والجسور والأسواق.

أنتجت الحرب الحالية توازن ضعف، فكل طرف يستطيع منع الآخر من الانتصار، لكنه يعجز عن بناء سلطة وطنية مستقرة وحده، وهذا التوازن يفسر استمرار القتال رغم الكلفة الإنسانية الهائلة، فبرنامج الأغذية العالمي يقدر أن نحو 19.5 مليون شخص في السودان يواجهون مستويات أزمة من الجوع، مع 825 ألف طفل دون الخامسة مهددين بسوء تغذية حاد في 2026، إضافة إلى أزمة نزوح واسعة.

مستقبل الجيش والدعم السريع بعد الحرب

مستقبل الجيش السوداني يرتبط بإعادة بناء شرعيته لا بمجرد بقائه، فهو سيخرج من الحرب بوصفه المؤسسة الرسمية الأقدر على تمثيل الدولة، لكنه سيواجه مشكلة حلفائه.

الحركات المسلحة، والقوات المشتركة، والمقاومة الشعبية، وشبكات التعبئة المحلية ستطالب بحصة في القرار الأمني والسياسي، ما يعني أن الجيش ينتصر سياسياً على فكرة “القوة الموازية”، لكنه سيجد نفسه داخل تعددية مسلحة تحتاج إلى دمج وضبط وتمويل ومساءلة.

قوات الدعم السريع تواجه سيناريو أكثر تعقيداً، فاستمرارها كجيش مواز قادر على حكم السودان كله أصبح ضعيفاً، خاصة بعد الجرائم المنسوبة إليها والانقسامات القبلية والضغط الدولي عليها.

لكنها ورغم كل ما يحيط بها لن تختفي عسكرياً، والاحتمال الأرجح تحولها إلى جيوب مسلحة في دارفور وكردفان، أو إلى تشكيلات قبلية واقتصادية مرتبطة بالموارد والتهريب، ما لم تفرض تسوية شاملة تتضمن آلية تفكيك ودمج ومحاسبة.

تسوية ممكنة وتقسيم يتقدم

السودان لا يسير نحو تسوية تلقائية، بل تقسيم وظيفي يتعمق كلما طال أمد الحرب، فالعقوبات الأميركية تضيق هامش المناورة وتستهدف شبكات الحرب، لكنها تحتاج إلى تنسيق دولي وإقليمي أوسع حتى تتحول إلى عامل حاسم.

الميدان يقول إن النصر الكامل صعب، والسياسة تكشف أن الاعتراف المتبادل شبه معدوم، أما الاقتصاد فيوضح إن الحرب تحولت إلى مصدر دخل ونفوذ.

المخرج الواقعي يبدأ من هدنة إنسانية قابلة للتحقق، يليها مسار سياسي لا يكتفي بتقاسم السلطة بين البنادق، بل يضع الشركات العسكرية والموارد والذهب والجبايات تحت رقابة مدنية، من دون ذلك سيبقى السودان موحداً على الخريطة ومقسماً في الواقع.

بقلم: نضال الخضري

وصول أول قافلة مساعدات إنسانية إلى جنوب الخرطوم منذ بدء النزاع

اقرأ المزيد