خرجت الجبهة اللبنانية من كونها ملفاً عسكرياً محصوراً بين إسرائيل وحزب الله، خلال الأسابيع الأخيرة، وتحولت المساحة الممتدة من مضيق هرمز إلى جنوب الليطاني إلى خريطة تفاوض واحدة.
في طرف هذه المعادلة من الجانب الشرقي ممر بحري يتحكم بجزء حاسم من تجارة الطاقة العالمية، وفي طرفها الغربي شريط حدودي تحاول إسرائيل تحويله إلى منطقة أمنية، بينما تسعى واشنطن وطهران إلى اختبار اتفاق مؤقت يربط وقف إطلاق النار بالملاحة والعقوبات والملف النووي.
التوازن الجديد لا يقوم على فصل الملفات، بل على جمعها داخل سلة واحدة، فإيران تستخدم هرمز كورقة ضغط على الاقتصاد العالمي والوجود الأميركي البحري، والولايات المتحدة تستخدم العقوبات والنفط والتهديد العسكري للضغط على طهران.

أما إسرائيل فتتعامل مع الجنوب اللبناني كعمق أمني لحماية الجليل، وحزب الله يقاتل للدفاع عن حق وطني ولإثبات أن أي تسوية إقليمية تمر عبره، بينما الحكومة اللبنانية تجد نفسها في مساحة اختبار لإرادات خارجية تفوق قدرة الدولة على التحكم بإيقاعها.
هرمز كمساحة ضغط لا كمعبر بحري فقط
مضيق هرمز ليس خطاً مائياً محايداً في هذه الأزمة، فهو نقطة اختناق جيوسياسية، حيث تتحول الجغرافيا الضيقة إلى أداة تفاوض عالمية.
عندما تربط طهران إعادة فتح المضيق باحترام وقف إطلاق النار في لبنان وبإصدار إعفاءات نفطية، فهي لا تتحدث عن الملاحة فقط، بل عن حقها في مقايضة الأمن البحري بالأمن السياسي والاقتصادي.

تصريحات ترامب عن احتمال فرض رسوم عبور، أو تحويل الولايات المتحدة إلى “ملاك حارس” للمضيق، أو أخذ حصة من النفط المار عبره، تكشف منطقاً أميركياً مختلفاً، فإذا كانت واشنطن تحمي الممر، فهي تريد تحويل الحماية إلى عائد سياسي واقتصادي، وهذه اللغة لا تعني وجود قرار نهائي بالسيطرة على هرمز، لكنها ترفع سقف الضغط على إيران، وتضع المضيق داخل منطق الصفقة لا داخل القانون البحري وحده.

الأخطر أن ترامب ربط إغلاق هرمز ببقاء الدولة الإيرانية نفسها، فأصبح المضيق أكثر من ورقة ضغط، وتحول إلى خط أحمر أميركي، فأي محاولة إيرانية لشل حركة الطاقة عبره ستقرأ في واشنطن كاستهداف مباشر للنظام الاقتصادي الذي تحميه القوة الأميركية في الخليج.
الجنوب اللبناني كمنطقة اختبار للاتفاق
في لبنان لا يدور الصراع لوقف النار فقط، بل حول معنى السيطرة على الأرض، إسرائيل تريد شريطاً أمنياً داخل الجنوب، يمتد وفق التصريحات الإسرائيلية الأخيرة إلى نحو عشرة كيلومترات، وهذا الشريط يمنحها عمقاً عملياتياً، ويبعد تهديد الصواريخ والكمائن عن المستوطنات الشمالية، لكنه في المقابل يبقي الاحتلال قائماً داخل الأراضي اللبنانية، ويجعل حزب الله مصراً على التمسك بالسلاح ما لم تنسحب اسرائيل وما لم تبنى استراتيجية دفاعية شاملة للدولة اللبنانية للدفاع عن اللبنانيين أينما كانوا في الشمال أو الجنوب.

الولايات المتحدة تحاول بناء صيغة وسط ما بين وقف إطلاق نار، وانتشار أوسع للجيش اللبناني جنوب الليطاني، وتقليص وجود حزب الله في المنطقة الحدودية، ومنع إسرائيل من توسيع عملياتها التدميرية.
المشكلة أن هذه الصيغة تصطدم بغياب الطرفين الأساسيين عن الاتفاق الأميركي–الإيراني المباشر، فإسرائيل وحزب الله ليسا طرفين في مذكرة واشنطن وطهران، وبهذه الصورة يصبح تنفيذ الاتفاق مرهوناً بضغط غير مباشر، فواشنطن تضغط على تل أبيب، وطهران تضغط على حزب الله، وبيروت مطالبة بتحمل نتائج لا تملك أدواتها كاملة.
ترامب بين الضغط على إيران وضبط إسرائيل
تصريحات ترامب تكشف ازدواجية محسوبة، فيهدد إيران بضربات أقسى إذا لم توقف “وكلاءها” في لبنان، ثم ينتقد إسرائيل لأنها لا تستطيع، وفق تعبيره، تنفيذ عملياتها من دون هدم أبنية في لبنان.
هذا الموقف ليس تحولاً أميركياً ضد إسرائيل، بل محاولة لضبط فائض القوة الإسرائيلي كي لا ينسف مسار التفاوض مع إيران.

عملياً واشنطن تريد هدوءاً كافياً يسمح بمتابعة المحادثات، واستمرار الضربات الإسرائيلية الواسعة يضع إيران تحت ضغط داخلي وإقليمي، ويدفعها إلى استخدام هرمز ولبنان كورقتي تعطيل، وفي المقابل، أي هجوم واسع لحزب الله يمنح إسرائيل ذريعة للبقاء داخل الجنوب، ويمنح ترامب سبباً لتصعيد مباشر ضد إيران، فتتحول كل طلقة في جنوب لبنان إلى رسالة في مفاوضات أكبر من لبنان.
اللافت أن ترامب خفف أهمية غزة في هذا السياق، معتبراً أن التركيز يجب أن ينصب على الاتفاق مع إيران، وهذا لا يلغي غزة كملف سياسي وأمني، لكنه يوضح ترتيب الأولويات الأميركية في هذه اللحظة من النووي الإيراني وبعدها هرمز ولبنان، ثم بقية الجبهات، فأصبح الجنوب اللبناني الجبهة التي تختبر صدقية الصفقة وليس التي تستنزفها فقط.
سوريا كورقة جديدة في هندسة الحدود
الأكثر حساسية في تصريحات ترامب هو حديثه عن دور محتمل لسوريا في ملف حزب الله، فالطرح يوضح أن واشنطن تبحث عن قوة إقليمية بديلة تساعد على تطويق نفوذ حزب الله من الشرق، لا من الجنوب فقط.
إذا كان الضغط الإسرائيلي يأتي من الحدود الجنوبية، فإن الضغط السوري المحتمل يأتي من خاصرة البقاع والحدود الشرقية، وهذه النقطة تمس البنية الجغرافية لقوة حزب الله من خطوط الإمداد إلى العمق الخلفي والمجال اللبناني–السوري، والعلاقة مع إيران.

إدخال دمشق في الحديث لا يستهدف الجنوب وحده، بل يستهدف شبكة الحركة التي تربط الحزب بسوريا والعراق وإيران.
لكن هذا الطرح يحمل مخاطر كبيرة، فأي دور سوري مباشر ضد حزب الله يفتح حساسيات مذهبية ولبنانية وسورية، ويضع سلطة دمشق أمام اختبار داخلي صعب وهي ما تزال في مرحلة تأسيس قوتها، كما أن تحويل سوريا إلى مقاول أمني في ملف لبناني سيقلب الأوراق ويدخل المنطقة في حالة فوضى لا مثيل لها .
لبنان بين الدولة والممرات المسلحة
في قلب الأزمة سؤال لبناني قديم؛ من يملك قرار الحرب والسلم في الجنوب؟ الاتفاقات الخارجية تستطيع خفض النار، لكنها لا تحل هذا السؤال.
الجيش اللبناني مطلوب منه الانتشار جنوب الليطاني، لكن انتشاره لا يساوي تلقائياً امتلاك القرار الأمني، فالدولة تحتاج إلى غطاء داخلي، وضمانات تمنعها من الظهور كأداة لتنفيذ شروط إسرائيلية أو أميركية.
حزب الله بدوره يواجه معضلة، فإذا التزم بوقف النار من دون انسحاب إسرائيلي، سيتعرض لضغط داخل بيئته وجمهوره، وفي حال استمرار المقاومة سيمنح واشنطن وتل أبيب مبرراً لتثبيت المنطقة الأمنية وتوسيع الضغط على إيران.
الحزب لم يعد يتحرك داخل حدود لبنانية فقط، بل داخل ميزان تفاوضي تقوده طهران مع واشنطن، وهذا يحد من هامش قراره، حتى وهو يظهر كفاعل ميداني مستقل.
المنطقة الأمنية كخريطة دائمة مؤقتة
إصرار إسرائيل على البقاء داخل منطقة أمنية جنوب لبنان يمثل جوهر الخلاف، فكلمة “مؤقت” في مثل هذه الحالات تتحول غالباً إلى وضع طويل إذا لم تربط بجدول زمني وآلية رقابة.
إسرائيل تريد ضماناً جغرافياً، ولبنان يريد انسحابا ًكاملاً، حزب الله يريد الاحتفاظ بحقه في المقاومة، أما واشنطن فتريد تهدئة قابلة للتسويق، بينما إيران تريد وقفاً يمنحها مكاسب في هرمز والعقوبات والنووي.

هذه المصالح لا تتطابق، لكنها تتقاطع عند نقطة واحدة، فلا أحد يريد حرباً شاملة الآن وسيستمر البحث عن صيغة رمادية عبر وقف نار غير مكتمل، وانتشار لبناني تدريجي، وبقاء إسرائيلي جزئي، ضبط لحزب الله، ومفاوضات أميركية–إيرانية تحت تهديد هرمز.
لم يعد الجنوب اللبناني هامشاً في الصراع الأميركي–الإيراني، بل مختبراً لمدى قابلية الاتفاق للتحول إلى واقع ميداني، ففي هذه الخريطة، يتحرك مضيق هرمز كورقة ضغط استراتيجية بيد طهران، بينما يتحول جنوب الليطاني إلى مساحة اختبار لحدود نفوذ حزب الله، وحجم قدرة إسرائيل على فرض شريط أمني، ومدى استعداد واشنطن لاستخدام العقوبات والتهديد العسكري لضبط الإيقاع.
وسط هذا التعقيد تتشكل معادلة لا تفصل أمن الممرات البحرية عن الجبهات البرية، ولا ملف النفط عن الصواريخ، ولا الحدود اللبنانية عن المفاوضات النووية.
ما يظهر في هذه اللحظة إدارة صراع بوسائل تفاوضية، فإذا صمد وقف النار في الجنوب، ستتقدم محادثات إيران، وفي حال انهياره سيعود هرمز إلى الواجهة، وستتحول لبنان مرة أخرى إلى المساحة التي يدفع فيها السكان ثمن خرائط ترسمها قوى أكبر من دولتهم.
بقلم: نضال الخضري
ماكرون يزور العريش لمتابعة عملية “الدعم الإنساني” لسكان غزة
