10 مايو 2026

تبدو اشتباكات الزاوية، في ظاهرها، امتدادا للنمط المألوف في الغرب الليبي؛ مدينة مثقلة بتعدد مراكز القوة، وبعلاقة ملتبسة بين الأجهزة الرسمية والتشكيلات المسلحة.

غير أن ما جرى مؤخرا يكتسب دلالة أبعد من حدود المواجهة المحلية، حيث تزامن اضطراب الرواية الأمنية مع تعطيل منشأة نفطية حيوية، وفتح مسار جديد للأسئلة حول الجهة التي تملك القدرة على تحويل الفوضى إلى مكسب سياسي أو اقتصادي.

عمليا تتجاوز خطورة الاشتباكات سؤال هوية الأطراف المتقاتلة إلى ما كشفته من هشاشة السلطة حين تقترب المعارك من قلب البنية النفطية، فالزاوية ظهرت بوصفها نقطة اختبار لعلاقة السلاح بالقرار، وللقدرة الفعلية لحكومة الوحدة الوطنية منتهية الولاية على حماية المدنيين والمنشآت، وضبط سوق الوقود قبل أن يتحول إلى امتداد للصراع على النفوذ.

من بيان أمني إلى اشتباكات مفتوحة

بدأ المشهد بإعلان مديرية أمن الزاوية والغرفة الأمنية المشتركة عملية واسعة ضد “أوكار الجريمة” والمطلوبين والخارجين عن القانون، ووفق الرواية الرسمية فإن الهدف فرض سلطة الدولة وتجفيف منابع الانفلات الأمني.

غير أن الميدان أنتج رواية أخرى، فالاشتباكات جرت قرب مصفاة الزاوية، وتم استخدام قذائف من عيار ثقيل داخل المجمع النفطي، ما أدى لإيقاف كامل للمصفاة وإخلاء الميناء من الناقلات حفاظا على العاملين والمنشآت والبيئة المحيطة.

وأكدت تقارير صحفية أن مصفاة الزاوية، وهي أكبر مصفاة عاملة في ليبيا بطاقة 120 ألف برميل يوميا وترتبط بحقل الشرارة البالغة طاقته 300 ألف برميل يوميا، أغلقت وأعلنت فيها حالة الطوارئ بعد الاشتباكات.

تناقض البيانات وفجوة المسؤولية

المفارقة أن الجهة التي قدمت الاشتباكات في البداية كامتداد لعملية أمنية عادت لتنفي صلتها بما جرى، ما يكشف فجوة خطيرة بين “لغة الدولة” و”منطق القوة” ففي ليبيا ما بعد 2011، تستخدم بشكل لافت مفردات القانون لإضفاء شرعية على عمليات تنتهي إلى إعادة ترتيب توازنات مسلحة.

حين تبدأ الحملة باسم مكافحة الجريمة ثم تتنصل المؤسسات من نتائجها، يصبح السؤال هل كانت الدولة تقود العملية، أم كانت واجهة سياسية لاشتباك بين وكلاء محليين؟

تضاربت الروايات بشأن أطراف القتال، فبعض المصادر تحدثت عن مواجهة بين مجموعتي محمد بحرون، المعروف بـ”الفار”، ومحمد كشلاف، المعروف بـ”القصب”، وهما اسمان حاضران في معادلات القوة داخل الزاوية، وتشير تقارير إلى قربهما من رئيس حكومة الوحدة الوطنية منتهية الولاية، عبد الحميد الدبيبة، وحضورهما فعاليات رمضانية معه.

مصادر أخرى لم تحسم هوية الأطراف، واكتفت بالحديث عن مجموعات مسلحة متنافسة قرب المصفاة، هذا الغموض جزء من المشكلة، فعندما لا تكون الحدود واضحة بين الأمني والميليشياوي، والتكليف الرسمي والولاء الشخصي، تصبح المسؤولية السياسية قابلة للتبخر عند أول قذيفة.

المدنيون في قلب الخطر

بقي المدنيون خلال هذه الأحداث الحلقة الأضعف، فالتقارير المحلية تحدثت عن عائلات عالقة، وسقوط قذائف ورصاص عشوائي على منازل وسيارات، ودعوات من الهلال الأحمر ومركز طب الطوارئ إلى التزام المنازل.

كما حذرت البعثة الأممية من أن القتال في الزاوية لا يهدد الأرواح وحدها، بل ينذر بزعزعة أوسع وبأضرار جسيمة في البنية التحتية الاستراتيجية ذات العواقب الإنسانية والاقتصادية الخطيرة.

خرجت المصفاة عن وظيفتها كمنشأة نفطية فقط؛ تحولت إلى عقدة سيادية واقتصادية مكشوفة، تتقاطع عندها سلامة المدنيين مع أمن الطاقة وصراع المجموعات المسلحة على الموارد، سقوط القذائف في محيطها لا يهدد خطوط الإنتاج وحدها، بل يضع السكان والعاملين والمنشآت الحيوية داخل معادلة ابتزاز غير معلنة، حيث يمكن لكل تصعيد أمني أن يتحول فورا إلى ضغط على الحكومة، وإرباك لسوق الوقود، وإعادة توزيع لموازين النفوذ بين المدن والقوى المتنافسة.

ما كان يفترض أن يكون مرفقا عاما يخدم الليبيين، أصبح في لحظة الفوضى ورقة تفاوض ودليلا على أن السيطرة على البنية النفطية لم تعد مسألة إنتاج وتكرير فقط، بل جزءا من الصراع الأوسع على من يملك القرار في غرب ليبيا.

حرس المنشآت النفطية: خط دفاع بديل

بعد هذه التطورات جاء بيان حرس المنشآت النفطية في المنطقة الغربية ليظهر خطرا جديدا، فحين يعلن أنه اضطر إلى التصدي للهجوم بنفسه، ويتهم وزارة الدفاع ووزارة الداخلية ومنطقة الساحل الغربي بالصمت أو التقاعس، فهذا يعني أن المنشأة التي يفترض أنها محمية وطنيا وجدت نفسها عمليا أمام فراغ أمني.

يضرب هذا الاتهام صورة حكومة الوحدة، ويفتح سؤالا حول قدرة الدولة على حماية المورد الذي تمول به بقاءها، فالدولة التي لا تستطيع إبعاد الاشتباكات عن أهم مصفاة في غرب البلاد تفقد احتكارها الرمزي والمادي للسيادة.

يضاف إلى ذلك فرضية استخدام طائرات مسيرة يعتقد أنها أوكرانية الصنع، وهي لم تولد من فراغ، فهناك تقارير سابقة تحدثت عن وجود خبراء مسيرات أوكرانيين في غرب ليبيا، بما في ذلك مناطق قريبة من مصراتة وطرابلس والزاوية، ضمن تفاهمات غير معلنة مع حكومة الدبيبة.

الوقود كأداة نفوذ

جاء توقف المصفاة في لحظة شديدة الحساسية؛ حيث كانت أزمة الوقود في غرب ليبيا تتجه نحو الانفراج بعد إجراءات طارئة وشحنات إضافية عززت كميات البنزين المخصصة لطرابلس.

مع اندلاع الاشتباكات وتعطل الزاوية، عاد ملف الإمدادات إلى دائرة القلق، وبرزت ترتيبات التعويض عبر خزانات وموانئ بديلة، وفي مقدمتها مصراتة، ما جعل الأزمة تتجاوز الخلل الفني أو الأمني إلى إعادة توجيه مسارات الوقود ومراكز التأثير في غرب البلاد.

من يستفيد من تعطيل الزاوية؟

المستفيد المباشر من تعطيل الزاوية ليس بالضرورة طرفا عسكريا واحدا، بل شبكة مصالح تتحرك عند تقاطع الوقود والنفوذ، ففي اللحظة التي تتراجع فيها قدرة مصفاة الزاوية على التكرير والإمداد، تتقدم المسارات البديلة بوصفها مراكز ثقل جديدة، وفي مقدمتها مصراتة، بما تملكه من موانئ وخزانات وقدرة على استقبال البنزين المستورد وإعادة ضخه نحو طرابلس ومحيطها.

وفق وقائع الأحداث فإن الأزمة تظهر مصلحة ثلاثة أطراف، ابتداء من شبكات استيراد الوقود التي يزداد الاعتماد عليها كلما تعطلت القدرة المحلية على التكرير، ثم الوسطاء المتحكمون في النقل والتوزيع، وأخيرا الجهات المسيطرة على الموانئ والخزانات البديلة، خصوصا في مصراتة.

تعطيل الزاوية لا يخلق أزمة إمداد فقط، بل يعيد توزيع القوة داخل سوق الوقود، ويمنح من يملك البديل قدرة أكبر على التفاوض مع الحكومة والضغط على المستهلكين والمؤسسات.

تعطل الزاوية منح أفضلية واضحة للأطراف التي تملك بدائل جاهزة في الاستيراد والتخزين والنقل، والأهم أن أنها كشفت هشاشة سوق الوقود في غرب ليبيا؛ فيكفي خروج منشأة محورية عن الخدمة حتى تنتقل القوة عمليا إلى من يتحكم بالميناء البديل، أو بخزانات التوزيع، أو بخطوط الإمداد.

عند هذه النقطة يتحول اضطراب الزاوية من حادث أمني محدود إلى فرصة نفوذ وربح لشبكات كانت تنتظر لحظة الخلل كي تتقدم.

ثلاث أزمات في مدينة واحدة

تبدو الزاوية اليوم أكثر من مدينة مضطربة، فهي تكشف ثلاث أزمات متداخلة؛ أمنية تتمثل في عجز الحكومة عن تفكيك ازدواجية السلاح؛ ومؤسساتية تظهر في تضارب البيانات وتنصل الجهات الرسمية؛ وأخيرا اقتصادية حيث يتحول الوقود من سلعة مدعومة إلى أداة نفوذ سياسي ومالي.

ما جرى في الزاوية ليس اشتباكا عاديا، فهو اختبار قاس لمن يحكم فعلا غرب ليبيا: الوزارات، أم الغرف الأمنية، أم قادة التشكيلات، أم شبكات الاقتصاد الموازي؟

وبانتظار التحقيقات المستقلة حول الأطراف والسلاح المستخدم ومسؤولية التقاعس، ستبقى الفرضية الأكثر اتزانا أن المستفيد الأكبر ليس طرفا واحدا بالضرورة، بل منظومة كاملة تعيش على سيولة الأمن في الغرب الليبي، وتربح كلما تحولت الدولة إلى بيان، وتحولت المصفاة إلى خط تماس.

بقلم مازن بلال

طرابلس.. اشتباكات مسلحة خلال احتجاجات ومطالبات بإسقاط حكومة الدبيبة

اقرأ المزيد