01 أغسطس 2026

في اليوم الثاني من الاحتجاجات الواسعة في طرابلس، قطع عبد الحميد الدبيبة، رئيس حكومة الوحدة الوطنية منتهية الولاية، صمته بتعليمات عاجلة إلى وزارة الدفاع ورئاسة الأركان لـ”بسط السيطرة الكاملة” على مجمع مليتة وتأمينه وإعادة فتح خطوط الغاز.

لاحقا أعلنت حكومته نجاح القوات في تأمين المنشأة واستئناف الضخ، بينما جاءت رواية المحتجين مختلفة، فالإغلاق اقتصر على خط الغاز المتجه إلى إيطاليا، ونفذ بالتنسيق مع مهندسي المجمع، بينما بقيت الوحدات المرتبطة بإمدادات الكهرباء خارج الاستهداف.

بعد ساعات، أفاد مصدر مسؤول في مليتة بأن التواصل مع المحتجين انتهى إلى موافقتهم، بناء على طلب المؤسسة الوطنية للنفط، على الخروج مراعاة للمصلحة العامة.

ووسط الفجوة بين الروايتين يظهر خلاف يتجاوز فتح “الصمام” أو إغلاقه، فلماذا ظهر الدبيبة حين بلغ الاحتجاج عقدة طاقة تربط ليبيا بإيطاليا، بعدما غاب أمام مدينة تحتج على العتمة والماء والأسعار؟ وهل استعادت قواته المنشأة، أم دخلتها بعد انسحاب طوعي ثم قدمت النتيجة بوصفها انتصاراً أمنياً؟

احتجاجات خرجت من العتمة لا من النفط

بدأت الأزمة من حياة الليبيين اليومية، مع تزامن موجة حر قاربت 47 درجة وانقطاعات كهرباء بلغت عشر ساعات يومياً وتجاوزت 14 ساعة في بعض الأحياء، بعد تحسن ملحوظ للقطاع بين عامي 2023 و2025.

وأضاف المحتجون انقطاع المياه، وضعف المنظومة الصحية، وارتفاع الأسعار والتضخم، ونقص الوقود والسيولة، وتحولت الحركة إلى عصيان مدني أغلق مقار وزارات الخارجية والشباب والنفط والغاز، وشركة الزويتينة، ومقار مصرفية وبريدية، ومرفق الإسكان في تاجوراء، مع دعوات لإغلاق المصرف المركزي وشركات نفطية أخرى.

يحمل التسلسل دلالة سياسية ثقيلة، حيث عاش المواطنون الأزمة في البيوت والمستشفيات قبل وصولها إلى مليتة، بينما ارتبط أول تدخل علني للدبيبة بالمنشأة، وجاء بلغة السيادة والأمن القومي والحسم، بدل المساءلة وخطة إصلاح الخدمات، وأصبح التوقيت جزءا من الموقف، لأن سرعة الاستجابة تكشف الأولويات مثلما يكشفها مضمون التصريح.

مليتة.. عقد أوروبي داخل أزمة ليبية

يقع مجمع مليتة على الساحل الغربي، وعلى مسافة تتراوح بين 100 و120 كيلومترا من طرابلس، ونحو 22 كيلومتراً شرقي زوارة، ويمتد على 355 هكتاراً.

تبلغ طاقته نحو 695 مليون قدم مكعبة من الغاز يومياً، مع معالجة 76,300 برميل من النفط والمكثفات والغاز المسال، وتديره شركة مشتركة بين المؤسسة الوطنية للنفط و”إيني” الإيطالية، ويستقبل إنتاج الوفاء وبحر السلام، ويتصل تشغيليا بالفيل ومنصة صبراتة.

تمنح الجغرافيا المجمع وظيفتين؛ فيغذي الكهرباء المحلية ويوفر غاز الطهي، وهو نقطة انطلاق “غرين ستريم”، خط التصدير البحري الممتد 520 كيلومتراً إلى جيلا في صقلية، والواضح ان المحتجين اختاروا مكاناً تلتقي عنده معيشة الليبيين بإيرادات الدولة والتزام تعاقدي مع شريك أوروبي.

روايتان لحدث واحد

بيّن الحراك إن الإغلاق طال خط التصدير وحده، وأن المهندسين أشرفوا عليه لحماية الإمدادات المحلية، واتهم الحكومة بتحميل المعتصمين مسؤولية تهديد الشبكة، محذراً من أن المساس بهم سيقابل باستهداف خط الغاز الممتد من جبل نفوسة،عمليا تحاول الرواية الفصل بين الضغط عبر العقد الخارجي ومعاقبة السكان، لكنها تحمل تهديداً بتوسيع الضرر إذا وقع صدام.

المؤسسات الرسمية قدمت صورة أشد اتساعاً، فقالت الشركة العامة للكهرباء أن خطوط الغاز المغذية لمحطات التوليد أغلقت، وإن انخفاض الضغط هدد بانهيار الشبكة، وأعلنت المؤسسة الوطنية للنفط توقف حقل الفيل، الذي ينتج نحو 125 ألف برميل يومياً، وتأثر حقل الوفاء جزئيا، وحذرت من خسائر إنتاجية واحتمال إعلان “القوة القاهرة”، ما يعفي أطراف العقود من تبعات عدم الوفاء بالالتزامات.

غياب سجل مستقل للصمامات وأوامر الإيقاف وضغط الخطوط يمنع حسم الروايتين، وتبقى المشكلة في دمج الحكومة بين فعل المحتجين والتداعيات التشغيلية اللاحقة، ثم استخدام خطر الإظلام لبناء شرعية تدخلها.

استجابة أسرع للعقد من استغاثة المدينة

تستند الحكومة في تدخلها إلى الأهمية السيادية لمجمع مليتة، الذي يرتبط بجزء أساسي من دخل البلاد وبإمدادات الكهرباء وسلامة العاملين.

لكن هذه الأهمية لا تحسم الجهة التي عرضت المصالح المحلية للخطر، حيث أكد المحتجون أن تحركهم اقتصر على خط التصدير إلى إيطاليا وجرى بالتنسيق مع مهندسي المجمع، بما يبقي الإمدادات المحلية خارج الاستهداف.

بدا توسيع الحكومة نطاق الخطر ليشمل الكهرباء والإيرادات محاولة لدمج الضغط على عقد خارجي بتهديد حياة الليبيين، ثم استخدام هذا الدمج لتبرير تدخل أمني في مواجهة احتجاج بدأ أصلا بسبب عجزها عن تأمين تلك الخدمات.

وظهر الدبيبة مدافعاً عن “المرافق السيادية” عند بلوغ الاحتجاج شريان التصدير، بينما غابت استجابة موازية لشكاوى طرابلس وخريطة لمعالجة الكهرباء والمياه والسيولة، وتحولت المطالب في الخطاب الحكومي إلى غطاء محتمل لـ”زعزعة الاستقرار”، فيما صارت سلامة المنشأة أمراً عسكرياً عاجلا، وجعل سلوك الدبيبة العقد الخارجي أولوية لاستدعاء السلطة من معاناة العاصمة.

“انتصار” جاء بعد خروج المحتجين

أعلنت الحكومة أن قوات وزارة الدفاع ورئاسة الأركان “تمكنت” من تأمين المجمع، وربطت ذلك باستئناف ضخ الغاز وتعافي الشبكة.

أصدرت المؤسسة الوطنية للنفط لاحقاً بيان استئناف العمل قائلة إنها أذنت بإعادة الإنتاج بعد تأمين الحكومة للموقع وعودة العمل في الفيل والوفاء ومنصة صبراتة، وهذه الصياغة تثبت تأمين المنشأة بعد الانسحاب، ولا نؤكد أن القوة العسكرية هي التي أخرجت المحتجين.

تفيد رواية مسؤول المجمع بأن الاتصال بالمعتصمين سبق خروجهم وأنهم غادروا طوعاً، وتخلو المعطيات من اشتباك أو اقتحام مضاد أو اعتقالات تثبت “استعادة عسكرية” ويرجح أن تفاوضاً فنياً أو إدارياً أنهى الاعتصام، ثم دخلت القوات موقعاً خالياً، قبل أن تعيد الحكومة ترتيب الوقائع كي تبدو النتيجة ثمرة أمر الدبيبة.

سلطة تفاعلية وقيادة مجزأة

تكشف الحادثة حدود السيطرة قبل أن تثبت نجاحها، حيث استطاع المحتجون بلوغ منشأة استراتيجية وإيقاف جزء من عملها، بالتزامن مع إغلاق مؤسسات سيادية في طرابلس واستعراض قوة أمنية معارضة للدبيبة داخل مصراتة، وتستطيع حكومة الدبيبة تحريك قوات بعد الأزمة، لكنها لم تقدم دليلاً على قيادة موحدة منعت الاختراق أو فرضت الانسحاب.

يمنح تحويل خروج تفاوضي إلى “نجاح” للجيش صورة سيادة كاملة في لحظة تكشف فيها الأرض سيادة متقطعة، وتغدو السيطرة قدرة على امتلاك النتيجة إعلامياً أكثر منها تحكماً بالفاعلين الذين صنعوها.

ما كشفه صمام مليتة

حمل انتقال الاحتجاج إلى مليتة مخاطرة محسوبة، لكنه كشف أيضاً حرص المعتصمين على حصر الضغط في خط التصدير، عبر التنسيق مع مهندسي المجمع، ثم الانسحاب طوعاً تجنباً لتوسيع الضرر.

استثمرت الحكومة احتمال تأثر الإمدادات لتقديم التحرك بوصفه تهديداً شاملا ًلأمن الطاقة، متجاوزة الأسباب الخدمية التي دفعت الناس إلى الشارع، وبدت مليتة صورة لترتيب أولويات الدبيبة؛ فسبقت حماية المنشآت والعقود الاستجابة لمعاناة السكان، فيما عوضت حكومته محدودية سيطرتها الميدانية برواية إعلامية نسبت إليها حسماً لم تصنعه وحدها.

يبدأ نفي رواية الاحتجاج بنشر تسلسل زمني وبيانات تشغيلية تحدد ما أغلق فعلاً، ومن قرر وقف الحقول والوحدات، وكيف خرج المحتجون، وأي قوة دخلت ومتى.

بقاء هذه التفاصيل في الظل، يجعل الإنجاز المعلن أقرب إلى إدارة للصورة منه إلى استعادة للسيادة، وفي الدولة الفعلية، تقاس السيطرة بقدرة المؤسسة على حماية المنشأة، والاستماع إلى المدينة، وقول الحقيقة عن كليهما في الوقت نفسه.

بقلم نضال الخضري

بعد نزاع قضائي.. بلجيكا ترفع الحجز عن أموال ليبيا المجمدة

اقرأ المزيد