21 أغسطس 2026

دخلت الشركة العامة للكهرباء في ليبيا مرحلة إدارية جديدة في توقيت يتزامن مع واحدة من أصعب موجات اضطراب الشبكة خلال الفترة الأخيرة.

اعتمدت الجمعية العمومية، في 17 أغسطس 2026، إعادة تشكيل مجلس الإدارة برئاسة البشير البهلول المرعاش، خلفاً لمحمد المشاي، بعد مناقشة تقارير مجلس الإدارة والمدير العام وهيئة المراقبة.

جاء القرار بينما كانت مناطق في غرب ليبيا تعيش على وقع انقطاعات واسعة واحتجاجات متزايدة بسبب تراجع ساعات التغذية، وهو توقيت يجعل إعادة تشكيل المجلس استجابة مباشرة لضغط الأزمة، وفي الوقت نفسه يفتح المجال أمام اختبار قدرة القيادة الجديدة على ترجمة التغيير الإداري إلى تحسن ملموس في أداء الشركة.

ويضم المجلس الجديد ستة أعضاء إلى جانب رئيسه، بينما يظهر السجل التجاري أن رأس المال المقيد والمدفوع للشركة يبلغ 2.4 مليار دينار ليبي.

المشاي.. نهاية تأخرت عن سقوط مظلته السياسية

يحمل خروج محمد المشاي دلالة تتجاوز أزمة الكهرباء نفسها، فقد تولى رئاسة مجلس الإدارة في يوليو 2022، وارتبط اسمه منذ ذلك الوقت بالترتيبات السياسية والأمنية التي ساعدت حكومة عبد الحميد الدبيبة على تثبيت موقعها في طرابلس.

وفي فبراير 2025، طلبت حكومة الوحدة الوطنية منه الرد على ملاحظات وردت في تقرير فريق خبراء الأمم المتحدة المعني بليبيا، بينما نقلت تقارير عن الفريق وعن رئيس الحكومة السابق فتحي باشاغا أن تعيين المشاي كان ضمن الشروط التي وضعها عبد الغني الككلي، المعروف بـ”غنيوة”، لدعم الدبيبة في مواجهة محاولة باشاغا دخول العاصمة.

وتشير هذه المعطيات إلى أن العلاقة السياسية بين صعود المشاي ونفوذ غنيوة تشكل جزءاً موثقاً من خلفية تعيينه، بحيث لا يكفي توصيفه باعتباره مديراً فنياً للشركة لفهم كامل الظروف التي أوصلته إلى المنصب.

وأدى مقتل غنيوة في طرابلس، في 12 مايو 2025، إلى غياب أحد أبرز مراكز القوة المسلحة المرتبطة بالمرحلة التي شهدت صعود المشاي، إلا أن الأخير بقي في موقعه نحو خمسة عشر شهراً بعد ذلك.

ويشير استمراره طوال هذه الفترة إلى أن بقاءه لم يكن مرتبطاً فقط بمظلة سياسية سابقة، بل أيضاً باعتبارات مؤسسية وحكومية تتعلق بحساسية تغيير قيادة شركة تدير واحداً من أهم قطاعات الخدمات في البلاد.

وجاء خروجه من رئاسة المجلس في أغسطس 2026، في لحظة ارتفعت فيها كلفة الأزمة وازدادت الحاجة إلى إعادة ترتيب المسؤوليات داخل الشركة.

أزمة الرواتب وفرضية “كبش الفداء

تضيف أزمة رواتب العاملين بعداً آخر إلى توقيت القرار، إذ لوحت نقابة العاملين في الشركة، منذ مارس 2026، بالتصعيد وتعليق أعمال الصيانة بسبب تأخر المرتبات.

وتكررت احتجاجات ومطالب العاملين خلال الأشهر التالية، بينما تحدث موظفون في بعض المناطق عن تأخيرات ممتدة منذ بداية العام، ما يؤكد وجود مشكلة مالية وإدارية استمرت أشهراً وأثرت في بيئة العمل داخل الشركة.

وتبدو فرضية تحويل المشاي إلى “كبش فداء” مطروحة في قراءة القرار، لكنها تبقى استنتاجاً لا تدعمه أدلة كافية حتى الآن.

وناقشت الجمعية العمومية تقرير مجلس الإدارة وتقرير المدير العام وتقرير هيئة المراقبة، ثم قررت تغيير المجلس، في وقت تعرضت فيه الشبكة لثلاث موجات انقطاع واسعة خلال نحو 48 ساعة، وامتد الغضب الشعبي إلى احتجاجات في طرابلس ومدن أخرى.

ويمكن قراءة اختيار مجلس الإدارة نقطةَ بداية للتغيير باعتباره محاولة لتحميل المستوى الأعلى من الحوكمة مسؤولية المرحلة السابقة، لكنه يضع المجلس الجديد، في المقابل، أمام فرصة لإثبات أن التعديل لم يكن مجرد استجابة للضغط الشعبي، بل بداية لإعادة ضبط العلاقة بين القرار الإداري والأداء التنفيذي.

عبد الله حمودة باقٍ.. الاستمرارية إلى جانب التغيير

يمثل بقاء المدير العام عبد الله حمودة أحد أهم مفاتيح قراءة إعادة التشكيل، إذ حضر أول اجتماع للمجلس الجديد بصفته المدير العام واستمر في موقعه التنفيذي بعد مغادرة المشاي.

ويمتلك حمودة مساراً داخل الشركة يعود إلى سنوات سبقت تولي المرعاش رئاسة المجلس، وظهر في مواقع تنفيذية مرتبطة بالتوزيع، ثم بصفته مديراً عاماً في ملفات شملت التنسيق بشأن إمدادات الوقود والغاز ومشروعات المحطات وبرامج تدريب الكوادر الفنية.

ويوفر استمراره للمجلس الجديد ذاكرة تشغيلية مهمة ويساعد على تجنب حدوث فراغ إداري في مرحلة حساسة، لكنه يعني في الوقت نفسه أن التغيير لن يبدأ من الصفر.

واطلعت الجمعية العمومية على تقرير المدير العام ثم أبقته في منصبه، بينما غيرت مجلس الإدارة، ما يشير إلى أن المراجعة ركزت بصورة أكبر على مستوى الحوكمة والتوجيه الاستراتيجي، مع الحفاظ على قدر من الاستمرارية في الإدارة التنفيذية.

وسيتوقف نجاح الصيغة الجديدة بدرجة كبيرة على طبيعة العلاقة بين المجلس وحمودة: هل يستخدم المجلس الخبرة التنفيذية القائمة لتسريع الإصلاح، أم تبقى حدود الصلاحيات وآليات القرار على صورتها السابقة؟ الإجابة ستظهر في طريقة إدارة الملفات التشغيلية خلال الأشهر الأولى.

المرعاش.. مزيج فني وإداري أمام اختبار مختلف

تمنح سيرة البشير المرعاش المجلس الجديد نقطة قوة واضحة على الورق. فهو يحمل دبلوماً عالياً في الهندسة الكهربائية، ودبلوماً في إدارة الأعمال، وآخر في الحاسب الآلي، وبدأ مسيرته في القسم المالي بشركة المشروعات الكهربائية قبل انتقاله إلى مواقع استشارية وإدارية.

كما ترأس مجالس إدارة شركة الإنشاءات الكهربائية، ومؤسسة ليبيا للعلوم والتقنية والتدريب، والشركة العربية للاستشارات والخدمات الهندسية، والشركة الوطنية للتنمية والاستثمار العقاري، وشغل كذلك عضوية مجلس إدارة ومنصب المدير العام في شركة الأنظمة الذكية للتطوير المؤسسي وبناء القدرات.

ويمنحه هذا الجمع بين الخلفية الهندسية والخبرة الإدارية أدوات يمكن أن تكون مفيدة في مؤسسة تتقاطع فيها المشكلات الفنية مع قضايا التمويل والحوكمة والاستثمار.

في المقابل، سيعمل المرعاش مع جهاز تنفيذي قائم وهياكل إدارية متراكمة، وهو ما يجعل حجم التغيير الممكن مرتبطاً بقدرته على استخدام صلاحيات المجلس في تعديل الأولويات وآليات المتابعة والمحاسبة، وليس فقط بتغيير الأشخاص.

ولا يلغي بقاء المدير العام إمكانية حدوث تحول في الأداء، لكنه يجعل نجاح المجلس مرتبطاً بمدى قدرته على تطوير طريقة اتخاذ القرار وخلق تنسيق أكثر فاعلية بين المستويين الإداري والتنفيذي.

أعضاء المجلس.. خبرات متفاوتة وحاجة إلى وضوح أكبر

تضم التشكيلة جبريل صالح العريبي، ومفتاح أبوبكر أبوستة، وعلي محمد السبيعي، وعبدالسميع رمضان المنقوب، ومنير ميلاد محمد عفظ، والصديق محمود الجذامي.

ويثبت السجل المنشور العضوية، لكنه لا يقدم حتى الآن توزيعاً واضحاً لاختصاصات الأعضاء بين التوليد والنقل والتوزيع والمالية والمشروعات. ومن شأن نشر هذا التوزيع مستقبلاً أن يتيح تقييماً أدق لمسؤولية كل عضو ويعزز قدرة الجمهور على متابعة عمل المجلس.

ويمثل عبدالسميع رمضان المنقوب إحدى الشخصيات الأوضح خبرة داخل قطاع الكهرباء، بعد عمله مديراً لإدارة التوزيع في الجفارة وتعاطيه مع مشكلات الشبكة والاعتداءات وسرقة الكوابل، وهي خبرة مهمة، وإن كانت لا تغطي وحدها تعقيدات القطاع.

أما مفتاح أبوبكر أبوستة، فتبدو خبرته إدارية وبلدية أكثر منها فنية، بينما يملك الصديق محمود الجذامي خبرة تشغيلية داخل الشركة بعد شغله موقعاً مساعداً للمدير العام في الشؤون الفنية أو التشغيلية، ما يمنح المجلس معرفة من داخل المؤسسة.

في المقابل، تبقى خلفيات جبريل العريبي وعلي السبيعي ومنير عفظ أقل وضوحاً في المصادر المفتوحة، ما يجعل نشر السير الذاتية وتوزيع الاختصاصات ضرورياً لتقييم تركيبة المجلس بدقة أكبر.

ما الذي يستطيع المجلس تغييره فعلاً؟

يملك المجلس مساحة يمكن أن تظهر نتائجها بصورة أسرع في الملفات الواقعة مباشرة ضمن نطاق الشركة، مثل ترتيب أولويات الصيانة، وتأمين قطع الغيار، وإعادة الوحدات المتوقفة القابلة للإصلاح، ومعالجة اختناقات النقل، وتحسين أوضاع العاملين.

وقد تراكمت هذه المشكلات على مدى سنوات، ما يجعل حلها دفعة واحدة غير واقعي، إلا أن التقدم التدريجي فيها يمكن أن يشكل مؤشراً مبكراً على فاعلية الإدارة الجديدة.

وتزداد أهمية هذه الملفات لأن آثار الانقطاعات لم تعد محصورة في المنازل، بل تمتد إلى المصانع والمخابز والمولدات ومنظومات مياه النهر الصناعي والخدمات الصحية، ما يجعل تحسين استقرار الشبكة يحمل أثراً اقتصادياً واجتماعياً يتجاوز قطاع الكهرباء نفسه.

أما الإصلاحات الأكبر فتتطلب تعاوناً يتجاوز مجلس الإدارة، فالقطاع يعاني من بنية تحتية متقادمة، واختناقات في إمدادات الغاز والوقود، واعتداءات أمنية على منشآت حيوية، وتأثير الانقسام المؤسسي في البلاد، إضافة إلى أزمة ثقة تراكمت بعد إنفاق مبالغ كبيرة على القطاع من دون إنهاء الانقطاعات.

ووصول أزمة الكهرباء إلى إحاطة المبعوثة الأممية هانا تيتيه أمام مجلس الأمن، وربطها بين الانقطاعات وتراجع قدرة الدولة على تقديم الخدمات وإدارة الموارد، يوضح أن إصلاح القطاع يحتاج إلى معالجة مترابطة تشمل الشركة والحكومة وقطاعات الطاقة والأمن والمالية.

تغيير قابل للاختبار.. وفرصة تحتاج إلى نتائج

يحصل المجلس الجديد على فرصة فعلية، وإن كانت محكومة بقيود قطاعية ومؤسسية كبيرة. ووجود رئيس يجمع بين الهندسة والإدارة، إلى جانب شخصيات تمتلك خبرة تشغيلية داخل قطاع الكهرباء، يمنح التشكيلة قاعدة يمكن البناء عليها، كما أن استمرار المدير العام يوفر استقراراً تنفيذياً ويجنب الشركة مرحلة انتقالية كاملة في وقت تعاني فيه الشبكة من ضغوط مرتفعة.

لكن قيمة التغيير ستبقى مرتبطة بما يفعله المجلس بعد تشكيله، لا بمجرد الأسماء الجديدة.

وستوفر الأشهر الأولى مؤشرات واضحة يمكن قياسها، من انتظام الرواتب، وعودة وحدات إلى الخدمة، وارتفاع القدرة المتاحة، وتراجع ساعات طرح الأحمال، وتحسين أعمال الصيانة، ونشر بيانات أكثر انتظاماً عن وضع الشبكة.

وتحقيق تقدم في هذه الملفات لا يعني حل أزمة الكهرباء الليبية دفعة واحدة، لكنه سيشير إلى أن إعادة تشكيل المجلس بدأت تنتج أثراً يتجاوز التغيير الإداري.

أما إذا ظلت المؤشرات الأساسية من دون تحسن، فستزداد الأسئلة حول مدى قدرة إعادة تشكيل القيادة وحدها على معالجة أزمة تتداخل فيها مشكلات الإدارة والبنية التحتية والتمويل والأمن والسياسة.

لا يمثل مجلس المرعاش بداية جديدة كاملة، لكنه يملك فرصة لبدء مسار مختلف. والاختبار الحقيقي سيكون في مقدار الكهرباء التي تستطيع الشبكة توفيرها، وعدد الأعطال التي يمكن منعها، ومدى قدرة الشركة على استعادة ثقة العاملين والمستهلكين خلال الفترة المقبلة.

بقلم نضال الخضري

13 تاجراً تونسياً يغادرون ليبيا بعد دفع غرامات مالية

اقرأ المزيد