أدخلت الهجمات المتتالية على منشآت النفط والكهرباء في الزاوية خلال أغسطس 2026 اسم أوكرانيا إلى قلب الصراع داخل غرب ليبيا.
وجاء الربط بعد تصريح للمحلل الليبي محمد قشوط بين فيه أن أوكرانيين يديرون غرفة للطيران المسير والانتحاري في طرابلس، وأن نشاط هذه الغرفة يرتبط بالهجمات التي طالت الزاوية واستهداف ناقلات مرتبطة بروسيا في البحر المتوسط.
وتقاطعت روايته مع تقارير سابقة تحدثت عن انتشار خبراء أوكرانيين في طرابلس ومصراتة والزاوية، وتوليهم مهام التدريب والتشغيل والتنسيق مع تشكيلات عسكرية مرتبطة بحكومة الوحدة الوطنية منتهية الولاية.
استهدفت الضربات خزانا للنافثا ووحدة تحلية وخزانات وقود ومحطة كهرباء بين 8 و12 أغسطس، كما أدى حريق أحد الخزانات إلى انهياره وفي داخله نحو 4.5 ملايين لتر من البنزين، بينما أخرج استهداف محطة جنوب الزاوية أكثر من 700 ميغاواط من قدرة التوليد.
لم تعلن جهة مسؤوليتها، ولم تسم المؤسسة الوطنية للنفط أو حكومة الوحدة المهاجمين، ووضعت تقارير إعلامية الهجمات ضمن النزاع بين حكومة عبد الحميد الدبيبة ومحمد بحرون والقوى المسلحة المتنافسة في المدينة، وسجل مشروع ACLED أكثر من 30 اشتباكا في الزاوية منذ بداية 2026، مع استخدام سابق للمسيرات في صدامات محلية.
اتهام يملك سياقا ولا يملك
لا يعني اتهام قشوط أن الحديث عن وجود أوكراني في طرابلس بدأ مع حرائق الزاوية، ونشرت إذاعة فرنسا الدولية في أبريل 2026 تحقيقا استند إلى مصدرين ليبيين، وتحدث عن أكثر من 200 ضابط وخبير أوكراني موزعين بين أكاديمية القوات الجوية في مصراتة، وموقع ساحلي قرب مليتة والزاوية، ومقر اللواء 111 على طريق مطار طرابلس.
وبينت الإذاعة إن الموقع الساحلي جهز خلال خريف 2025 لإطلاق مسيرات جوية وبحرية، وإن مقر اللواء يستخدم للتنسيق مع مسؤولين عسكريين في حكومة الوحدة.

دعمت أسوشيتد برس الرواية عندما نقلت عن مسؤولين ليبيين اثنين أن خبراء مسيرات أوكرانيين يعملون في مصراتة وطرابلس والزاوية ضمن اتفاق سري مع حكومة الدبيبة، واختلف تقريرها مع تحقيق الإذاعة في تحديد نقطة إطلاق الهجوم على ناقلة الغاز الروسية “أركتيك ميتاغاز”، ونسبتها الوكالة إلى منشأة عسكرية في طرابلس، بينما وضعتها RFI قرب مليتة.
الاختلاف لا يمس أصل الرواية المتعلقة بتنفيذ الهجوم عبر شبكة أوكرانية تنشط في غرب ليبيا، ولا يتعلق بما أوردته عن استهداف الناقلة أو مواقع الانتشار الأوكراني.
ترسم هذه التقارير بنية عملياتية تمتد من طرابلس إلى مصراتة والزاوية، وتضع غرفة الطيران المسير في العاصمة ضمن شبكة تشمل التدريب والتشغيل وتنفيذ المهام، كما تستفيد الشبكة من منظومات المسيرات ومراكز التحكم القائمة في معيتيقة ومصراتة، إلى جانب المواقع العسكرية القريبة من الساحل، بما سمح بدمج الخبرة الأوكرانية مع القدرات التي راكمتها التشكيلات المرتبطة بحكومة الوحدة.

ضمن هذا المسار، تمثل هجمات الزاوية انتقالا من استخدام المسيرات في عمليات محدودة على الساحل الغربي إلى استهداف منشآت النفط والكهرباء، بالتوازي مع توسيع العمليات ضد المصالح الروسية في البحر المتوسط.
الألياف الضوئية تضيق دائرة الإطلاق
أضافت المعطيات الأخيرة بشأن نوع المسيرات المستخدمة في هجمات الزاوية قرينة تقنية إلى سلسلة المؤشرات المحيطة بالوجود الأوكراني.
يتحدث تقرير لإذاعة فرنسا الدولية عن مسيرات من طراز FPV مرتبطة بالمشغل عبر كابلات من الألياف الضوئية، وهي تقنية انتشر استخدامها في الحرب الأوكرانية وتمنح الطائرة حصانة أكبر أمام التشويش الإلكتروني، لكنها تقيد حركتها بطول الكابل الذي يصل في بعض الأنظمة إلى عشرات الكيلومترات.

تكتسب هذه الجزئية أهميتها من تقاطعها مع تحقيق سابق للإذاعة تحدث عن قاعدة في الزاوية مجهزة لإطلاق المسيرات الجوية والبحرية قرب مجمع مليتة، ما يرجح أن الطائرات التي استهدفت المنشآت الحيوية انطلقت من نطاق قريب نسبيا من أهدافها.
هذا التقاطع يضيق جغرافيا دائرة الاحتمالات ويحول وجود الخبراء ومواقع التشغيل من خلفية عامة إلى قرينة عملياتية تستحق التحقيق.
التعاون مع حكومة الوحدة وحدود المعرفة السياسية
بدأ المسار العلني للتعاون قبل التقارير السرية، حيث استقبل مدير مكتب وزير الدفاع الليبي الملحق العسكري الأوكراني أندري بايوك في طرابلس مطلع 2023، وبحث الطرفان أمن الحدود الجوية والبحرية وصيانة معدات خفر السواحل والدفاع الجوي.
في يوليو 2024 عين الدبيبة آمر اللواء 111 عبد السلام الزوبي وكيلا لوزارة الدفاع، وظهر بعد ذلك اسم الزوبي في تحقيق RFI بوصفه ممثل الجانب الليبي في التنسيق مع الأوكرانيين، من دون وثائق منشورة تثبت طبيعة هذا الدور.

تتجاوز أهمية هذه الصلة مسألة الاجتماعات، فأعلنت وزارة دفاع حكومة الدبيبة في نوفمبر 2025 أن مسيرات تابعة لها ضربت قوارب في ميناء زوارة بدعوى مكافحة تهريب المهاجرين، وهذه السابقة تثبت أن أجهزة مرتبطة بالحكومة تمتلك سلسلة قيادة قادرة على اختيار أهداف داخل الساحل الغربي وتنفيذ ضربات جوية.
يؤكد تمركز الفرق الأوكرانية داخل مقر عسكري على طريق المطار وفي موقع ساحلي محمي أن نشاطها يستند إلى موافقة جهة نافذة قادرة على توفير الأمن والاتصالات وحرية الحركة، ولا ينفي تعدد مراكز القوة في طرابلس هذا الوجود أو طابعه العسكري، بل يوضح آلية إدارته، فتتداخل مؤسسات حكومة طرابلس مع ألوية تحتفظ بقياداتها ومصالحها وشبكاتها المالية، بما يسمح لدائرة داخل وزارة الدفاع أو لقيادة لواء بتوفير الغطاء والتنسيق وتحديد المهام مع الجانب الأوكراني.

ليس ضروريا أن تمر كل عملية عبر مجلس الوزراء بكامل هيئته، لكنها تنفذ داخل بيئة رسمية وأمنية مرتبطة بالحكومة وبعلم جهات نافذة فيها، فيما يتحول التدريب والتشغيل المشترك إلى قاعدة لاستخدام الخبرة الأوكرانية مباشرة في العمليات العسكرية داخل ليبيا.
المصالح الروسية تقدم القرينة الأقوى
الدليل الأوضح على النشاط الأوكراني قرب ليبيا لا يتعلق بالزاوية بل بالملاحة الروسية، ففي ديسمبر 2025 أبلغ مصدر في جهاز الأمن الأوكراني رويترز أن الجهاز استهدف ناقلة النفط “كينديل” بمسيرات جوية في المياه الدولية قبالة ليبيا، وتحققت الوكالة من هوية السفينة في التسجيل المصور، بينما بقي مكان إطلاق المسيرات مجهولا.
وفي مارس 2026 تعرضت “أركتيك ميتاغاز”، وهي ناقلة غاز روسية لهجوم في البحر المتوسط. اتهمت موسكو أوكرانيا بإطلاق مسيرات بحرية من الساحل الليبي، ثم ربطت RFI وأسوشيتد برس العملية بالوجود الأوكراني في غرب ليبيا.

تكشف العمليتان قيمة ليبيا في الاستراتيجية الأوكرانية، فيمنح الساحل الممتد من مصراتة إلى مليتة وصولا مباشرا إلى طرق السفن بين شرق المتوسط ومضيق جبل طارق، وتستطيع كييف من غرب ليبيا تهديد خطوط النقل البحري والضغط على موارد روسيا من دون إرسال قوة كبيرة أو إعلان جبهة جديدة.

الصيغة المرجحة لهذا النشاط هي شبكة من ضباط استخبارات وخبراء مسيرات ومتعاقدين تعمل داخل منشآت ليبية؛ تجعل كييف قادرة على إنكار إرهابي، وتمنح الشريك الليبي التكنولوجيا والتدريب، وتترك المسؤولية السياسية موزعة بين الحكومة ووزارة الدفاع والقادة المحليين.
التجنيد الإفريقي ورواية الجبهة الثانية
أضافت وكالة “ريا نوفوستي” الروسية في 12 و14 أغسطس رواية عن تجنيد أوكرانيين لمواطنين سودانيين وأفارقة داخل مراكز في تاجوراء وطريق المطار ومعسكر التكبالي، تحت غطاء وظائف أمنية، ثم تدريبهم لإرسالهم إلى أوكرانيا ومالي والسودان.
تنسجم الرواية مع مواجهة أوكرانية أوسع للنفوذ الروسي في إفريقيا، وفي 2024 قال متحدث للاستخبارات العسكرية الأوكرانية إن متمردين في مالي حصلوا على معلومات ساعدتهم في عملية أوقعت خسائر كبيرة في القوات المالية، قبل أن تنفي كييف تسليح المتمردين بالمسيرات، ظهرت تقارير أيضا عن عناصر أوكرانية في السودان.

يضع هذا المسار طرابلس ضمن شبكة أوكرانية أوسع لإدارة المواجهة مع روسيا خارج أوروبا، تشمل استقطاب عناصر إفريقية وتدريبها وتوجيهها إلى ساحات متعددة.
منصة للحرب الخارجية وأداة للصراع الداخلي
تحول غرب ليبيا وفق التقارير إلى جبهة متقدمة للنشاط الأوكراني، مستفيدا من انقسام السلطة وتعدد مراكز القرار وضعف الرقابة على القواعد والسلاح.
أتاح هذا الواقع إنشاء شبكة عمليات تربط الخبراء الأوكرانيين بتشكيلات محلية ومواقع لتشغيل المسيرات في طرابلس ومصراتة والزاوية، ويؤكد استهداف السفن الروسية استخدام المجال الليبي في إدارة المواجهة مع موسكو خارج أوروبا، فيما تندرج هجمات الزاوية ضمن المسار العملياتي نفسه القائم على توظيف المسيرات ضد منشآت حيوية ومصالح مرتبطة بروسيا.

الخطر لا يتوقف على هوية من أطلق مسيرات أغسطس، فإدخال خبرة الحرب الأوكرانية إلى بنية أمنية ليبية هشة يخفض كلفة الهجوم على منشآت النفط والكهرباء ويمنح القوى المحلية وسيلة ضغط لا تحتاج إلى حشد عسكري واسع.
صمت حكومة طرابلس عن طبيعة الاتفاقات والوجود الأجنبي يحرم الليبيين من معرفة ما إذا كانت أراضيهم تستخدم لحماية الدولة أم لتصفية صراعات داخلية وخوض حرب دولية بالوكالة.
بقلم: مازن بلال
إنقاذ 220 مهاجراً غير شرعي قرب السواحل الليبية
