معركة “أنيفيس” الأخيرة في شمال مالي شكّلت أول اختبار حقيقي وميداني للقدرات القتالية الخاصة بالقوات المشتركة لتحالف دول الساحل.
وتعد هذه خطوة استراتيجية بالغة الأهمية تعكس انتقال التنسيق السياسي والأمني بين دول المنطقة من مجرد تفاهمات دبلماسية إلى إدارة عمليات عسكرية موحدة عابرة للحدود لمواجهة الجماعات المسلحة وتجفيف منابعها.
ويرى خبراء عسكريون ومتابعون للشأن الإفريقي أن هذه المواجهة مثلت المحك الرئيسي لقياس مدى فاعلية وتماسك هذه القوة العسكرية الناشئة، التي بات قوامها يناهز 15 ألف جندي يخضعون لقيادة عسكرية موحدة يسند زمام عملياتها الميدانية لضابط مالي رفيع المستوى، بينما تدار تحركاتها اللوجستية وعملياتها الاستخباراتية من خلال غرفة عمليات مشتركة تتخذ من العاصمة النيجرية نيامي مقراً لها.
وفي هذا السياق، أكد المتخصص في شؤون منطقة الساحل الإفريقي، عمر سيدي محمد كاليكا، أن معركة أنيفيس كانت اختباراً بالرشد العسكري لمدى جاهزية القوات المشتركة التابعة للكونفدرالية وقدرتها الميدانية على صد وتفكيك الهجمات المنظمة.
وأوضح كاليكا أن أهمية هذه المعركة تكمن في كونها الأولى من نوعها التي تُختبر فيها فاعلية القوة المشتركة في عمق أراضي إحدى الدول الأعضاء، بعدما اقتصرت العمليات السابقة على المناطق الحدودية الضيقة، وتحديداً في منطقة “ليبتاكو – غورما” ثلاثية الحدود التي تنشط فيها جماعات مسلحة موالية لتنظيمي “القاعدة” و”داعش”.
وأشار إلى أن وقوع بلدة أنيفيس في عمق الشمال المالي بعيداً عن الحدود المشتركة يبرهن على مرونة أكبر باتت تتمتع بها دول التحالف في اتخاذ القرارات العسكرية السيادية، وتوحيد مجالها الجوي والعملياتي لتعامل أراضيها كمنطقة عسكرية موحدة ضد التهديدات.
ومن جانبه، أشار الباحث في الشؤون الإفريقية، الدكتور علي السيد، إلى أن البعد الاستراتيجي لمعركة أنيفيس يتجاوز حدود المواجهة المحلية في شمال مالي، ليقدم دليلاً حياً على قدرة دول الساحل على العمل ككتلة أمنية متكاملة وجبهة دفاعية واحدة عقب التحولات السياسية الأخيرة في المنطقة.
وأوضح السيد أن هذا التعاون الوثيق وتطوير آليات التخطيط والتبادل الاستخباراتي لا يعنيان بالضرورة ذوبان الجيوش الوطنية في جيش واحد، إذ تحافظ كل دولة على استقلالها العسكري والسياسي، لكنه يمثل صياغة مبتكرة لمفهوم “الحدود المرنة” التي تتيح ملاحقة التنظيمات المسلحة دون عوائق جغرافية.
ويبدو أن النجاح التكتيكي المحقق في معركة أنيفيس سيؤسس لنقطة تحول جوهرية في مسار تحالف دول الساحل، دافعاً به بقوة من مجرد تحالف سياسي ودفاعي تقليدي إلى منظومة عسكرية قادرة على فرض توازنات ميدانية جديدة في المنطقة مع صيانة سيادة الدول الأعضاء.
خيبة أمل ماكرون في القارة السمراء وانتهاء “إفريقيا الفرنسية”
