17 يونيو 2026

تضع مذكرة التفاهم الأمريكية – الإيرانية الأخيرة ملف جنوب لبنان في موقع حساس بين الدبلوماسية الإقليمية والحسابات العسكرية الإسرائيلية.

التصريحات الإيرانية تؤكد أن لبنان حاضر في الاتفاق بوصفه جزءا من معادلة “إنهاء الحرب على كل الجبهات”، بينما تتعامل واشنطن مع الصيغة بوصفها إطارا لخفض التصعيد وفتح مسار تفاوضي أوسع، من دون تحويلها مباشرة إلى التزام معلن بانسحاب إسرائيلي كامل من الأراضي اللبنانية.

يمنح هذا التباين الاتفاق طابعا مزدوجا، حيث تستخدم طهران إدراج لبنان لتأكيد أن نفوذها الإقليمي ما زال عنصرا حاسما في أي تسوية مع الولايات المتحدة، أما واشنطن فتحاول ضبط الحرب من دون الدخول في مواجهة سياسية مباشرة مع إسرائيل.

بين القراءتين، تبقى بيروت أمام اختبار شديد التعقيد من استثمار الزخم الدبلوماسي لاستعادة أراضيها الجنوبية، أو مواجهة خطرة تحول التهدئة إلى تثبيت طويل الأمد لواقع عسكري جديد.

مضمون الاتفاق وحدود الغموض

تشير المعطيات المتداولة إلى أن الاتفاق الأمريكي – الإيراني يقوم على تمديد وقف الأعمال القتالية، وفتح مضيق هرمز، وبدء مرحلة تفاوضية تمتد ستين يوما بشأن الملفات النووية والعقوبات والترتيبات الإقليمية.

هذا الإطار لا يقتصر على البعد النووي، لأنه نشأ بعد حرب واسعة امتدت آثارها إلى الخليج ولبنان والعراق، وجعلت خطوط التماس الإقليمية جزءا من حسابات التفاوض.

الخلاف الحالي حول معنى عبارة “إنهاء الحرب على كل الجبهات”، فإيران تقدمها بوصفها شاملة للجبهة اللبنانية، ما يعني وقف الهجمات الإسرائيلية والانسحاب من مناطق الجنوب، بينما تبدو الولايات المتحدة أكثر تحفظا في تفسيرها، فتتحدث عن وقف التصعيد لا عن ترتيبات انسحاب تفصيلية.

بالنسبة لإسرائيل فهي تفصل بين الاتفاق الأمريكي–الإيراني وقرارها العسكري في لبنان، وتتمسك بحقها في البقاء والعمل الميداني ما دامت تعتبر حزب الله تهديدا مباشرا.

الحساب الإيراني لبنان كورقة تفاوض

تتعامل طهران مع لبنان كجزء من شبكة نفوذها الإقليمي، لا كملف منفصل عن الحرب مع الولايات المتحدة وإسرائيل.

إدراج لبنان في مذكرة التفاهم يمنح طهران قدرة على اعتبار أن الاتفاق لا يخص برنامجها النووي فقط، بل يشمل أمن حلفائها ومصير الجبهات التي فتحت خلال الحرب، فهي تحاول منع تحويل التفاهم إلى صفقة ثنائية تعزلها عن ساحات نفوذها.

يعكس موقف حزب الله القراءة نفسها، فيرى أن أي اتفاق لا يعالج الوجود الإسرائيلي في الجنوب سيبقي الحرب مفتوحة ولو انخفضت وتيرة العمليات، ويربط بين وقف النار والانسحاب الإسرائيلي، ويعتبر استمرار القوات الإسرائيلية داخل لبنان سببا كافيا لبقاء معادلة المقاومة قائمة.

يتجنب الحزب القبول بترتيب يبدأ بانسحابه العسكري أو تفكيك بنيته جنوب الليطاني قبل ضمان انسحاب إسرائيل ووقف ضرباتها.

الموقف الأمريكي: إدارة التصعيد لا هندسة الانسحاب

تسعى واشنطن إلى تثبيت الاتفاق مع طهران باعتباره مخرجا من حرب مكلفة ومفتوحة على اضطراب اقتصادي عالمي، خصوصا بعد إغلاق مضيق هرمز وتأثر أسواق الطاقة.

تنظر الإدارة الأمريكية إلى لبنان من زاوية منع انهيار التفاهم، أكثر من اعتباره ملفا سياديا مستقلا يحتاج إلى آلية انسحاب فورية، فالولايات المتحدة ستضغط على إسرائيل لضبط عملياتها، خصوصا الضربات الواسعة التي تهدد المسار التفاوضي، لكنها لن تذهب بسهولة إلى فرض انسحاب كامل من جنوب لبنان من دون ضمانات أمنية صارمة.

تتعلق هذه الضمانات بانتشار الجيش اللبناني، وتقييد حركة حزب الله قرب الحدود، وتطوير دور رقابي دولي، وربما إنشاء مناطق اختبار يجري فيها تطبيق الترتيبات تدريجيا قبل تعميمها.

الموقف الإسرائيلي.. بقاء مشروط بالأمن

تتعامل إسرائيل مع جنوب لبنان كمنطقة أمنية أمامية بعد الحرب، فالقيادة الإسرائيلية تعتبر أن الانسحاب غير المشروط سيعيد حزب الله إلى الحدود، ويمنحه فرصة لإعادة بناء قدراته بعد الضربات التي تلقاها.

تطرح تل أبيب معادلة مختلفة تبدأ بالأمن أولا، ثم الانسحاب، تقوم على ثلاثة عناصر:

  • الأول الاحتفاظ بمواقع عسكرية داخل الجنوب أو قربه لمنع عودة حزب الله إلى نقاط التماس.
  • العنصر الثاني الإبقاء على حرية العمل الجوي والبري ضد ما تسميه إسرائيل تهديدات ناشئة.
  • أما العنصر الثالث ربط أي انسحاب بوجود ترتيبات واضحة تضمن أن الجيش اللبناني، لا حزب الله، سيكون القوة الفعلية في المنطقة الحدودية.

هذه الشروط تجعل الانسحاب الإسرائيلي مرهونا بتوازنات لبنانية داخلية، لا بالنص الأمريكي–الإيراني وحده.

الدولة اللبنانية بين السيادة والضغط

تجد الدولة اللبنانية نفسها أمام معادلة شديدة الحساسية، فهي تطالب بانسحاب إسرائيل وعودة النازحين ووقف الخروقات، لكنها تواجه في الوقت نفسه مطلبا دوليا واضحا بتعزيز سلطة الجيش جنوبا وضبط السلاح خارج الدولة.

هذا الوضع يمنح بيروت فرصة دبلوماسية، لكنه يضعها أيضا أمام سؤال داخلي صعب، فكيف تستعيد السيادة من إسرائيل من دون الدخول في مواجهة مباشرة مع حزب الله أو الظهور كطرف ينفذ شروطا خارجية؟

يتطلب المسار اللبناني الفعال صياغة موقف وطني موحد يقوم على ثلاث نقاط تبدأ بالانسحاب الإسرائيلي الكامل من الأراضي اللبنانية، ثم انتشار الجيش اللبناني بدعم مالي ولوجستي دولي، وأخيرا ربط إعادة الإعمار وعودة السكان بضمانات تمنع رجوع الجنوب إلى ساحة حرب دائمة، ونجاح هذا المسار يحتاج إلى قرار داخلي لا يقل أهمية عن الضغط الخارجي.

تهدئة بلا انسحاب كامل

يمثل هذا السيناريو الاحتمال الأقرب في المرحلة الأولى، فتنخفض وتيرة الضربات، وتتوقف العمليات الكبرى، وتعود حركة النزوح تدريجيا في بعض المناطق، بينما تبقى القوات الإسرائيلية في مواقع تعتبرها حساسة.

يمنح هذا السيناريو واشنطن وقتا لحماية الاتفاق مع إيران، ويعطي إسرائيل هامشا أمنيا، ويتيح لإيران وحزب الله فرصة للقول إن الحرب توقفت جزئيا بفضل التفاوض.

لكن هذا السيناريو يحمل خطرا واضحا، فالهدوء من دون انسحاب سيخلق وضعا قلقا عبر حرب منخفضة الحدة، وجبهة قابلة للاشتعال عند كل خرق، ونجاحه مرتبط بوجود جدول زمني واضح للخطوات التالية، لا بمجرد إعلان وقف النار.

انسحاب إسرائيلي مرحلي

يقوم السيناريو الثاني على انسحاب تدريجي من مناطق محددة مقابل انتشار الجيش اللبناني وقوات مراقبة دولية، مع ترتيبات تمنع عودة حزب الله إلى المواقع الأمامية.

هذه الصيغة تتيح لكل طرف تقديم التراجع بوصفه مكسبا، فإسرائيل تقول إنها حصلت على ضمانات، ولبنان يعلن استعادة مناطق محتلة، أما إيران فتؤكد أن إدراج لبنان في الاتفاق أعطى نتيجة، وواشنطن تقدم نفسها كوسيط قادر على تحويل التفاهم الإقليمي إلى خطوات ميدانية.

سيحتاج هذا السيناريو إلى آلية تنفيذ دقيقة، تبدأ بتحديد خرائط المواقع الإسرائيلية، ثم تقسيم الجنوب إلى قطاعات، وبعدها نشر الجيش اللبناني في كل قطاع قبل الانسحاب الإسرائيلي منه، مع ضمانات تمويل وتسليح وتدريب.

العقبة الأساسية ستكون موقف حزب الله من أي صيغة تقيد وجوده العسكري جنوب الليطاني قبل اكتمال الانسحاب.

تثبيت منطقة عازلة

ينشأ هذا السيناريو إذا عجزت واشنطن عن فرض جدول انسحاب، وإذا تمسكت إسرائيل بمواقعها تحت عنوان منع عودة حزب الله.

في مثل هذا الظرف سيتحول الجنوب إلى منطقة أمنية طويلة الأمد، مع عمليات محدودة بين حين وآخر، ومنع فعلي لعودة كاملة للسكان، وتآكل مستمر لسلطة الدولة اللبنانية.

يمثل هذا الاحتمال أخطر النتائج على لبنان، فهو يحول الاتفاق الأمريكي–الإيراني من فرصة لإنهاء الحرب إلى غطاء لتجميدها، ويضع الحكومة اللبنانية أمام عجز عن إخراج إسرائيل، وضبط قرار الحرب والسلم داخليا.

انهيار التفاهم وعودة التصعيد

يرتبط السيناريو الرابع بفشل مرحلة الستين يوما، أو وقوع ضربة إسرائيلية كبيرة، أو تنفيذ حزب الله هجوما واسعا على مواقع إسرائيلية داخل الجنوب.

عندها سيعود كل طرف إلى تفسير الاتفاق وفق مصالحه، وستتهم إيران واشنطن بعدم إلزام إسرائيل، بينما ستقول إسرائيل إن حزب الله استغل التهدئة لإعادة الانتشار.

تداعيات هذا المسار ستكون واسعة، وجنوب لبنان سيدفع الكلفة المباشرة عبر موجات نزوح جديدة وتدمير إضافي، وإيران ستستخدم الفشل لتشديد شروطها في الملف النووي، وواشنطن ستجد نفسها أمام عودة أزمة الطاقة والتصعيد الإقليمي.

تعمل الأطراف حاليا على منع هذا السيناريو، حتى مع استمرار الخلاف على مضمون الاتفاق.

صفقة أمنية أوسع

يطرح السيناريو الخامس احتمال ربط جنوب لبنان بترتيب إقليمي أوسع يشمل الملف النووي الإيراني، والعقوبات ومضيق هرمز وأمن إسرائيل، ودور الدولة اللبنانية.

في هذه الحالة يصبح الانسحاب الإسرائيلي جزءا من حزمة متبادلة عبر تخفيف العقوبات على إيران، والتزام طهران بضبط الجبهات، وانتشار لبناني رسمي، وضمانات أمريكية لإسرائيل.

هذا السيناريو هو الأكثر تعقيدا والأقل سرعة، لكنه الأكثر قدرة على إنتاج استقرار نسبي إذا توفرت إرادة سياسية.

قوته تكمن في أنه لا يعالج الجنوب كجبهة منفصلة، بل كحلقة ضمن منظومة أمنية إقليمية، أما ضعفه فيكمن في أن أي خلل في ملف واحد، مثل النووي أو العقوبات أو سلاح حزب الله، سيعطل بقية الملفات.

يؤكد إدراج لبنان في الرواية الإيرانية للاتفاق أن جنوب لبنان أصبح اختبارا مبكرا لقدرة التفاهم الأمريكي–الإيراني على تغيير الوقائع الميدانية.

لكن يظل الفارق كبيرا بين وقف التصعيد والانسحاب، فإسرائيل تريد ضمانات قبل الخروج، وإيران تريد الانسحاب كدليل على نجاح الاتفاق، وحزب الله يرفض تحويل التهدئة إلى مسار لنزع قوته، بينما تبحث الدولة اللبنانية عن فرصة لاستعادة سيادتها من دون انفجار داخلي.

يرجح المسار القريب تهدئة تدريجية مع بقاء الخلاف حول المواقع الإسرائيلية، أما الانسحاب الكامل فيحتاج إلى ضغط أمريكي مباشر، وتفاهم لبناني داخلي، وآلية مراقبة قابلة للتنفيذ، وبهذه الشروط فقط يتحول الاتفاق من إدارة للأزمة إلى بداية لإنهاء الوجود الإسرائيلي في جنوب لبنان.

بقلم مازن بلال

السيسي يلتقي عراقجي ويدعو لوقف التصعيد لمنع اندلاع حرب إقليمية

اقرأ المزيد