اجتماع ترأسه الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون بحضور كبار القادة العسكريين باللباس المدني أثار اهتماماً، وسط تفسيرات اعتبرت المشهد رسالة تؤكد أن إرسال قوات إلى النيجر يستهدف حفظ السلام والاستقرار، وليس تنفيذ تدخل عسكري.
ويأتي الاجتماع بعد أيام من مصادقة البرلمان الجزائري على إرسال وحدات من الجيش إلى النيجر، وفي ظل تصاعد التوترات الإقليمية، بالتزامن مع اتهامات أطلقتها نيامي ضد تشاد بالوقوف وراء هجوم بطائرة مسيّرة في شمال البلاد.
وأعلنت الرئاسة الجزائرية، في بيان، أن تبون، بصفته القائد الأعلى للقوات المسلحة ووزير الدفاع الوطني، ترأس اجتماعاً تنسيقياً حضره الفريق أول السعيد شنقريحة، الوزير المنتدب لدى وزير الدفاع الوطني رئيس أركان الجيش الوطني الشعبي، وأحمد عطاف، وزير الدولة وزير الشؤون الخارجية والجالية الوطنية بالخارج والشؤون الإفريقية، والفريق مصطفى إسماعلي، قائد القوات البرية، واللواء زوبير غويلة، قائد القوات الجوية، واللواء حميد فكان، رئيس دائرة الاستعمال والتحضير لأركان الجيش الوطني الشعبي، إلى جانب عبد العزيز مجاهد، المدير العام للمعهد الوطني للدراسات الاستراتيجية الشاملة.
ولم يكشف البيان عن جدول أعمال الاجتماع أو القرارات التي نوقشت خلاله، غير أن توقيته وطبيعة الحاضرين وظهور المسؤولين العسكريين باللباس المدني أثارت اهتماماً في ضوء التطورات المرتبطة بقرار إرسال قوات جزائرية إلى النيجر، وما ينطوي عليه من رهانات أمنية وسياسية واقتصادية.
وكان تبون قد قرر، الاثنين، إرسال وحدات من الجيش الجزائري إلى النيجر، استجابة لطلب السلطات النيجرية، بهدف ضمان حماية المصالح الطاقوية والاقتصادية المشتركة بين البلدين، وجاء القرار بعد مصادقة غرفتي البرلمان على الإخطار الرئاسي خلال جلستين عامتين مغلقتين عُقدتا في 25 أكتوبر، استناداً إلى أحكام الدستور، ولا سيما المادتين 30 و91 بفقراتها الأولى والثانية والسابعة.
ويرتبط القرار، وفق المعطيات المعلنة، بحماية المنشآت النفطية التي تستغلها شركة “سوناطراك” الجزائرية في النيجر، بمنطقة كفرا القريبة من الحدود الجزائرية، إلى جانب المصالح المتعلقة بمشروع أنبوب الغاز الذي ينطلق من نيجيريا ويمر عبر الأراضي النيجرية وصولاً إلى الجزائر، وتكتسب هذه المنشآت والمشروعات أهمية إضافية في ظل التحديات الأمنية التي تواجه منطقة الساحل، حيث تنشط جماعات مسلحة وشبكات للجريمة المنظمة والتهريب عبر الحدود.
وسبق القرار تصاعد التعاون العسكري بين الجزائر والنيجر، إذ استقبل تبون، الأسبوع الماضي، وزير الدولة وزير الدفاع الوطني النيجري، الفريق أول سليفو مودي، الذي أجرى محادثات مع مسؤولين جزائريين تناولت العلاقات الثنائية والتعاون الدفاعي والأمني، كما بحث مودي الملفات نفسها مع رئيس أركان الجيش الوطني الشعبي، الفريق أول السعيد شنقريحة.
وفي مطلع أغسطس الماضي، قدمت الجزائر هبة عسكرية للجيش النيجري شملت أربع مروحيات وذخائر وقطع غيار وتجهيزات للصيانة والدعم اللوجستي. وفي 30 أغسطس، أرسلت الجزائر أربع مقاتلات من طراز “سوخوي سو-30″، برفقة طائرة للتزود بالوقود جواً، إلى العاصمة نيامي، في سياق محاولة الانقلاب الفاشلة التي شهدتها النيجر.
وأثار قرار إرسال القوات نقاشاً سياسياً داخل الجزائر، رغم حصوله على موافقة البرلمان، فقد صادق مجلس الأمة عليه بالإجماع، فيما أقره المجلس الشعبي الوطني بالأغلبية المطلقة للأعضاء الحاضرين، مع امتناع نواب جبهة القوى الاشتراكية والتجمع من أجل الثقافة والديمقراطية وحزب العمال عن التصويت، وفق المواقف المعلنة لهذه التشكيلات.
وتتزامن هذه التطورات مع تصاعد الخلاف بين النيجر وتشاد، بعدما اتهم المجلس العسكري الحاكم في نيامي تشاد بشن هجوم بطائرة مسيّرة في منطقة إيمي لولو، عند ممر سلفادور، في وقت مبكر من صباح السبت، وقالت السلطات النيجرية إن الهجوم أسفر عن مقتل مدنيين اثنين وإصابة آخرين، فضلاً عن إلحاق أضرار بمركبات.
وأكدت نيامي أن الطائرة المسيّرة انطلقت من الأراضي التشادية، واتهمت فرنسا بتقديم الدعم للهجوم، واصفة إياه بأنه عمل عدواني وانتهاك لسيادتها، كما أعلنت استدعاء السفير التشادي، وطالبت بوقف الأعمال العدائية والتعويض عن الأضرار.
وتقع المنطقة المستهدفة في نطاق صحراوي ناءٍ قرب الحدود الجزائرية والليبية، وتُعد ممراً لعمليات التهريب ونشاط الجماعات المسلحة، وكانت النيجر قد اتهمت تشاد، في سبتمبر الماضي، بالتورط في محاولة لزعزعة استقرار السلطة العسكرية، وتأتي هذه الاتهامات في سياق تدهور علاقات نيامي مع فرنسا منذ وصول العسكريين إلى الحكم وقطع التعاون مع القوة الاستعمارية السابقة.
وفي قراءة لهذه التطورات، نشر الدبلوماسي الجزائري السابق عمار بلاني تحليلاً ربط فيه التوتر بين النيجر وتشاد بتداخل المصالح الإقليمية والدولية، وأشار إلى تنامي النفوذ الإماراتي في تشاد، ومساعي إسرائيل لتعزيز علاقاتها الأمنية والاستخباراتية مع انجمينا، فضلاً عن تحركات مرتبطة بقوات خليفة حفتر في جنوب غرب ليبيا.
كما تناول بلاني مسارات لوجستية تمر عبر الأراضي التشادية لتزويد قوات الدعم السريع في السودان بالإمدادات، مستنداً إلى تحقيقات دولية، إلى جانب مساعي فرنسا للحفاظ على نفوذها الأمني في المنطقة، رغم سحب قواتها من تشاد في يناير 2025.
وتوقف الدبلوماسي الجزائري السابق عند الانتشار العسكري لقوات حفتر في جنوب غرب ليبيا، ولا سيما عند المعبر الحدودي التوم، والمثلث الحدودي لسالفادور، وقاعدة الوغ الجوية في إقليم فزان، معتبراً أن هذه المواقع تتيح مراقبة المحاور التي تربط ليبيا بالنيجر وتشاد.
وأشار بلاني إلى أن قاعدة الوغ تقع على مسافة تقارب 263 كيلومتراً، بخط مستقيم، من قاعدة ماداما العسكرية شمال النيجر، التي سبق أن شكلت نقطة ارتكاز للقوات الفرنسية ضمن عملية برخان.
وكان بلاني قد تناول، في قراءة سابقة، الأهمية الاستراتيجية لقاعدة ماداما، بالنظر إلى موقعها القريب من الحدود الليبية وإشرافها على محاور العبور في منطقة الساحل، ويرى أن تداخل المصالح الإماراتية والإسرائيلية والفرنسية، إلى جانب تحركات قوات حفتر، يجعل من تشاد ومحيطها الإقليمي ساحة للتنافس، بما قد يؤثر في موازين القوى والمصالح الطاقوية الجزائرية في النيجر.
وتضع هذه التطورات قرار إرسال القوات الجزائرية في سياق يتجاوز حماية المنشآت النفطية، ليشمل أمن الحدود والممرات الصحراوية وتعزيز التعاون مع النيجر في مواجهة التهديدات العابرة للحدود، ومع ذلك، يظل تحديد مواقع انتشار الوحدات الجزائرية وطبيعة مهامها الميدانية مرهوناً بما تعلنه السلطات الجزائرية والنيجرية رسمياً، ولا تتيح المعطيات المتاحة الجزم بأن القوات ستتمركز في قاعدة ماداما أو أن مهمتها ستتجاوز الأهداف المعلنة لحماية المصالح المشتركة.
أحمد توبا قريب من الانتقال إلى باناثينكوس اليوناني لتعزيز صفوفه في الموسم المقبل
