17 سبتمبر 2026

طرح معهد مونتين رؤية للرئيس الفرنسي المقبل لإدارة العلاقة مع الجزائر، تقوم على خفض التوتر ومراجعة ملف الهجرة مع إبقاء مجالات التعاون مفتوحة.

وجاءت الرؤية في مذكرة من 80 صفحة بعنوان “فرنسا-الجزائر: الخروج من العاطفة”، أعدها الدبلوماسي ميشال دوكلو وأوغستان موت، مساعد المديرة العامة للمعهد، وقدمت ثلاثة مسارات محتملة للعلاقات بين البلدين هي الاستمرارية والقطيعة و”نزع الحساسية”.

ويرجح التقرير المسار الثالث، القائم على تقليص الطابع السياسي والانفعالي للأزمات الثنائية وتحويل ملفات الخلاف إلى قضايا تدار فنياً، بحيث لا تتحول أزمة مرتبطة بتأشيرة أو ترحيل إلى مواجهة دبلوماسية واسعة.

وتستند الدراسة إلى خصوصية العلاقة بين باريس والجزائر بفعل الإرث الاستعماري وحرب الاستقلال والروابط البشرية الواسعة، إضافة إلى ملفات الهجرة والتجارة والطاقة والأمن.

وأشار التقرير إلى استطلاعات أظهرت امتلاك 71% من الفرنسيين نظرة سلبية تجاه الجزائر، فيما رأى 45% ممن شملتهم الاستطلاعات أنها تمثل تهديداً لفرنسا.

ويحتل ملف الهجرة موقعاً متقدماً في رؤية المعهد، خصوصاً اتفاق 27 ديسمبر 1968 الذي يمنح المواطنين الجزائريين نظاماً خاصاً في مسائل الإقامة والتنقل ولم الشمل العائلي مقارنة بالقواعد الفرنسية العامة المنظمة لشؤون الأجانب.

وبحسب الأرقام التي أوردها التقرير، امتلك الجزائريون نحو 650 ألف تصريح إقامة سارياً في فرنسا خلال 2024، بينما مُنحوا 29,346 تصريح إقامة أولياً خلال العام ذاته، مقابل 36,962 للمغاربة و22,499 للتونسيين.

وشكلت الأسباب العائلية 54.6% من تصاريح الإقامة الأولى الممنوحة للجزائريين، مقابل 9.4% لأسباب اقتصادية. ويرى المعهد أن مراجعة اتفاق 1968 قد تسمح لفرنسا بإعادة توجيه سياستها نحو الهجرة المهنية وتوسيع آليات مثل “جواز المواهب”.

ويتناول التقرير أيضاً الهجرة غير النظامية، مشيراً إلى أن الجزائريين شكلوا أكثر من ربع الأجانب الذين جرى توقيفهم في وضع غير نظامي خلال 2023، فيما ظل معدل تنفيذ قرارات مغادرة الأراضي الفرنسية باتجاه الجزائر، قبل الأزمة الدبلوماسية الأخيرة، في حدود 7%.

اقتصادياً، يرى المعهد أن الإمكانات المتاحة بين البلدين أكبر من مستوى العلاقات التجارية الحالي، إذ بلغ التبادل التجاري نحو 11 مليار يورو في 2024، بينما لا تزال المحروقات مكوناً رئيسياً للتجارة الثنائية.

وتمثل منتجات الطاقة أكثر من نصف المبادلات ونحو 90% من واردات فرنسا من الجزائر، فيما تستورد باريس من الجزائر قرابة 12% من احتياجاتها من الغاز الطبيعي و9% من النفط، وفق الأرقام الواردة في المذكرة.

وتشير الدراسة إلى أن نحو 500 شركة فرنسية تعمل في الجزائر، مقارنة بنحو ألفي شركة في كل من المغرب وتونس. كما قدرت الاستثمارات الفرنسية المباشرة في السوق الجزائرية بنحو 2.8 مليار يورو خلال 2023، مقابل 8.4 مليار يورو في المغرب.

وتحتفظ شركات فرنسية بحضور مهم في عدة قطاعات جزائرية، بينها الطاقة والصناعات الغذائية والصحة والكهرباء، وتوفر استثماراتها نحو 40 ألف وظيفة مباشرة. وتبرز “توتال إنرجيز” في قطاع المحروقات بإنتاج مشترك مع “سوناطراك” يقدر بنحو 60 ألف برميل يومياً.

وفي المقابل، رصد التقرير تراجعاً في بعض المصالح الفرنسية، مستشهداً بسوق القمح، حيث كانت فرنسا توفر ما بين 80 و90% من واردات الجزائر قبل 2019، قبل انخفاض حصتها لاحقاً إلى نحو 30% مع توسع الحضور الروسي.

كما أشار إلى خروج “ميشلان” من الجزائر في يناير 2025، مقابل استمرار شركات أخرى، بينها “سي إم إيه سي جي إم” و”سوسيتي جنرال”، الذي افتتح مقراً جديداً في الجزائر العاصمة خلال أبريل 2026 لاستيعاب أكثر من 900 موظف.

وبالتوازي مع انحسار بعض أشكال الحضور الفرنسي، وسعت الصين وتركيا وإيطاليا مواقعها في السوق الجزائرية. ووفق التقرير، بلغت الاستثمارات التركية أربعة مليارات يورو عبر أكثر من 800 شركة، فيما عززت إيطاليا موقعها خصوصاً في قطاع الطاقة.

ولفت التقرير كذلك إلى هشاشة الشركات الفرنسية الصغيرة والمتوسطة المرتبطة بالسوق الجزائرية، مشيراً إلى أن ثلث نحو خمسة آلاف شركة فرنسية مصدرة إلى الجزائر تحقق أكثر من ربع أعمالها في هذه السوق، فيما سجلت المذكرة نحو 600 حالة إفلاس خلال أزمة 2025.

ويربط المعهد محطة جديدة من التوتر الثنائي بموقف فرنسا من قضية الصحراء الغربية في يوليو 2024، بالتزامن مع زيارة الرئيس إيمانويل ماكرون إلى المغرب وتوقيع عقود بمليارات اليوروهات، وهو ما أضاف بعداً اقتصادياً إلى الخلاف السياسي بين باريس والجزائر.

وأمام هذه التشابكات، وضع التقرير ثلاثة سيناريوهات للمستقبل. يقوم الأول على مواصلة العلاقة بصيغتها الحالية مع محاولة تحسين الحوار السياسي، لكنه يحذر من إمكانية عودة الأزمات المرتبطة بالتأشيرات والترحيل والصحراء الغربية.

أما السيناريو الثاني فيتمثل في قطيعة قد تبدأ بخروج فرنسا أحادياً من اتفاق 1968، مع احتمال التفاوض لاحقاً حول إطار قانوني جديد. وحذر المعهد من أن التصعيد قد يدفع الجزائر إلى تقليص تعاونها الأمني وتشديد إجراءات إعادة مواطنيها واتخاذ خطوات اقتصادية ودبلوماسية مضادة.

ويقترح السيناريو الثالث، الذي أطلق عليه “نزع الحساسية”، تقليل الزيارات والاتصالات السياسية رفيعة المستوى، وإبعاد نشاط الشركات عن الدعم السياسي المباشر، والحفاظ على قنوات فنية للتعاون في الملفات ذات المصالح المشتركة.

وتشمل التوصيات أيضاً مراجعة بعض برامج المنح المخصصة للطلاب الجزائريين، وتقليص بعض أدوات الحضور الثقافي الفرنسي وإعادة النظر في اتفاق 1968 ضمن تعديل أوسع للإطار المنظم للهجرة والتنقل، دون الوصول إلى قطع شامل للعلاقات الاقتصادية والثقافية.

وأثارت هذه المقاربة انتقادات السفير الجزائري السابق عمار بلاني، الذي وصفها بأنها “سيناريو ماكر”، معتبراً أن مصطلح “نزع الحساسية” يقدم إجراءات متشددة تحت غطاء إدارة تقنية وهادئة للعلاقات.

وانتقد بلاني خصوصاً مقترحات الانسحاب من اتفاق 1968 وخفض الاتصالات الوزارية والمنح الدراسية والحضور الثقافي، كما رأى أن التقرير اعتمد بدرجة أكبر على وجهة النظر الفرنسية، بينما لم يحظ الموقف الجزائري بتمثيل مماثل في صياغة السيناريوهات.

وأثار كذلك مسألة ارتباط معهد مونتين بعدد من الشركات الكبرى، مشيراً إلى وجود مجموعات لها مصالح في الجزائر ضمن داعميه، ومنها “رونو” و”توتال إنرجيز”، وإلى الخبرة المهنية السابقة لأحد معدي التقرير داخل “سي إم إيه سي جي إم”.

وبينما يدعو المعهد إلى إخراج العلاقات من دائرة التوتر المتكرر، تكشف مقترحاته والانتقادات الجزائرية الموجهة إليها عن استمرار التباين بشأن الكيفية التي ينبغي أن تعيد بها باريس والجزائر تنظيم علاقاتهما السياسية والهجرة والاقتصاد.

الجزائر تطرح مناقصة دولية لشراء 600 ألف طن قمح

اقرأ المزيد