واشنطن تعمل على إعادة ترتيب اتصالاتها مع إثيوبيا وإريتريا، عبر التركيز على محادثات حكومية مباشرة وتقليص دور جبهة تحرير تيغراي، بهدف احتواء التصعيد العسكري ومنع اتساع المواجهة الحدودية وسط تجدد القتال وتبادل الاتهامات بين البلدين.
وتزامنت هذه التحركات مع تصريحات وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو بشأن الجماعات المسلحة المتحالفة مع “جبهة تيغراي”، وإعلانه توسيع الاتصالات مع إريتريا، عقب مكالمة أجراها مع رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد، تناولت التوترات الحدودية وضرورة العودة إلى الحوار.
وقال مصدر دبلوماسي أمريكي في مكتب شؤون شرق إفريقيا بوزارة الخارجية، مطلع على الاتصالات مع أديس أبابا وأسمرة، إن المقاربة المطروحة تركز على الفصل بين معالجة النزاع العسكري بين الدولتين والملفات السياسية الداخلية في إثيوبيا، مع إعطاء الأولوية لإجراءات تحول دون استمرار العمليات العسكرية العابرة للحدود.
وتشمل الترتيبات قيد البحث تبادل التعهدات باحترام الحدود ووقف دعم الجماعات المسلحة، إلى جانب إنشاء قنوات اتصال لمعالجة الحوادث العسكرية، فيما تتواصل الجهود الدبلوماسية لاستطلاع مواقف الطرفين من آليات التحقق والضمانات اللازمة لتنفيذ أي تفاهمات محتملة.
وشهدت السياسة الأمريكية تحولاً ملحوظاً بعدما وصف روبيو، في 17 أكتوبر، “جبهة تحرير شعب تيغراي” وحلفاءها المسلحين بالانفصاليين، وانتقد الهجمات الأخيرة، مؤكداً تكثيف واشنطن اتصالاتها مع الحكومة الإريترية لتهيئة الظروف الملائمة للوساطة.
وجاءت هذه التصريحات بعدما أعربت وزارة الخارجية الأمريكية، مطلع الشهر الجاري، عن مخاوفها من امتداد التوترات بين إثيوبيا وإريتريا إلى المنطقة بأكملها، ودعت البلدين إلى احترام السيادة والعودة إلى التفاهمات المبرمة عام 2018.
وأوضح المصدر الدبلوماسي أن الاتصالات تستهدف تحديد المطالب الأمنية المباشرة لكل طرف، خصوصاً ما يتعلق بتحركات القوات قرب الحدود والاتهامات بتقديم الدعم إلى جماعات مسلحة، من دون ربط التفاهمات الثنائية مسبقاً بمصير القوى السياسية في إقليم تيغراي.
وتبحث المشاورات إمكانية الاستفادة من قنوات الاتصال الأمريكية القائمة مع أديس أبابا، وتوسيع التواصل مع أسمرة للحصول على تعهدات متبادلة، بالتوازي مع دراسة دور المؤسسات الإفريقية في التحقق من تنفيذ إجراءات خفض التصعيد.
وتزامنت هذه التحركات مع قرار واشنطن، في سبتمبر، عدم تجديد نظام العقوبات المرتبط بالحرب الإثيوبية السابقة، ما أتاح مجالاً أوسع لإعادة تنظيم العلاقات مع الحكومة الإثيوبية، رغم استمرار خضوع بعض التعاملات لموافقات قانونية منفصلة.
وتعقد المشهد بعد تجدد القتال في إقليم تيغراي خلال سبتمبر، وتشكيل “جبهة تحرير شعب تيغراي” تحالفاً مع جماعات مسلحة أخرى لمواجهة الحكومة الاتحادية، ما أعاد المنطقة إلى دائرة العمليات العسكرية بعد سنوات من اتفاق بريتوريا للسلام، الموقع عام 2022.
وفي 16 أكتوبر، أعلن آبي أحمد تشكيل إدارة انتقالية جديدة للإقليم والتحضير لإجراء انتخابات محلية خلال ستة أشهر، بعد استعادة القوات الحكومية السيطرة على مناطق رئيسية، بينها مدينة ميكيلي.
ويرى الباحث المتخصص في الشؤون الأفريقية آمادو آن أن التحول في الموقف الأمريكي يمنح أديس أبابا نفوذاً أكبر في الترتيبات الدبلوماسية، خصوصاً مع تراجع قدرة جبهة تيغراي على المشاركة في المحادثات المتعلقة بالعلاقات الإثيوبية الإريترية.
وقال آن إن تقليص الدور السياسي للجبهة قد يسهل إجراء اتصالات حكومية مباشرة، لكنه ينطوي على مخاطر تتصل بإقصاء أطراف محلية مؤثرة في استقرار المناطق الحدودية، ولا سيما إذا خلت التفاهمات المقبلة من ضمانات لحماية السكان.
وأضاف أن أي اتفاق بين أديس أبابا وأسمرة سيتطلب معالجة ملف الجماعات المسلحة المنتشرة قرب الحدود، وتحديد مسؤوليات الطرفين في منع الهجمات، مع الحفاظ على مسار سياسي مستقل لمعالجة مطالب سكان تيغراي وأوضاع النازحين.
وتصاعد الخلاف بين إثيوبيا وإريتريا على خلفية اتهامات إثيوبية لأسمرة بإرسال قوات إلى الأراضي الإثيوبية ودعم جماعات متمردة، في حين اتهمت إريتريا الحكومة الإثيوبية بالاستعداد لشن حرب بهدف الوصول إلى البحر الأحمر.
ووجّه البلدان رسائل متعارضة إلى مجلس الأمن الدولي، الذي عقد بدوره مشاورات مغلقة بشأن التصعيد، وسط تحذيرات من احتمال تجدد حرب إقليمية واسعة.
وقال المصدر الأمريكي إن اتصالات خفض التصعيد تتناول أيضاً ضرورة الفصل بين أمن الحدود والخلاف بشأن وصول إثيوبيا إلى الموانئ، موضحاً أن معالجة القضايا التجارية والسيادية تتطلب مفاوضات مستقلة وضمانات تحترم الحدود الدولية.
ومن جانبه، أشار آمادو آن إلى أن التوتر بشأن البحر الأحمر يزيد تعقيد فرص التوصل إلى تفاهم عسكري، بعدما تحولت المطالب الإثيوبية المتعلقة بالوصول البحري إلى مصدر قلق مباشر لإريتريا.
وأضاف أن نجاح الوساطة الأمريكية سيعتمد على قدرة الطرفين على وقف التحركات العسكرية والالتزام بعدم دعم الجماعات المسلحة، بالتوازي مع استمرار الدور الأفريقي في معالجة الأزمة الداخلية الإثيوبية.
وتظل الخطوات المقبلة مرهونة بنتائج الاتصالات الأمريكية مع الحكومتين الإثيوبية والإريترية، ومدى استعدادهما لتقديم التزامات أمنية قابلة للتحقق، وفي المقابل، يثير تقليص دور جبهة تيغراي تساؤلات بشأن فرص تحقيق استقرار مستدام، في ظل استمرار الانقسامات السياسية والتحديات الإنسانية في شمال إثيوبيا.
جلسة استثنائية للاتحاد الإفريقي في أديس أبابا
