21 أبريل 2026

دخل الخلاف بين رئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي ورئيس حكومة الوحدة الوطنية منتهية الولاية، عبد الحميد الدبيبة، مرحلة أكثر حدة بعد الخطاب الذي وجهه المجلس الرئاسي في 19 أبريل 2026، وطلب فيه الإيقاف الفوري للطاهر الباعور، المكلف بتسيير وزارة الخارجية، عن أي مهام تتصل بالتمثيل الخارجي للدولة.

اعتبر المجلس أن هذا التكليف “غير مشروع” متى تجاوز الأعمال الإدارية والمكتبية إلى ممارسة اختصاصات سيادية، كما دعا الحكومة إلى تقديم مرشح رسمي لحقيبة الخارجية وفق الإجراءات المعتمدة، وأكد تعليق الآثار القانونية للمراسلات السابقة الصادرة عن المسؤول المعني.

هذا التطور ليس حادثة منفصلة، بل امتداد مباشر لمسار تصادمي سبق أن ظهر بوضوح في مارس، حين شدد المنفي في خطاب رسمي على أن أي تعديل في تركيبة الحكومة يجب أن يتم وفق الإطار الدستوري والاتفاق السياسي والإجراءات المرتبطة بهما، فأزمة الباعور ليست مفاجأة، بل النتيجة المنطقية لتراكم خلافات على حدود السلطة داخل المعسكر التنفيذي نفسه في غرب ليبيا.

من الباعور إلى سؤال التمثيل الخارجي

النزاع في تفاصيله يدور حول شخص الباعور، أما في العمق فيتصل بسؤال أكثر حساسية، فمن يملك حق التحدث باسم ليبيا في الخارج؟ فالمجلس الرئاسي يرى أن الخارجية، بوصفها حقيبة سيادية، لا يجوز أن تدار بتكليف إداري مطاط، ولا أن تستخدم لتجاوز التراتبية القانونية للتمثيل الرسمي.

من هذه الزاوية، فإن اعتراض المنفي ليس بلا أساس؛ إذ إن الأعراف الدبلوماسية لا تعترف بصفة التمثيل الخارجي إلا لمن يمتلك تفويضاً قانونياً واضحاً، وأي التباس في هذا الباب يربك القنوات الرسمية للدولة ويخلق ازدواجية في الرسائل والمواقف.

لكن الأزمة لا تقف عند هذا الحد، فالدبيبة، منذ التعديل الحكومي الذي أعلن عنه في 12 مارس 2026، أدار التغيير الوزاري بمنطق الضرورة التنفيذية وتحسين الأداء، مع الإبقاء على سيطرته المباشرة على حقائب حساسة بينها الخارجية، وهذا الأسلوب يثير النزاع حين يتحول إلى آلية دائمة لإدارة الوزارات السيادية خارج مسار الاعتماد السياسي الكامل.

لماذا المنفي محق سياسياً ولكنه ليس مكتمل الحجة قانونياً؟

سياسياً، يملك المنفي جزءاً مهماً من الحجة، فوزارة الخارجية في ليبيا ليست وزارة خدمات، بل منصة سيادة واعتراف دولي، وتتقاطع عندها ملفات الطاقة والهجرة والعلاقات الإقليمية والتفاهمات الأمنية، واعتراضه على ممارسة الباعور أدواراً تمثيلية واسعة يبدو منسجماً مع طبيعة المنصب نفسه.

كما أن تحرك المنفي خلال أبريل لتشديد “الضوابط” في المجال العسكري، والتأكيد على الالتزام بالإجراءات القانونية داخل المؤسسة الأمنية، ينسجم مع توجه أوسع لديه لتقييد التوسع التنفيذي غير المنضبط.

غير أن المنفي لا يملك أن يحصر الحل في مطالبة الدبيبة بتقديم مرشح جديد، وكأن عقدة الشرعية تحل داخل دائرة التفاهم بين المجلس الرئاسي والحكومة فقط،، فالثغرة الأساسية في رؤية المنفي في أنه تجاهل الجهة التي منحت الحكومة أصلاً شرعيتها السياسية.

لماذا الدبيبة مخطئ حتى لو استند إلى منطق الاستمرارية؟

في المقابل، يتصرف الدبيبة كما لو أن مقتضيات الاستمرارية الإدارية تمنحه حق إدارة الوزارات الشاغرة أو المتنازع عليها بالتكليف إلى أن تستقر التوازنات، فالانتقال من “تسيير الأعمال” إلى “ممارسة السيادة” هي النقطة التي يفقد عندها التكليف الإداري براءته الإجرائية ويتحول إلى نزاع دستوري وسياسي.

تزداد حساسية هذا الخطأ لأن الدبيبة يواصل، في الوقت نفسه، توسيع حضوره الخارجي وربط حكومته بتفاهمات إقليمية ودولية، ففي 17 أبريل، شدد خلال لقائه مستشاراً أميركياً على استمرار التعاون مع الولايات المتحدة، وعلى أهمية التمرين العسكري “فلينتلوك 2026” في سرت بوصفه عاملاً لتعزيز التنسيق وبناء الثقة بين الوحدات العسكرية.

هذه الرسائل تعني عملياً أن رئيس الحكومة لا يدير فقط شؤوناً يومية، بل يرسخ لنفسه موقعاً سياسياً وأمنياً أوسع، ما يجعل النزاع على من يمثل ليبيا خارجياً أكثر احتداماً.

العقدة الحقيقية: اختصاص اعتماد الوزراء

المنفي والدبيبة معاً على خطأ في تجاهل مسألة اعتماد الوزراء الذي يعود في أصله السياسي والإجرائي، إلى مجلس النواب، فحكومة الوحدة الوطنية لم تكتسب صفتها التنفيذية الكاملة إلا بعد أن منحها مجلس النواب الثقة في 10 مارس 2021 بأغلبية 132 صوتاً، ثم أدت اليمين أمامه لاحقاً.

كما أن وثائق المسار الأممي نصت صراحة على أن حكومة الوحدة تعرض على مجلس النواب لنيل الثقة، ما يعني أن أي تعديل في تركيبة الحكومة، وخصوصاً في الحقائب السيادية، لا يستكمل مشروعيته بمجرد التفاهم بين رئيس الحكومة والمجلس الرئاسي، ولا بمجرد تكليف إداري يصدر عن رئيس الوزراء.

الدبيبة يتصرف وكأن التسيير التنفيذي يمكن أن يحل محل الاعتماد السياسي، والمنفي يطلب “مرشحاً” من دون أن يربط المسألة بوضوح بمسار الاعتماد الذي يمر عبر البرلمان، فالأزمة ليست فقط صراعاً على النفوذ، بل انعكاس لاختلال عميق في فهم التسلسل المؤسسي الذي تأسست عليه حكومة الوحدة نفسها.

مفارقة اللحظة: تقدم مالي وتراجع سياسي

ما يزيد المشهد مفارقة أن هذا الاشتباك انفجر بعد أيام من توقيع أول ميزانية موحدة في ليبيا منذ 2013، ففي 11 أبريل 2026 أقرت ميزانية موحدة بقيمة 190 مليار دينار ليبي بعد تفاهم بين مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة، ورحب بها المصرف المركزي واعتبرها خطوة نحو الاستقرار المالي، كما دعمتها عشر دول عربية وغربية، ورأت فيها فرصة لتعزيز التنسيق الاقتصادي والحفاظ على قيمة الدينار وجذب الاستثمار.

غير أن هذا الإنجاز المالي يكشف في الوقت ذاته حدود الانفراج الليبي، فليبيا استطاعت أن تتقدم خطوة في ملف توزيع الإنفاق، لكنها لم تحل بعد سؤال من يملك القرار السيادي ومن يضبط عمل السلطة التنفيذية، وهذا التقدم نفسه رفع منسوب التنافس داخل غرب ليبيا، لأن كل طرف بات يريد أن يثبت أنه الشريك الأحق بترجمة “الوحدة المالية” إلى نفوذ سياسي داخلي وخارجي، ما يفسر لماذا جاء قرار المنفي ضد الباعور مباشرة بعد موجة الترحيب الدولية بالميزانية الموحدة، فكلما تحسنت فرص إعادة ترتيب الدولة، ازدادت شراسة المعركة على من يحتكر تمثيلها.

أزمة نظام لا مجرد أزمة منصب

القضية في التصعيد الأخير في غرب ليبيا ليست الباعور وحده، ولا حتى وزارة الخارجية، بل أزمة نظام انتقالي طال أكثر مما ينبغي، وتداخلت فيه الضرورة بالشرعية، والأمر الواقع بالنصوص، والتفاهمات الخارجية بالهشاشة الداخلية.

المنفي محق في الاعتراض على العبث بالصفة التمثيلية للوزارة السيادية، لكنه يتعامل مع المسألة باعتبارها نزاعاً يحسم بينه وبين الدبيبة فقط، والدبيبة يجعل من الاستمرارية التنفيذية بديلاً عن الشرعية المؤسسية، والطرفان يحاولان القفز فوق مسألة اعتماد الوزراء الذي يعتبر اختصاصاً يمر عبر مجلس النواب.

لا يكشف تصعيد غرب ليبيا خلافاً شخصياً عابراً، بل يفضح مأزقاً أوسع، فالدولة تتقدم مالياً ببطء، لكنها ما تزال عاجزة عن حسم سؤال الشرعية السياسية، ولذلك يظل كل منصب سيادي فيها مرشحاً لأن يتحول من أداة حكم إلى ساحة اشتباك.

بقلم نضال الخضري

الشرطة الإسبانية توقف شبكة تهريب خيول إلى ليبيا

اقرأ المزيد