07 سبتمبر 2026

يبدو المشهد السياسي الليبي في سباق متواصل بين اللجان والصيغ الرقمية؛ من “5+5” في الملف العسكري، إلى “6+6″ للقوانين الانتخابية، و”3+3” للتنسيق الأمني، وصولاً إلى “4+4” في محاولة لكسر الانسداد السياسي.

في الصورة العامة تبدو الصيغ عملية ومباشرة، حيث هناك تمثيل متساوٍ بين الشرق والغرب، وعدد محدود من المفاوضين، وملف محدد يُفترض أن ينتهي إلى تفاهم، لكن كثرة اللجان تحولت مع الوقت إلى جزء من الأزمة، لأن كل صيغة جديدة تأتي غالباً بعد تعثر سابقتها.

المفارقة أن هذه اللجان لم تكن بلا أثر، لكنها قدرتها على إيجاد التوافق كانت أكبر من التنفيذ على الأرض، فعند الانتقال من طاولة التفاوض إلى مؤسسات الدولة، يعود الانقسام السياسي والأمني وتضارب الشرعيات ومصالح القوى المحلية والخارجية، فتتحول التفاهمات من خطوات نحو الحل إلى ترتيبات مؤقتة داخل أزمة أكثر تعقيداً.

5+5.. نجاح أمني لم يتحول إلى جيش موحد

بدأ المسار الأكثر وضوحاً مع اللجنة العسكرية المشتركة “5+5” التي تشكلت في يناير 2020 بموجب مخرجات مؤتمر برلين، وضمت خمسة ضباط من الغرب وخمسة من قوات الشرق، وجاءت في أعقاب حرب طرابلس.

حققت اللجنة إنجازاً يصعب تجاهله عندما ساهمت في تثبيت وقف إطلاق النار، ثم شاركت في فتح الطريق الساحلي بين سرت ومصراتة، والإشراف على ترتيبات لتبادل الأسرى، ووضع خطط لإخراج المرتزقة والقوات الأجنبية.

بقيت المهمة الأكبر في توحيد المؤسسة العسكرية معلقة، فتراجع القتال، بينما بقيت مراكز القوة موزعة، وبقيت التشكيلات المسلحة والوجود الأجنبي جزءاً من المعادلة.

نجحت “5+5” في احتواء الحرب وفشلت في إعادة بناء جيش واحد، وتكشف تجربتها أن اللجان تكون أكثر فاعلية حين تكون المهمة محددة، وأقل قدرة عندما تقترب من جوهر الصراع على السلطة والسلاح.

6+6 القوانين اكتملت والانتخابات بقيت مؤجلة

جاءت لجنة “6+6” بعد تعثر انتخابات ديسمبر 2021، وتشكلت في مارس 2023 من ستة أعضاء عن مجلس النواب وستة عن المجلس الأعلى للدولة، وتولت إعداد القوانين المنظمة للانتخابات الرئاسية والتشريعية.

توصلت اللجنة في بوزنيقة المغربية إلى صيغ قانونية لمسائل عطلت انتخابات 2021، بينها شروط الترشح للرئاسة، وفي يونيو 2023 أُنجزت القوانين، وظهر أن واحدة من أكبر العقد فُككت.

النتيجة العملية جاءت أقل من التوقعات، فالخلاف انتقل من نص القانون إلى الحكومة التي ستشرف على الانتخابات، ومع اشتراط تشكيل سلطة تنفيذية موحدة، عاد الملف إلى قلب الصراع السياسي.

أصبحت “6+6” محطة تفاوضية أخرى، وكشفت أن الاتفاق على التفاصيل أسهل من المساس بمراكز النفوذ القائمة.

3+3 تنسيق ميداني تحت الاختبار

في أبريل 2026 ظهرت صيغة “3+3” بين عسكريين من الشرق والغرب، عقب مناورات مشتركة في سرت وبرعاية شملت القيادة الأميركية في إفريقيا “أفريكوم”.

جاءت اللجنة أصغر وأكثر تخصصاً من “5+5″، وركزت على التعاون الفني والميداني، ومكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة والتهريب والاتجار بالبشر، إضافة إلى التحضير لمشاركة ليبية في تمرين “فلينتلوك 2027”.

جاءت أهمية اللجنة من طبيعة التواصل داخلها، فوجود ضباط من المعسكرين داخل إطار عملياتي واحد يعني أن قنوات الثقة العسكرية لم تعد مغلقة تماماً، لكن نتائجها المعلنة بقيت محدودة، ولم تنتقل بعد إلى ملف توحيد القيادة العسكرية.

عمليا فإن قيمتها الحالية في اختبار التعاون في الملفات التي لا تمس مباشرة توزيع السلطة، أما الامتحان الأصعب فسيبدأ عندما يصل النقاش إلى التسلسل القيادي، والسلاح، والتشكيلات المسلحة، وحدود النفوذ الخارجي.

4+4 اتفاق أوسع ومخاطر أكبر

أحدث صيغ اللجان هي “4+4” التي دخلت حواراً خلال هذا العام 2026، وانتهت بتوقيع اتفاق طرابلس في 30 أغسطس، بعد نقاشات بدأت في روما واستمرت عبر سبع جولات في تونس.

ضمت اللجنة أربعة ممثلين عن الغرب وأربعة عن الشرق، وجاءت لدفع خارطة الطريق الأممية المعلنة في أغسطس 2025.

اتسعت أجندة اللجنة لتتجاوز معالجة عقدة واحدة، فحاول الاتفاق ربط الانتخابات بإعادة ترتيب السلطة التنفيذية والمؤسسات المنظمة للعملية السياسية، ضمن إطار زمني يفترض أن يقود إلى إنهاء المرحلة الانتقالية.

ظهر أول اختبار لاتفاق اللجنة بشكل سريع، فبعد التوافق على إعادة تشكيل إدارة المفوضية الوطنية العليا للانتخابات، أصدر رئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي قراراً بالتجديد لرئيسها الحالي عماد السايح، ما أثار اعتراض نائبه موسى الكوني، لأنها بدت مناقضة لما اتفقت عليه لجنة بشأن تغيير قيادة المفوضية.

كما غاب رئيس المجلس الأعلى للدولة عن مراسم التوقيع، وظهرت اعتراضات سياسية ودينية على شرعية الصيغة.

تعكس مواقف التأييد لقرارات اللجنة مفارقة أخرى؛ فبعض القوى التي رحبت بالاتفاق تستفيد من مهلة العامين لأنها تمنحها وقتاً إضافياً داخل مواقعها الحالية، فدعم المسار جاء في بعض الحالات تعبيراً عن قبول بالتسوية، ووسيلة لحماية النفوذ.

البعثة الأممية منحت مجلسي النواب والدولة شهراً للموافقة، ولوحت بآليات أخرى إذا تعثرت المصادقة، وهذا الضغط يمكن أن يسرع الحسم، لكنه يفتح خلافاً جديداً حول الشرعية إذا جرى تجاوز المؤسستين.

حين تصبح اللجنة بديلاً عن القرار

تقدم صيغة “2+2” التي جمعت ممثلين عن مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة في الملف المالي، مثالاً مهماً، فارتبطت بإقرار أول ميزانية موحدة في ليبيا منذ 13 عاماً، لكن التنفيذ لم يكتمل بالشكل المأمول، لتتكرر معضلة الاتفاق الجزئي والتنفيذ الناقص.

يضيف ضعف تمثيل الجنوب مشكلة أخرى، فمعظم الصيغ بُنيت على ثنائية الشرق والغرب، بينما بقي الجنوب أقل حضوراً رغم ثقله الجغرافي والأمني، كما ساهم تبدل المبعوثين الأمميين واختلاف مقارباتهم في تراكم المبادرات.

تدخل المصالح الدولية أيضاً في الحساب، فخارطة الطريق تحظى بدعم مجلس الأمن، بينما تحتفظ قوى خارجية بعلاقات مباشرة مع السلطات ومراكز النفوذ الليبية، وتزداد حساسية هذا التداخل في بلد يملك أكبر احتياطيات نفط خام في إفريقيا، ما يجعل أي تسوية داخلية مرتبطة أيضاً بتوازنات تتجاوز حدود ليبيا.

بالنسبة إلى المواطن الليبي، تبقى قيمة هذه اللجان مرتبطة بما إذا كانت ستنهي حالة الانتقال المفتوح وتنتج مؤسسات مستقرة وقادرة على إدارة الدولة، فالتسويات السياسية تفقد معناها عندما تبقى آثارها بعيدة عن الحياة اليومية وعن الوصول إلى سلطة منتخبة وقابلة للاستمرار.

اللجان نجحت في تجزئة الأزمة.. ولم تنهها

المشكلة الليبية لم تعد في ابتكار صيغ تفاوضية جديدة، بل في تحويل ما تنتجه المفاوضات إلى مسار سياسي ملزم.

مع كل جولة جديدة، يتضح أن قدرة الأطراف على الجلوس معاً تتقدم على قدرتها على التنازل عن أدوات النفوذ التي تبقي الانقسام قائماً.

يبقى المأزق في الفجوة بين التوافق السياسي والقدرة على فرضه داخل مؤسسات منقسمة ومراكز قوة متنافسة، فلا تُقاس قيمة أي لجنة بما تنتجه من صيغ جديدة، بل بقدرتها على تحويل التفاهم إلى قواعد نافذة تقبل بها الأطراف وتلتزم بنتائجها.

بقلم: نضال الخضري

 

الإفريقي التونسي يقترب من ضم نجم المنتخب الليبي

اقرأ المزيد