أكد الكاتب الصحفي والمحلل السياسي سلطان البان أن الأزمة المتفاقمة في مالي لا يمكن اختزالها في بعدها الأمني فقط، مشيراً إلى أنها أزمة مركبة تتداخل فيها العوامل السياسية والأمنية والاقتصادية والتاريخية.
وأوضح أن ما تعيشه البلاد يعكس حالة “هشاشة مزمنة” في بنية الدولة، حيث انتقلت من وضع “الدولة الضعيفة” إلى ما يشبه “شبه الدولة الفاشلة”، مع تآكل قدرتها على احتكار العنف وتقديم الخدمات الأساسية، مقابل صعود شبكات قبلية وجهادية وتهريبية، ما أدى إلى تكريس واقع معقد لنظام ما بعد الانقلابين، وزيادة هشاشة مؤسسات الحكم وتراجع ثقة المواطنين فيها.
وأوضح البان، في مقابلة صحفية خاصة لوكالة “أخبار شمال إفريقيا”، أن الانقلابات التي شهدتها مالي خلال عامي 2020 و2021 لم تُفضِ إلى بناء عقد سياسي جديد، بل عمّقت أزمة الشرعية، من خلال إقصاء القوى المدنية وتأجيل الانتخابات، وهو ما أخر الانتقال إلى الحكم المدني.
وأضاف أن المجلس العسكري بات يحكم دون قاعدة اجتماعية متماسكة، حيث يقتصر دعمه على الجيش وبعض الحواضن القبلية.
وأشار إلى أن ما تشهده مالي حالياً لا يتمثل فقط في زيادة عدد الهجمات، بل في تحول نوعي في طبيعة الحرب، إذ انتقلت الجماعات المسلحة من هجمات مبعثرة تستهدف التجارة وسلاسل الإمداد، إلى عمليات معقدة تضرب القواعد العسكرية الاستراتيجية وخطوط الإمداد الحيوية، بما في ذلك تلك المرتبطة بالعاصمة باماكو، ما أدى إلى فرض واقع يشبه الحصار الاقتصادي على البلاد.
وأضاف أن مالي تعيش أيضاً حالة من العزلة الدولية والإقليمية، بعد انسحاب الأمم المتحدة وقطع العلاقات مع القوى الغربية، إلى جانب القطيعة مع إيكواس، وهي الكتلة الاقتصادية الحيوية للمنطقة، الأمر الذي انعكس بشكل مباشر على تدهور الأوضاع الاقتصادية والخدمية، وزاد من معاناة المواطنين.
وأكد البان أن الأزمة تبدأ من الداخل لكنها تتغذى على عوامل أعمق، من بينها الانقسامات داخل المجلس العسكري والمؤسسة العسكرية، حيث تشهد هذه المؤسسة صراعات متكررة واعتقالات لقيادات عسكرية بتهم تتعلق بمحاولات انقلاب أو تسريب معلومات لصالح جماعات مسلحة، وهو ما حدث في أكثر من مرة خلال السنوات الأخيرة، بما في ذلك نهاية عام 2025 وبداية 2026.
ولفت إلى وجود تنافس داخل الجيش حول إدارة المرحلة الانتقالية، إلى جانب خلافات مرتبطة بتعليق الأنشطة السياسية للمجتمع المدني، فضلاً عن صراعات حول تقاسم العوائد المالية المرتبطة بالتهريب، وتباينات في المواقف بشأن العلاقات مع روسيا والغرب.
وأشار إلى أن معالجة الأزمة من منظور أمني فقط يعمّق المشكلة، لأنها في جوهرها أزمة تاريخية مركبة تتعلق بالتنمية والهوية، خاصة فيما يخص الطوارق في شمال أزواد، الذين يسعون إلى إثبات هويتهم والحصول على تمثيل عادل، في ظل وجود جماعات متطرفة تستثمر بدورها في هذا البعد الهوياتي.
وأوضح أن أحد جذور الأزمة يتمثل في الترسيم الجغرافي الذي خلفه الاستعمار، خاصة في مناطق الشمال والحدود مع موريتانيا، حيث تتكرر التوترات الأمنية، وتسقط أحياناً ضحايا من الجانب الموريتاني بتهم مرتبطة بالتهريب أو الانتماء لجماعات مسلحة، ما يؤدي إلى تصعيد دبلوماسي متبادل.
وأشار إلى أن المجلس العسكري في باماكو سبق أن اتهم موريتانيا باحتضان مجموعات متطرفة داخل مخيمات للاجئين، وهو ما نفته نواكشوط بشكل قاطع، مؤكدة أن تلك المخيمات مخصصة لإيواء النازحين وتدار وفق معايير دولية.
وأكد البان أن استعادة الجيش المالي السيطرة الكاملة تبدو صعبة في المدى القريب، في ظل الانتشار الواسع للجماعات المسلحة، التي تشمل تنظيمات مرتبطة بـ تنظيم القاعدة وأخرى قريبة من تنظيم داعش، إلى جانب حركات الطوارق المسلحة.
وأضاف أن العزلة التي تعيشها مالي بعد القطيعة مع الغرب أثرت سلباً على قدراتها اللوجستية والعسكرية، حيث تواجه القواعد الاستراتيجية تحديات كبيرة، مشيراً إلى الهجوم الذي استهدف قاعدة كاتي العسكرية قرب باماكو في أواخر أبريل 2026، باعتبارها رمزاً للسيادة العسكرية.
وأشار إلى أن الاعتماد على شركاء خارجيين، مثل المجموعات الروسية التي تُعد بديلاً عن فاغنر، لم يكن كافياً، إذ تقتصر أدوارها على عمليات محدودة ضمن استراتيجيات موضوعة خارجياً، دون معالجة حقيقية لجذور الأزمة أو توفير التدريب الكافي للجيش المالي.
وأكد أن هناك شبكة من الفاعلين الخارجيين تتقاطع مصالحهم في استمرار الأزمة، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر، لافتاً إلى أن فرنسا، رغم انسحابها العسكري، لا تزال حاضرة عبر قنوات متعددة، وتسعى للحفاظ على نفوذها التقليدي في المنطقة، خاصة في ظل التنافس مع روسيا.
وأوضح أن هذا الصراع الدولي حوّل باماكو إلى ساحة جيوسياسية مفتوحة، في وقت تعاني فيه البلاد من تداعيات العقوبات الاقتصادية التي فرضتها إيكواس، والتي طالت أيضاً دولاً مجاورة مثل النيجر وبوركينا فاسو، ما فاقم الأزمة الاقتصادية والاجتماعية.
وأشار إلى أن الكونفدرالية التي أنشأتها دول الساحل بقيادة الأنظمة العسكرية تفتقر إلى الموارد الكافية لتعويض هذا الفراغ، سواء على المستوى الأمني أو الاقتصادي.
واختتم البان بالإشارة إلى أن مستقبل مالي يبقى مفتوحاً على سيناريوهات معقدة، في ظل استمرار الأزمات السياسية والاقتصادية والأمنية، إلى جانب قرارات مثل إلغاء اتفاق الجزائر لعام 2015 دون وجود بدائل، ما زاد من حدة التوتر، خاصة مع تأثر خطوط الإمداد عبر موانئ مثل نواكشوط، بعد تعرض الطرق القادمة من أبيدجان في ساحل العاج وداكار في السنغال لضغوط من الجماعات المسلحة، ما يعكس حجم التحديات التي تواجه الدولة في المرحلة المقبلة.
ليبيا.. حفتر يبحث مع المبعوثة الأممية هانا تيتيه مستجدات الأوضاع السياسية
