05 نوفمبر 2026

في تطور لافت لمسار الخلاف بين السودان وإثيوبيا، أعلنت الخرطوم والقاهرة، الاثنين الماضي، رفضهما القاطع للتحركات الإثيوبية الأحادية في ملف سد النهضة، مع التلويح بإمكانية اللجوء إلى الخيار العسكري.

وأكدت مصر، خلال الجولة الثالثة من اجتماعات آلية المشاورات “2+2″ بين وزراء الخارجية والري في البلدين، التي عُقدت الاثنين الماضي، ارتباط أمنها بأمن السودان، واستعدادها الكامل لاتخاذ جميع التدابير والإجراءات التي يكفلها القانون الدولي واتفاقية الدفاع المشترك بين البلدين لدعم السودان، وضمان عدم المساس بـ”الخطوط الحمراء” أو تجاوزها.

ويأتي هذا التصعيد في ظل تفاقم الخلافات بين الخرطوم وأديس أبابا، على خلفية الاتهامات المتبادلة بدعم الجماعات المسلحة الناشطة على الحدود بين البلدين.

وأمرت إثيوبيا، الأربعاء، ستة دبلوماسيين سودانيين بمغادرة أراضيها، ونقلت وكالة “رويترز” عن مسؤول إثيوبي كبير، لم تسمّه، أن أديس أبابا طلبت من ستة موظفين في القنصلية السودانية بمدينة أصوصا الحدودية مغادرة البلاد خلال 48 ساعة، من دون الكشف عن أسباب القرار.

وجاءت التفاهمات السودانية المصرية الأخيرة وسط سلسلة هجمات متتالية تشنها قوات الدعم السريع، التي تخوض صراعاً مسلحاً ضد الجيش السوداني منذ نحو أربع سنوات، واستهدفت القوات، باستخدام الطائرات المسيّرة، نحو 15 محطة كهرباء في ثماني ولايات خاضعة لسيطرة الجيش خلال الأيام الماضية، كما واصلت هجماتها على مدن وقرى إقليم النيل الأزرق المحاذي لإثيوبيا، جنوب شرقي السودان.

وفي هذا السياق، أعلنت الحكومة السودانية، الاثنين الماضي، تقديم شكوى رسمية ضد الحكومة الإثيوبية إلى مجلسي الأمن والسلم والأمن الإفريقي، على خلفية هذه الهجمات، التي تقول الخرطوم إنها تنطلق من داخل الأراضي الإثيوبية وتستهدف مواقع وأعياناً مدنية ومحطات كهرباء في عدد من الولايات، ما أدى إلى سقوط ضحايا مدنيين وتعطيل خدمات أساسية.

وخلال أعمال الجولة الثالثة من اجتماعات آلية المشاورات “2+2″، حذرت حكومتا البلدين من أي تحركات أحادية إثيوبية في حوض النيل الشرقي.

وقالت وزارة الخارجية المصرية، في بيان، إن الجانبين بحثا سبل تطوير العلاقات في مختلف المجالات السياسية والاقتصادية والمائية والثقافية والاجتماعية والإنسانية، مؤكدين وحدة المصير والقناعات الراسخة بالإرث المشترك بين البلدين، ومحذرين من الانجرار وراء “دعاة الفتنة الذين يسعون إلى بث السموم في العلاقات”.

وشددت القاهرة والخرطوم على رفض أي تهديد لوحدة السودان وسلامة أراضيه، وعزمهما تعزيز التنسيق المشترك لاستعادة الاستقرار في البلاد.

وبحسب البيان، أعاد الجانبان تأكيد ما ورد في بيان الرئاسة المصرية الصادر في ديسمبر 2025 بشأن الارتباط المباشر بين الأمن القومي المصري والسوداني، وضرورة الحفاظ على وحدة السودان وسلامة أراضيه، وعدم العبث بمقدراته ومقدرات شعبه.

كما جددا رفضهما القاطع إنشاء أي كيانات موازية أو الاعتراف بها، باعتبار أن ذلك يمس وحدة السودان وسلامة أراضيه، إلى جانب التشديد على ضرورة الحفاظ على مؤسسات الدولة السودانية ومنع المساس بها.

وأكدت مصر استعدادها الكامل لاتخاذ جميع التدابير والإجراءات التي يكفلها القانون الدولي واتفاقية الدفاع المشترك بين البلدين، لدعم السودان وضمان عدم المساس بهذه الخطوط الحمراء أو تجاوزها.

وفي ما يتعلق بسد النهضة، اتفق الطرفان على أن السد الإثيوبي، الذي وصفاه بالأحادي والمخالف للقانون الدولي، تترتب عليه آثار جسيمة ويمثل تهديداً مستمراً لدولتي المصب، في ظل الإدارة الإثيوبية المنفردة وغياب آلية قانونية ملزمة لتنظيم تشغيله وإدارته. ودعوا إثيوبيا إلى تغيير نهجها الأحادي واستعادة مسار التعاون.

وأدان الجانبان استهداف المليشيات المتمردة للبنية التحتية في السودان، ولا سيما محطات الكهرباء والمنشآت المائية، عبر إطلاق طائرات مسيّرة من إحدى دول الجوار، من دون تسمية تلك الدولة.

وأثار التلويح باتفاقية الدفاع المشترك بين السودان ومصر نقاشاً حول توجه الخرطوم والقاهرة نحو تصعيد الخلاف مع إثيوبيا، واحتمال اللجوء إلى الخيار العسكري.

وتُعد الاتفاقية، الموقعة في القاهرة يوم 15 يوليو 1976، إحدى أبرز محطات التعاون الأمني والعسكري بين البلدين في تاريخهما الحديث. وقد وقعها الرئيس السوداني الأسبق جعفر نميري ونظيره المصري آنذاك محمد أنور السادات.

وتنص أبرز بنود الاتفاقية على اعتبار أي عدوان مسلح يستهدف أحد البلدين اعتداءً على البلد الآخر، مع التزام الطرفين باتخاذ التدابير اللازمة لمواجهته، بما في ذلك التدخل العسكري لرد العدوان.

وفي أبرز تعليق لمسؤول في الحكومة السودانية بشأن الأزمة مع إثيوبيا، اتهم أمجد فريد، مستشار الشؤون السياسية والعلاقات الخارجية لرئيس مجلس السيادة عبد الفتاح البرهان، الإمارات بالضغط على إثيوبيا لدفعها إلى مواجهة مباشرة وحرب إقليمية مع السودان، بما يتيح للإمارات التدخل المباشر لدعم قوات الدعم السريع.

وقال فريد إن الإمارات تدعم القوات بالفعل بالتسليح وإمدادها بالمرتزقة على الأرض، وإن الهدف من فتح جبهة شرقية هو إشغال الحكومة السودانية عن مواصلة التقدم الذي أحرزته القوات المسلحة في استعادة مناطق بكردفان ودارفور. وأكد أن السودان يحتفظ بحقه في الدفاع عن أراضيه بجميع السبل والوسائل.

وفي منشور على منصة “إكس”، الثلاثاء، أشار فريد إلى أن السودان، شعباً وحكومة، لا يرغب في خوض حرب مع إثيوبيا أو أي حرب أخرى، داعياً أديس أبابا إلى وقف استخدام أراضيها لشن الهجمات، وإنهاء التسهيلات التي تتيح للإمارات إمداد قوات الدعم السريع بالسلاح وتدريب عناصرها، والاستجابة للمطالب السودانية بما تقتضيه علاقات حسن الجوار، عبر إجراءات قابلة للتحقق.

وفي قراءة لخلفيات التقارب المصري السوداني، قال المحلل السياسي السوداني مجدي كنب، في حديث صحفي، إن العلاقات بين البلدين تحكمها الجغرافيا والتاريخ، لكن ذلك لا يعني غياب الاستراتيجيات الخاصة بكل دولة.

وأوضح أن مصر تنظر إلى نفسها باعتبارها دولة محورية في الشرق الأوسط، بينما يمثل السودان، بحكم موقعه الجيوسياسي، مفتاحاً للقرن الإفريقي ومعبراً بين إفريقيا والعالم العربي، فضلاً عن أهميته في معادلة أمن البحر الأحمر.

وأشار كنب إلى أن مصر والسعودية تنظران إلى أمنهما الاستراتيجي باعتباره مرتبطاً بأمن البحر الأحمر، وهو ما دفعهما باستمرار إلى رفض أي وجود أجنبي فيه، في وقت تسعى فيه إثيوبيا وروسيا، بحسب تقديره، إلى إيجاد موطئ قدم دائم على سواحله.

ولفت إلى وجود ملفات عدة تشغل القاهرة في السودان، من بينها العرض الذي قدمته الخرطوم لموسكو لمنحها قاعدة بحرية في بورتسودان، إلى جانب الخلاف مع إثيوبيا بشأن سد النهضة.

واعتبر كنب أن مصر لجأت إلى تحريك ملف اتفاقية الدفاع المشترك مع السودان في هذا السياق، رغم أن السودان ألغى الاتفاقية خلال عهد الديمقراطية الثالثة، بهدف إرباك التقارب السوداني الروسي والضغط على إثيوبيا بسبب موقفها من سد النهضة، فضلاً عن اتهامات بدعمها قوات الدعم السريع قرب الحدود الغربية للسودان.

وأضاف أن القاهرة تسعى إلى توثيق علاقاتها بالخرطوم وتعزيز موقفها من الاتهامات السودانية الموجهة إلى إثيوبيا، انطلاقاً من اعتبار السودان عمقاً استراتيجياً جنوبياً لمصر.

ومن جانبه، قال المحلل السياسي السوداني محمد محجوب، في حديث لمصدر صحفي، إن اللهجة التصعيدية المصرية تجاه إثيوبيا جاءت عقب إعلان أديس أبابا، خلال الأيام الماضية، حصولها على طائرات “سوخوي 35” وأنظمة دفاع جوي من روسيا، وهو ما أثار قلقاً في القاهرة، خصوصاً مع صدور تصريحات إثيوبية بشأن الصفقة حملت، بحسب وصفه، نبرة تحدٍ تجاه الخصوم الداخليين والخارجيين.

ورأى محجوب أن التلويح المصري باتفاقية الدفاع المشترك مع السودان يهدف إلى حماية المصالح المصرية وتسوية الخلافات مع إثيوبيا بشأن مياه النيل وسد النهضة، من خلال الاستفادة من تصاعد التوتر بين الخرطوم وأديس أبابا على خلفية الاتهامات المتبادلة بدعم الجماعات المسلحة.

وأشار إلى أن السودان لا يواجه، وفق تقديره، ضغوطاً من إثيوبيا بسبب دعمها قوات الدعم السريع فحسب، بل يتعرض أيضاً لما وصفه بدعم إماراتي لصفقات تسليح القوات وأعمالها اللوجستية داخل إثيوبيا وتشاد ومناطق سيطرة اللواء الليبي المتقاعد خليفة حفتر.

وأضاف أن مصر تتجاهل، بحسب رؤيته، الدور الإماراتي وتركز على إثيوبيا، معتبراً أن القاهرة تستخدم الخرطوم لتصفية حساباتها مع أديس أبابا، وليس لحماية السودان كما تعلن.

واستبعد محجوب اندلاع مواجهات عسكرية بين السودان وإثيوبيا بمشاركة مصرية، قائلاً إن الظروف الإقليمية لا تسمح بمثل هذا التدخل، الذي قد يدفع أطرافاً أخرى إلى المشاركة ويهدد بإشعال حرب إقليمية في منطقة شديدة التوتر، سيكون السودان الأكثر تضرراً منها، نظراً إلى ابتعاد مصر جغرافياً عن عمق المواجهة الأفريقية.

كما أوضح أن اتفاقية الدفاع المشترك التي يجري التلويح بها حالياً وُقعت في عهد الرئيس الأسبق جعفر نميري، بهدف حماية نظامه من المعارضة السودانية التي بدأت تستخدم القوة لإسقاطه، ما دفعه إلى اللجوء للرئيس المصري أنور السادات لتوقيع الاتفاقية.

وحذر محجوب من أن تصعيد الخلافات بين الخرطوم وأديس أبابا بسبب قوات الدعم السريع، وبين القاهرة وأديس أبابا بشأن سد النهضة، إلى جانب التلويح بالخيار العسكري، لن يخدم مصالح الأطراف المعنية. ورأى أن ذلك قد يمنح إثيوبيا مبرراً للقول إنها تواجه عدواناً خارجياً مشتركاً، ويدفعها إلى مزيد من التشدد، مؤكداً أن المسار الدبلوماسي هو الخيار الأنسب والأكثر حفاظاً على المصالح المصرية، ولا سيما المائية.

إثيوبيا.. ضربة بمسيّرة في ميكيلي تعيد شبح الحرب إلى تيغراي

اقرأ المزيد