05 سبتمبر 2026

قبل سنوات كان من الصعب تصور وصول الخلاف بين واشنطن وأوتاوا إلى مسألة ضم كندا إلى الولايات المتحدة، أو أن تجد الدنمارك نفسها مضطرة للدفاع عن سيادتها على غرينلاند في مواجهة رئيس أمريكي يريد الجزيرة تحت سيطرته.

تقع كندا في قلب النظام الذي بنته الولايات المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية؛ فهي عضو مؤسس في حلف شمال الأطلسي وشريك واشنطن في قيادة الدفاع الجوي لأميركا الشمالية عبر “نوراد”، أما الدنمارك فمن أقدم أعضاء الحلف، وتستضيف غرينلاند منذ عقود واحدة من أهم المنشآت العسكرية الأميركية في القطب الشمالي.

مع عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، لم يعد الضغط على الحلفاء محصورا بمطالبتهم بزيادة الإنفاق الدفاعي، فانتقل إلى الرسوم الجمركية، وإعادة النظر في الاتفاقات التجارية، والضغط على ملفات السيادة، وصولا إلى الحديث عن أراضٍ تابعة لحلفاء كأنها جزء من تفاوض مفتوح على النفوذ، وكندا وغرينلاند تقدمان أوضح صورتين لهذا التحول.

كندا.. الخلاف أكبر من الفنتانيل

بدأت الأزمة مع كندا مطلع 2025 من ملف الحدود والمخدرات، ففرضت الإدارة الأميركية رسوما إضافية تبلغ 25% على معظم الواردات الكندية، مع نسبة أقل على قطاع الطاقة، وربط البيت الأبيض القرار بتدفق مخدر الفنتانيل والهجرة غير النظامية عبر الحدود الشمالية.

ردت كندا بتخصيص أكثر من مليار دولار كندي لتعزيز المراقبة، واستخدام طائرات مسيرة ومروحيات، وتعيين مسؤول خاص بملف الفنتانيل، وتوسيع التعاون الأمني مع الولايات المتحدة، لكن التوتر لم يتوقف.

وأظهرت بيانات أميركية وكندية أن الكميات المضبوطة من الفنتانيل على الحدود الكندية تشكل نسبة ضئيلة جدا من إجمالي ما تصادره السلطات الأمريكية، ما يجعل من الصعب تفسير حجم الحرب التجارية بمكافحة المخدرات وحدها.

بعد أسابيع انتقلت المواجهة إلى السيارات، ثم الصلب والألمنيوم، وبعدها إلى الألبان والمشروبات الكحولية وقواعد دخول المنتجات الأمريكية إلى السوق الكندية.

في مارس 2025 فرضت واشنطن رسوما بنسبة 25% على السيارات المستوردة، وهو قرار أصاب قطاعا كنديا شديد الارتباط بالولايات المتحدة، حيث تعبر مكونات السيارة الواحدة الحدود بين البلدين مرات عدة خلال مراحل التصنيع قبل وصولها إلى خط التجميع النهائي.

بعدها جاءت رسوم الصلب والألمنيوم التي رفعتها واشنطن لاحقا إلى 50%، وفي 2026 صعد ترامب أكثر، وبدأ يشكك في استمرار USMCA ، اتفاق التجارة الحرة بين الولايات المتحدة والمكسيك وكندا، رغم أنه من أبرز إنجازاته في ولايته الأولى.

في يوليو 2026 فرضت واشنطن رسوما إضافية على مجموعة من السلع الكندية، ثم انهارت جولة تفاوضية جديدة في أغسطس، وردت أوتاوا برسوم انتقامية على واردات أميركية بمليارات الدولارات.

وأصبح واضحا أن القضية تجاوزت الفنتانيل إلى محاولة إعادة صياغة العلاقة الاقتصادية بين البلدين.

من الرسوم إلى السيادة

أضاف ترامب إلى الضغط التجاري عنصرا أكثر حساسية عبر تكراره الحديث عن كندا باعتبارها “الولاية الحادية والخمسين”.

وعندما زار رئيس الوزراء مارك كارني البيت الأبيض في مايو 2025، قال بوضوح إن كندا “ليست للبيع”، لكن ترامب لم يغلق الموضوع ، ففي أغسطس 2026 أمر باستخدام اسم “بحيرة أميركا” بدلا من بحيرة أونتاريو في الاستخدام الفيدرالي داخل الولايات المتحدة، والقرار رمزي ولا يغير الحدود أو الاسم الكندي، لكنه جاء في وقت أصبح فيه خطاب الضم جزءا من الأزمة السياسية.

عمليا تغير معنى الخلاف، فبالنسبة إلى الكنديين لم تعد المسألة مقدار الرسم على سيارة أو طن من الصلب، بل كيفية تعامل واشنطن مع سيادة دولة حليفة.

أوراق القوة الأمريكية في الضغط على كندا

ارتبط الاقتصاد الكندي بالسوق الأميركية خلال عقود عبر شبكة واسعة من التجارة وسلاسل الإنتاج والبنية التحتية، ما يجعل إيجاد بدائل سريعة لهذا الارتباط أمرا بالغ الصعوبة.

منح هذا التكامل كندا ازدهارا وأعطى واشنطن أداة ضغط هائلة، بالنسبة إلى شركة كندية تصنع قرب الحدود الأميركية، لا يمثل الانتقال إلى سوق أوروبية أو آسيوية مجرد تغيير مشترٍ، بل تحول في شبكة لوجستية وصناعية كاملة.

من هذه الزاوية تتجاوز المطالب الأميركية ملف المخدرات، فواشنطن تريد جذب مزيد من الصناعة إلى الداخل، وتقليص الحماية الكندية لبعض القطاعات، وفرض شروط أفضل على التجارة القارية، الرسالة التي تصل إلى أوتاوا واضحة، فالاعتماد على السوق الأميركية يمكن تحويله من ميزة إلى نقطة ضعف.

غرينلاند.. الأرض هذه المرة

قصة غرينلاند مختلفة وتتعلق بالأرض، فالاهتمام الأميركي بالجزيرة يعود لما بعد الحرب العالمية الثانية، عندما ناقشت واشنطن شراء غرينلاند من الدنمارك، بسبب موقعها الاستراتيجي بين أميركا الشمالية وأوروبا والقطب الشمالي.

على الجزيرة تقع قاعدة بيتوفيك الفضائية الأميركية، التي تؤدي دورا أساسيا في الإنذار المبكر من الصواريخ ومراقبة الفضاء، فالولايات المتحدة موجودة عسكريا، ويثير إصرار ترامب على “السيطرة” إشارة استفهام أساسية، فإذا كانت واشنطن تستطيع توسيع وجودها العسكري باتفاق مع الدنمارك وغرينلاند، فلماذا تحتاج إلى امتلاك الجزيرة نفسها؟

الاحتمال الأكبر يتجاوز القاعدة العسكرية إلى الموقع والموارد والنفوذ طويل الأمد، ففي يناير2025 قال ترامب إن الولايات المتحدة تحتاج غرينلاند لأسباب أمنية، ولم يستبعد حينها استخدام القوة الاقتصادية أو العسكرية للحصول عليها.

أما داخل الكونغرس فظهرت مشاريع تسمح للرئيس بالتفاوض على شراء الجزيرة، لكنها بقيت مشروعات سياسية ولم تتحول إلى قوانين، وأظهرت أن الفكرة لم تعد مجرد تصريح عابر.

في مارس، زار نائب الرئيس جيه دي فانس قاعدة بيتوفيك وانتقد طريقة إدارة الدنمارك لأمن غرينلاند، ولاحقا استدعت كوبنهاغن دبلوماسيا أميركيا عقب تقارير عن تأثير نشاطات أميركية غير رسمية داخل الجزيرة، بينما نفت واشنطن إدارة مثل هذه العمليات، ولم تظهر أدلة علنية تثبت وجود برنامج حكومي منظم.

وفي ديسمبر، عين ترامب مبعوثا خاصا إلى غرينلاند، ما أثار غضب الدنمارك، وبلغ التصعيد ذروته في يناير 2026، عندما هدد ترامب بفرض رسوم على ثماني دول أوروبية إذا لم يتحقق تقدم يسمح للولايات المتحدة بالحصول على الجزيرة.

وتراجع ترامب لاحقا عن التهديد، واستبعد استخدام القوة العسكرية، لكن مطلب السيطرة لم يختفِ، وفي يوليو 2026 عاد للقول إن غرينلاند ينبغي أن تكون تحت السيطرة الأمريكية، فيما استمرت المحادثات السياسية حتى سبتمبر.

أسباب الأهمية الاستراتيجية لغرينلاند

تحتل غرينلاند موقعا محوريا في سباق النفوذ المتصاعد على القطب الشمالي، حيث تتقاطع المصالح العسكرية والتجارية وصراع الموارد بين الولايات المتحدة وروسيا والصين.

توسع روسيا حضورها وتسعى الصين إلى نفوذ اقتصادي واستراتيجي، بينما يجعل ذوبان الجليد بعض طرق الملاحة أكثر قابلية للاستخدام مستقبلا، والجزيرة غنية أيضا بمعادن حرجة وعناصر أرضية نادرة تدخل في الصناعات التكنولوجية والعسكرية، فتجمع غرينلاند بين ثلاثة عناصر من الموقع العسكري، والموارد، وقربها من خطوط المنافسة مع روسيا والصين.

لكن الجزيرة ليست عقارا معروضا للبيع، وقانون الحكم الذاتي يمنح سكان غرينلاند حق تقرير المصير، ولا تستطيع الدنمارك بيع الجزيرة وكأنها أصل حكومي، كما أن وجود تيار مؤيد للاستقلال عن الدنمارك لا يعني رغبة تلقائية في الانضمام إلى الولايات المتحدة، فرفض استمرار التبعية لكوبنهاغن لا يساوي قبول سيادة أمريكية.

الخيط المشترك بين كندا وغرينلاند

لا توجد وثيقة تثبت وجود مشروع أميركي موحد لإعادة رسم خريطة الشمال، لكن طريقة التفكير متشابهة.

في كندا تستخدم واشنطن حجم سوقها، وفي غرينلاند تستخدم ثقلها العسكري والسياسي والاقتصادي، وفي الحالتين تصبح علاقة التحالف جزءا من ميزان القوة، لا حاجزا أمام الضغط.

تعكس هذه المقاربة رؤية مختلفة للتحالفات، فتقاس قيمة الحليف بمدى ما يقدمه لواشنطن، وحجم اعتماده عليها، وقدرة الولايات المتحدة على تحويل هذا الاعتماد إلى مكاسب سياسية أو اقتصادية إضافية.

المفارقة أن القوة التي تسمح لأميركا بالضغط على حلفائها صنعتها التحالفات نفسها، فكندا بنت اقتصادها على افتراض استقرار العلاقة مع الولايات المتحدة، والدنمارك قبلت بوجود عسكري أمريكي حساس في غرينلاند انطلاقا من الثقة في التحالف، فإذا تراجع هذا الافتراض، يبدأ الحلفاء في البحث عن بدائل.

كندا تحاول تنويع أسواقها وتقليل الاعتماد على الولايات المتحدة، والدنمارك تزيد حضورها العسكري في غرينلاند، وأوروبا تراقب ما إذا كانت المظلة الأميركية ما زالت ضمانة أم أصبحت أيضا أداة ضغط.

ربما تحصل واشنطن عبر هذا الأسلوب على مصنع أو تنازل تجاري أو اتفاق أمني أفضل، لكن إذا ترسخت القناعة بأن أقرب الحلفاء يمكن أن يتحولوا إلى أهداف اقتصادية أو سياسية، تصبح النتيجة الأوسع عكس ما تريده الإدارة الأميركية، فيظهر حلفاء أكثر استقلالا، ويخف الاعتماد على واشنطن ما يضعف النفوذ الأميركي على المدى الطويل.

بقلم: مازن بلال

رئيس البرلمان الليبي للمبعوث الأمريكي: “الحل في حكومة موحدة”

اقرأ المزيد