يضم التكتل الجديد بلديات مصراتة، وزليتن، والخمس، وبني وليد، وترهونة، ومسلاتة، وتينيناي، والمردوم، وقصر الأخيار، ووفق الخطاب المعلن، تستهدف المبادرة تعزيز التنمية المحلية، ورفع كفاءة الخدمات، وتنسيق المشروعات، وبناء شراكة مؤسسية بين البلديات الواقعة ضمن نطاق جغرافي متقارب.

غير أن الجدل الذي أعقب الإعلان كشف سريعا أن القضية تتجاوز التعاون الخدمي، فاختيار تسمية “إقليم”، والإشارة إلى “حدود تاريخية”، وإعلان الخطوة في ظرف يتسم بانقسام سياسي مزمن، كلها عوامل دفعت قطاعا واسعا من الليبيين إلى قراءتها باعتبارها محاولة لإعادة تشكيل التوازنات الداخلية، وليس مجرد آلية إدارية لتحسين الخدمات.
توقيت يضاعف حساسية الخطوة
تزامن الإعلان مع اختتام الحوار السياسي الذي رعته بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، وناقش مسارات الحوكمة والأمن والاقتصاد والمصالحة الوطنية وحقوق الإنسان، وقدم توصيات تستهدف تهيئة الظروف للانتخابات الوطنية وتوحيد مؤسسات الدولة ومعالجة الأسباب طويلة الأمد للنزاع.
وشارك في العملية أكثر من 120 عضوا من مناطق ليبيا المختلفة، وجُمعت آراء أكثر من 10 آلاف شخص عبر استطلاعات وآليات مشاركة متعددة.

ضمن هذا السياق بدا إعلان إقليم جديد، خارج الأقاليم التاريخية الثلاثة، طرابلس وبرقة وفزان، كأنه يضيف سؤالا خلافيا جديدا إلى قائمة الأسئلة التي لم تُحسم بعد، فليبيا لا تعاني نقصا في الخرائط أو التسميات، بقدر ما تعاني غياب عقد سياسي مستقر يحدد بصورة واضحة شكل الدولة، ومستويات الحكم، وآليات توزيع الموارد، وحدود الصلاحيات بين المركز والمناطق.
لا يعني ذلك أن النقاش حول اللامركزية غير مشروع، فضعف الإدارة المحلية وتركز القرار والموارد في العاصمة أحد أبرز أسباب الاحتقان المتراكم منذ سنوات، لكن معالجة هذا الخلل تتطلب مسارا وطنيا واضحا، لا مبادرات متفرقة تُفهم باعتبارها إعادة تموضع سياسي أو محاولة لفرض حقائق جديدة قبل التسوية الشاملة.
احتجاجات تكشف أزمة التمثيل
واجه الإعلان اعتراضات حادة داخل بعض البلديات المشاركة نفسها، ففي بني وليد، أُغلق مقر المجلس البلدي احتجاجا على إدراج المدينة ضمن الإقليم، ورفضت مكونات اجتماعية بارزة الخطوة باعتبارها محاولة لفرض انتماء إداري جديد من دون تشاور كاف.
تكرر المشهد في ترهونة، حيث أقدم محتجون على إغلاق مقر البلدية تعبيرا عن رفضهم القرار، كما ظهرت أصوات معارضة داخل مصراتة، رغم أن المدينة تبدو مركز الثقل الاقتصادي والسياسي للمبادرة.
هذه الاعتراضات لا يمكن اختزالها في رفض عاطفي للتغيير، فهي تطرح سؤالا جوهريا، فمن يملك حق اتخاذ قرار بهذا الحجم؟ وهل تكفي موافقة عمداء البلديات لإعادة تعريف هوية منطقة جغرافية متعددة الحساسيات الاجتماعية والتاريخية؟
التعاون بين البلديات في ملفات الخدمات والبنية التحتية أمر مفهوم ومطلوب، لكن الانتقال من التعاون المرن إلى إعلان “إقليم” يستدعي توافقا اجتماعيا أوسع، خصوصا عندما تُستخدم مفردات توحي بحدود وهوية وكيان إداري جامع.

في نفس الوقت فإن الدور القيادي لمصراتة يثير تحفظات لدى مدن تخشى الانتقال من مركزية وطنية مثقلة بالمشكلات إلى مركزية محلية جديدة، فمصراتة تمتلك وزنا اقتصاديا وعسكريا وسياسيا متزايدا منذ عام 2011، ولا يمكن فصل المبادرة عن موقع المدينة داخل معادلات النفوذ في غرب ليبيا، والمشكلة ليست في ثقل مصراتة، بل في غياب الضمانات التي تحول دون تحول التكامل التنموي إلى علاقة غير متوازنة بين مركز قوي وأطراف أقل قدرة على التأثير.
سؤال الشرعية القانونية
ينص قانون نظام الإدارة المحلية رقم 59 لسنة 2012 على أن البنية الإدارية في ليبيا تتكون من المحافظات والبلديات والمحلات، وعلى أن إنشاء المحافظات وتحديد نطاقها الجغرافي وتسميتها ودمجها وإلغاءها يتم بقانون، بينما تُنشأ البلديات بقرار من مجلس الوزراء بناء على اقتراح وزير الحكم المحلي.

يأخذ القانون في الاعتبار الظروف السكانية والاقتصادية والعمرانية والأمنية عند إنشاء الوحدات الإدارية.
قانونيا لا يكفي اجتماع عمداء البلديات لإنتاج إقليم جديد على خريطة الدولة، فالمبادرة، مهما اتسعت أهدافها المعلنة، لا تمنح التكتل المستحدث شخصية إدارية مستقلة، ولا تخوله ممارسة صلاحيات تنفيذية أو مالية خارج الأطر النافذة، فإعلان «إقليم الوسطى» يبقى عنوانا سياسيا لتنسيق محلي، لا كيانا رسميا قائما بذاته.
ويلحظ القانون وجود مجالس للتخطيط الإقليمي تُشكل بقرار من وزير الحكم المحلي بعد التشاور مع وزير التخطيط، وتختص بتنسيق الخطط التنموية وتحديد الأولويات.
أن التشريع الليبي يتيح مساحات للتنسيق الإقليمي، لكنه لا يترك مسألة تأسيس كيانات إدارية جديدة للاجتهاد المحلي المنفرد.
الأقاليم الثلاثة.. تاريخ لا يكفي لصناعة المستقبل
تأسست ليبيا عند الاستقلال عام 1951 في صورة دولة اتحادية تضم أقاليم طرابلس وبرقة وفزان، قبل إلغاء النظام الاتحادي عام 1963 والانتقال إلى دولة موحدة تعتمد المحافظات.
بعد عام 2011، عادت دعوات الفيدرالية إلى الواجهة، خصوصا في الشرق الليبي، حيث رأى أنصارها أنها وسيلة لمعالجة التهميش وتوزيع السلطة والثروة بصورة أكثر عدلا.
لكن العودة الآلية إلى الأقاليم الثلاثة ليست حلا سحريا، فليبيا تغيرت ديموغرافيا واقتصاديا واجتماعيا خلال العقود الماضية.
طرح قانونيون وسياسيون، بينهم أستاذ القانون الدولي رمضان بن زير، تقسيما إداريا أكثر مرونة يضم ستة أو سبعة أقاليم، بهدف الحد من المركزية والاستجابة للتحولات السكانية والاقتصادية، بدل إعادة إنتاج خرائط تعود إلى منتصف القرن العشرين.

المعضلة ليست في عدد الأقاليم فقط، بل في المنهج الذي يُعتمد لإنشائها، فالتقسيم الإداري يمكن أن يكون أداة لتحسين الخدمات وتحقيق التنمية المتوازنة، لكنه يتحول أيضا إلى بوابة لصراع جديد على الموارد والتمثيل والنفوذ إذا جرى خارج إطار دستوري وتوافقي.
سرت الغائبة وحدود “المنطقة الوسطى”
يزيد غياب مدينة سرت عن التكتل الجديد من تعقيد المشهد، فجغرافياً تحتل سرت موقعا محوريا في وسط ليبيا، وتمثل عقدة اتصال بين شرق البلاد وغربها وجنوبها.
يطرح استبعادها أو عدم مشاركتها تساؤلات حول المعايير التي حددت نطاق الإقليم، فهل هي معايير جغرافية وتنموية فعلا، أم أنها انعكاس لتحالفات محلية وتوازنات سياسية؟
يثير الحديث عن “الحدود التاريخية” للمنطقة الوسطى جدلا إضافيا، لأن المفهوم لم يحظ بالتوافق التاريخي نفسه الذي ارتبط بأقاليم طرابلس وبرقة وفزان، ويخشى معارضو المبادرة من أن تتحول تسمية مرنة وغير محسومة إلى أساس لمطالب سياسية وأمنية ومالية لاحقة.
اللامركزية لا تُبنى بالمفاجآت
تكشف أزمة “إقليم الوسطى” عن حاجة ليبيا إلى إعادة بناء نظام الإدارة المحلية على أسس أكثر عدلا وفعالية، فالمركزية المفرطة أضعفت البلديات، وعمقت الفجوات التنموية، وربطت الخدمات اليومية بصراعات السلطة في طرابلس.

لكن تفكيك المركزية لا ينبغي أن يجري عبر خطوات أحادية تزيد الانقسام أو تُشعر المدن بأنها أُلحقت بكيانات لم تخترها.
لا يختبر “إقليم الوسطى” قدرة البلديات على تنسيق خدماتها، بل هشاشة الدولة الليبية نفسها، فكل فراغ دستوري يفتح الباب أمام خريطة بديلة، وكل ضعف في المركز يغري بإنشاء مركز جديد.
بين الحاجة المشروعة إلى اللامركزية والخشية من تكريس كيانات الأمر الواقع، تبدو ليبيا مرة أخرى أمام سؤالها المزمن، فكيف يمكن إعادة توزيع السلطة من دون إعادة توزيع البلاد؟
بقلم: مازن بلال
ليبيا تشارك في الاجتماع التشاوري لوزراء الخارجية العرب في القاهرة
