05 مايو 2026

بعد أكثر من 1100 يوم على اندلاع الحرب بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، لم يعد السؤال المطروح من يربح المعركة؟ بل أي سودان يتبقى بعد هذه الحرب؟ فالانقسامات والمعارك تنهي بنية الدولة وتفكك المجتمع.

المعطيات الميدانية تشير إلى أن السودان انقسم عمليا إلى كتلتين؛ جيش يسيطر على الخرطوم والوسط والشمال والشرق، ودعم سريع يتمدد في دارفور وأجزاء واسعة من كردفان، مع محاولة فتح جبهة جديدة في النيل الأزرق.

هذا الانقسام لم يعد مجرد توصيف ميداني، بل أصبح مؤشرا على تحول أعمق في طبيعة الصراع، من حرب على السلطة إلى صراع على الجغرافيا وإعادة تشكيل الدولة.

التطورات الأخيرة من استعادة الجيش لمناطق استراتيجية، إلى تصاعد الانشقاقات داخل بعض تشكيلات الدعم السريع، تشكل كمؤشرات جديدة فهل نحن أمام بداية اختلال حقيقي في ميزان القوى؟ أم أن ما يجري لا يتجاوز إعادة تموضع داخل حرب استنزاف طويلة؟ هل يمكن لهذه التحولات أن تفتح نافذة لتسوية سياسية، أم أنها ستطيل أمد النزاع في ظل مشهد إنساني متدهور وتعدد مراكز التأثير الإقليمية والدولية؟

موازين قوى تتغير لا تحسم

استعادة الجيش لـ”الخرطوم و “ود مدني”، وفك الحصار عن الأبيض واستعادة كادقلي والدلنج منحت المؤسسة العسكرية أفضلية سياسية ورمزية واضحة، فعودة الحكومة إلى الخرطوم، وتعيين كامل الطيب إدريس رئيسا للوزراء، أعادا للجيش شيئا من صورة “الدولة المركزية” لكن هذه الأفضلية لا ترقى إلى حسم عسكري.

في المقابل، سيطرة الدعم السريع على الفاشر في أكتوبر 2025، ثم توسعه نحو بابنوسة وهجليج وأجزاء من كردفان، تكشف أن خسارته للوسط لم تعن انهياره، بل انتقاله إلى نموذج حرب أطراف في دارفور وكردفان والنيل الأزرق.

والانشقاقات الأخيرة، وعلى رأسها انشقاق اللواء النور قبة، مؤشر مهم على تآكل داخلي ومعنوي داخل الدعم السريع، لكنها ليست حتى الآن نقطة انقلاب كاملة في ميزان الحرب، فالتقارير الحديثة وصفت المشهد بأنه “جمود عسكري” لا نصر حاسم فيه لأي طرف.

الانشقاقات: أثر نفسي أكثر من أثر حاسم

تكمن أهمية انشقاق “النور قبة” في رمزيته لا في عدده، فهو شخصية تعرف بنية الدعم السريع، وصلاته القبلية، ومسارات الإمداد، وجغرافيا دارفور وكردفان.

ربما يستفيد الجيش من خبرته استخباريا وعملياتيا، ويستخدم الانشقاق دعائيا لتصوير الدعم السريع كقوة بدأت تفقد تماسكها، لكن الحروب الأهلية لا تحسم بانشقاق واحد، بل بتراكم الانشقاقات، وتعطل التمويل، وانهيار خطوط الإمداد، وفقدان الحاضنة الاجتماعية.

الدعم السريع يواجه صعوبات في التجنيد ويعتمد أكثر على المرتزقة والطائرات المسيرة، لكنه ما زال قادرا على المناورة، خصوصا مع استمرار اتهامات بتدفق السلاح عبر دول الجوار، وفرض مجلس الأمن عقوبات حديثة على شقيق قائد الدعم السريع وثلاثة مرتزقة كولومبيين مؤشر إلى اتساع البعد العابر للحدود في الحرب.

حرب استنزاف لا حرب انتصار

المشهد الأقرب ليس تغيرا حاسما في موازين القوى، بل إعادة توزيع لها، فالجيش قوي في المركز، والدعم السريع قوي في الغرب.

هذه المعادلة تنذر بتحول الانقسام الميداني إلى واقع مؤسساتي دائم، حيث تتكرس سلطة مركزية في الخرطوم (أو بورتسودان سابقا)، مقابل هياكل حكم موازية في إقليم دارفور والغرب، ومع مرور الوقت، تكتسب هذه الكيانات شرعية أمر واقع، مدعومة بشبكات محلية وإقليمية.

خطورة هذا المسار لا تكمن فقط في إطالة أمد الحرب، بل في إعادة تشكيل الدولة نفسها على أسس مجزأة، حيث تتحول خطوط التماس العسكرية إلى حدود سياسية غير معلنة، ما يعقد أي مشروع لإعادة توحيد البلاد ويجعل التسوية المستقبلية أقرب إلى إدارة انقسام لا إنهائه.

جبهة النيل الأزرق تضيف تعقيدا جديدا، فهجمات الدعم السريع المتحالفة مع الحركة الشعبية شمال، ومحاولات السيطرة على الكرمك وسالي ومقجة، تعني أن الحرب خرجت من ثنائية الجيش والدعم السريع إلى شبكة تحالفات محلية وإقليمية، حيث تصبح الحدود الإثيوبية جزءا من الحساب العسكري والسياسي.

الكارثة الإنسانية كعامل ضغط لا كضمان سلام

الأرقام المتداولة حول الواقع الإنساني صادمة في دلالاتها، فهناك نحو 14 مليون نازح، و26 مليونا يواجهون مستويات حادة من انعدام الأمن الغذائي، فيما يحتاج 33.7 مليون شخص إلى مساعدات إنسانية عاجلة.

ورغم عودة قرابة 3.99 ملايين إلى مناطقهم، لا سيما في الخرطوم وولاية الجزيرة، فإن هذه العودة لا تعكس انفراجا حقيقيا، بل تشير إلى انتقال الأزمة من النزوح إلى هشاشة معيشية عميقة.

فبدلا من معاناة التهجير، يجد العائدون أنفسهم أمام واقع أكثر قسوة من خدمات منهارة، وارتفاع متسارع في أسعار الوقود والخبز، وتدهور مستمر في قيمة العملة، ما يجعل الاستقرار شكليا ويبقي جذور الأزمة الاقتصادية والإنسانية قائمة.

لكن التجارب السودانية والإقليمية تقول إن الكارثة الإنسانية وحدها، لا تصنع سلاما، فهي تدفع المجتمع الدولي إلى الضغط، لكنها لا تكسر إرادة الأطراف إذا كان قادة الحرب يرون في التسوية تهديدا لمصالحهم أو لمستقبلهم الأمني والقضائي.

التسوية السياسية: ممكنة نظريا، بعيدة عمليا

شهدت الأزمة زخما لافتا في مسارات الوساطة، من منبر جدة إلى صيغ الرباعية والآلية الخماسية، وصولا إلى مبادرات الهدن وخرائط الطريق.

هذا الحراك الكثيف لم يترجم إلى اختراق فعلي، ما يكشف أن الأزمة ليست في تعدد المنصات، بل بغياب الإرادة السياسية لدى أطراف الصراع، فالجيش وقوات الدعم السريع ما زالا يتعاملان مع التفاوض بوصفه امتدادا للمعركة، ويراهنان على تحسين مواقعهما عبر جولات إضافية من القتال.

في موازاة ذلك، يؤدي تداخل الأدوار الإقليمية إلى جانب أطر دولية مثل الاتحاد الأفريقي والأمم المتحدة، إلى تحويل الصراع من أزمة داخلية إلى ساحة تنافس جيوسياسي معقد، تتقاطع فيها المصالح وتتعثر معها فرص التسوية.

إمكانات الوصول إلى تسوية في المدى القريب تبقى محدودة، إلا إذا اجتمعت ثلاثة شروط تبدأ بضغط خارجي موحد على مصادر السلاح والتمويل، ثم وقف إنساني قابل للمراقبة لا مجرد إعلان سياسي، والشرط الأخير توافق مدني سوداني واسع يمنع تحويل التسوية إلى تقاسم جديد بين البنادق.

التطورات الأخيرة في السودان تشير إلى تغير في موازين القوى، لكنها لا تدل إلى حسم قريب، الجيش استعاد المبادرة في المركز، والدعم السريع يعيد التموضع في الغرب والجنوب الشرقي، الانشقاقات تضغط على تماسك الدعم السريع، لكنها لم تكسر بنيته بعد.

أما التسوية، فتبقى ضرورة وطنية وإنسانية، لكنها لن تصبح واقعية إلا حين يقتنع رعاة الحرب، في الداخل والخارج، بأن كلفة استمرارها باتت أعلى من كلفة إنهائها.

 بقلم: مازن بلال

المؤتمر الوطني في السودان يرد على قرار واشنطن بشأن أحمد هارون

اقرأ المزيد