15 أكتوبر 2026

قضية “الذهّابة”، وهم المنقبون غير الشرعيين عن الذهب بالصحراء الشرقية، أثارت جدلاً في مصر والسودان، وسط شائعات وحملات إلكترونية استغلت التحركات الأمنية المصرية لإثارة التوتر وتأجيج الأزمة بين البلدين.

وتزامن الجدل مع إعلان منظمات حقوقية سودانية مقتل 72 سودانياً يعملون في التنقيب عن الذهب، إثر غارة قالت إنها وقعت على الحدود المصرية السودانية، ومطالبتها الحكومة السودانية بالتحقيق في الحادث.

كما تزامن ذلك مع مقتل مصريين اثنين وإصابة ثالث في حادث إطلاق نار بسوق شعبي في العاصمة السودانية الخرطوم، وبحسب ما ورد في التحقيقات المتعلقة بالحادث، أقر المشتبه به، وهو شاب سوداني الجنسية، بأنه ارتكبه انتقاماً لمقتل شقيقه في الغارة المشار إليها.

وتعود خلفية القضية إلى الأشهر الماضية، في ظل الحرب الدائرة في السودان بين قوات الجيش وقوات الدعم السريع، وما صاحبها من اضطرابات أمنية وتسلل بعض السودانيين إلى مصر.

وفي هذا السياق، تحدثت تقارير عن نشاط شبكات ومجموعات في المناطق الصحراوية النائية، يُشتبه في تورط بعضها في التنقيب غير القانوني عن الذهب والتهريب والاتجار غير المشروع بالأسلحة والمخدرات، وهي أنشطة تثير مخاوف أمنية واقتصادية مصرية.

وبحسب المعلومات المتداولة بشأن القضية، امتد نشاط المنقبين إلى مناطق واسعة على الحدود بين البلدين، يقع جزء كبير منها داخل الأراضي المصرية، وتحديداً في منطقة جبل إيقات بمحافظة البحر الأحمر، وهي منطقة تقع ضمن الأراضي المصرية.

وتشير التقارير إلى أن أنشطة التنقيب غير القانوني ترافقت مع نقل كميات من الذهب المستخرج إلى خارج البلاد، فضلاً عن ورود مزاعم بشأن وقوع حوادث قتل وتهريب مرتبطة بهذه الأنشطة.

وفي يونيو الماضي، نفذ الجيش المصري، بالتعاون مع عناصر من وزارة الداخلية، حملة أمنية موسعة استهدفت مواقع للتنقيب العشوائي ومجموعات قالت السلطات إنها تنشط في تلك المناطق.

وأسفرت الحملة، وفقاً للبيانات المتداولة، عن ضبط 87 مصرياً و136 أجنبياً، قالت السلطات إنهم تورطوا في هذه الأنشطة، إلى جانب مصادرة 14 سيارة من أنواع مختلفة، وأجهزة اتصال لاسلكية، وكميات من الأسلحة والذخائر غير المرخصة، ومبالغ مالية بالجنيه المصري وعملات أجنبية، فضلاً عن معدات للتنقيب العشوائي.

وأُحيل المقبوض عليهم والمضبوطات إلى الجهات القضائية المختصة. كما أفادت المعلومات بأن عدداً من الأشخاص الذين دخلوا البلاد بطرق غير شرعية سلّموا أنفسهم إلى النقاط الأمنية مع بدء العملية، وقدمت إليهم الرعاية الإنسانية اللازمة قبل ترحيلهم إلى بلدانهم.

وبحسب ما نُقل عن التحقيقات، أدلى المقبوض عليهم بشهادات تناولت طبيعة أنشطة التنقيب وآليات استقطاب العاملين فيها.

وأفادت الشهادات بأن عدداً من المقبوض عليهم، غالبيتهم من السودانيين، أقروا بدخول الأراضي المصرية عبر التهريب، بينما قال آخرون إنهم استُدرجوا بوعود بتحقيق الثراء السريع من خلال استخراج الذهب.

وأظهرت المعلومات المتعلقة بالتحقيقات أن العمل كان يجري بنظام «الورديات»، التي تمتد من 10 إلى 15 يوماً، مقابل مبالغ تتراوح بين 8 آلاف و10 آلاف جنيه، من دون ضمان تحقيق عائد مالي محدد.

كما أشارت الإفادات إلى استخدام أدوات بسيطة لتكسير الأحجار وطحنها وغسلها داخل أوانٍ مخصصة، وقال أحد المقبوض عليهم إن كميات الذهب المستخرجة كانت متفاوتة، وقد لا تتجاوز في بعض الأحيان 5 أو 6 غرامات، فيما تمكنت مجموعات أخرى، بحسب روايته، من استخراج عشرات الغرامات.

وخلال حملة أمنية أخرى نفذها الجيش المصري مؤخراً، أفاد أشخاص من المقبوض عليهم بأنهم فوجئوا بوجود القوات الأمنية، وبمنشورات تحذيرية تطالبهم بالابتعاد عن المنطقة والعودة إلى بلدانهم، ووفقاً للروايات المنقولة، لم يستجب بعضهم للتحذيرات، ما أدى إلى ضبطهم.

وقال أحد المقبوض عليهم إنه فوجئ بالقوات فور خروجه من منطقة جبلية لا تتوافر فيها شبكات اتصال، فيما ذكر آخر أنه حاول مغادرة المنطقة بعد انتشار أنباء عن وصول الجيش، لكنه أوقف عند أحد الأكمنة.

ووجّه المقبوض عليهم رسائل تحذيرية إلى من يفكرون في دخول مصر أو ممارسة التنقيب عن الذهب بصورة غير قانونية، معتبرين أن ما أقدموا عليه كان خطأً، ومشيرين إلى أن الحملات الأمنية أوقفت هذه الأنشطة في المنطقة.

وفي تعليقه على القضية، قال اللواء أركان حرب ياسين طاهر، مستشار الأكاديمية العسكرية للدراسات العليا والاستراتيجية، في تصريحات صحغية، إن التنقيب العشوائي عن الذهب في مصر ليس ظاهرة جديدة، لكنه شهد، بحسب تقديره، زيادة في حدته خلال الفترة الأخيرة نتيجة الاضطرابات في السودان.

وأوضح طاهر أن بعض المنقبين غير الشرعيين كثفوا وجودهم في جنوب مصر، معتبراً أن هذا النشاط قد يشكل خطراً على الأمن القومي المصري.

وأضاف أن أنشطة التنقيب تزامنت، وفقاً للمعلومات التي أشار إليها، مع تحركات لأطراف خارجية قد تسهم في تأجيج الخلافات بين القبائل والعائلات السودانية حول مناطق الذهب، ولفت إلى معلومات تتحدث عن وجود أكثر من مئة موقع للذهب في الصحراء الشرقية، وهو ما قد يساعد في تفسير زيادة تدفق المنقبين إلى المنطقة.

وأشار إلى أن مصر اتجهت، في ضوء هذه التطورات، إلى تكثيف الحملات الأمنية المتتالية ضمن خطة تستهدف السيطرة على أنشطة التنقيب غير القانوني.

وأوضح طاهر أن الإجراءات، بحسب عرضه، بدأت بتوجيه تحذيرات علنية عبر وسائل مختلفة، ومنح المخالفين فرصة للتراجع وتسليم أنفسهم حفاظاً على أرواحهم، قبل اتخاذ الإجراءات القانونية بحق المقبوض عليهم، بما يشمل الحبس والغرامات وفقاً للقانون المصري، وصولاً إلى حملات أمنية أكثر تشدداً.

وأكد أن العمليات التي نفذتها السلطات المصرية لا ينبغي أن تؤثر في العلاقات بين الشعبين المصري والسوداني، داعياً إلى التعامل بحذر مع الحملات الإلكترونية التي قال إنها قد تستهدف إثارة الخلاف بين البلدين.

ومن جانبه، قال اللواء أركان حرب الدكتور وائل ربيع، المتخصص في الشأن الإقليمي والاستراتيجي، إن الحرب في السودان أوجدت، في تقديره، حالة من عدم الاستقرار والسيولة الأمنية، ما قد يتيح لبعض الجماعات المسلحة، التي يُطلق على أفرادها اسم “الذهّابة” أو “المعدنيين”، التوجه إلى التنقيب عن الذهب باعتباره مصدراً سريعاً للتمويل.

ولم يستبعد ربيع احتمال وجود صلات بين بعض هذه العناصر وقوات الدعم السريع، في ظل ما وصفه بتضييق الخناق على مصادر تمويلها في مناطق أخرى، من دون أن يقدم ذلك باعتباره أمراً محسوماً.

وأضاف أن السلطات المصرية وجّهت، بحسب ما ذكر، تحذيرات إلى هذه المجموعات عبر منشورات تطالبها بالابتعاد عن الحدود المصرية، لكن بعضهم لم يمتثل لتلك التنبيهات.

وأوضح ربيع أن التنقيب العشوائي، وفق تقديره، قد يؤدي إلى إهدار موارد اقتصادية كبيرة، ويؤثر في جهود التوسع في أنشطة التعدين القانونية والاستثمارات الرسمية في جنوب مصر، معتبراً أن ذلك يبرر اتخاذ إجراءات وقائية للحد من انتشار الظاهرة.

وأشار إلى ورود معلومات عن تورط بعض العناصر في الاعتداء على قوات الجيش والشرطة أو استهداف شركات تعدين تعمل بصورة قانونية، مضيفاً أن هذه المعطيات دفعت، بحسب قوله، إلى تنفيذ حملة أمنية واسعة استندت إلى معلومات استخباراتية بهدف تفكيك البؤر محل الاشتباه والحد من المخاطر الأمنية.

واختتم ربيع بالقول إنه قد يكون من الأنسب عدم إضفاء بُعد سياسي على القضية، داعياً إلى تجنب أي توتر بين الشعبين المصري والسوداني، ومشيراً إلى أن مكافحة الجريمة المنظمة والتهريب والتسلل عبر الحدود تمثل، من وجهة نظره، محور التحركات المصرية في هذه القضية.

الكاف.. توجيهات صارمة بشأن الحياد السياسي في المسابقات الرياضية

اقرأ المزيد