اختارت روسيا معرض العلمين الدولي للطيران والفضاء 2026 لتعلن، بوضوح، أن شمال إفريقيا لم يعد بالنسبة إليها مجرد سوق لتصدير الطائرات والأسلحة، وإنما منطقة استراتيجية ضمن تحرك أوسع يربط البحر المتوسط بالقارة الإفريقية، ويجمع بين التعاون العسكري ومشاريع الطاقة والصناعة والأمن الغذائي.
وقال النائب الأول للمدير العام لـ”شركة الطائرات المتحدة” الروسية، سيرغي ياركوفوي، خلال المعرض الذي تستضيفه مصر، إن شمال إفريقيا، وفي مقدمتها السوق المصرية، يحظى بأهمية استراتيجية في خطط موسكو لتسويق طائراتها وتقنياتها الجوية المتطورة.
وأوضح ياركوفوي أن الشركة تواصل تطوير مقاتلة الجيل الخامس “سو-57″، سواء على مستوى الطائرة أو الأسلحة المستخدمة معها، كاشفاً عن تقديم منظومة “إس-71” للمرة الأولى في السوق العالمية.

وتضم المنظومة منصات لإطلاق القنابل والذخائر الجوية المختلفة، وتتميز بانخفاض قابلية رصدها ومداها الطويل ودقتها في إصابة الأهداف.
وتشارك روسيا في معرض العلمين بطائرة “سو-57 إي”، ومنصتي “إس-71 إم” و”إس-71 ك”، إلى جانب طائرة التدريب والقتال المطوّرة “ياك-130 إم”، التي تُعرض للمرة الأولى في المنطقة.
ويعكس حجم المشاركة الروسية رغبة موسكو في استثمار المعرض منصةً للوصول إلى أسواق لا تزال تعتمد بصورة واسعة على الطائرات والتقنيات العسكرية الروسية، وفي مقدمتها الجزائر، إلى جانب دول تبحث عن تنويع مصادر تسليحها وعدم الارتهان الكامل للصناعات الغربية.
وكانت “شركة الطائرات المتحدة” قد أعلنت ارتفاع الطلب على تقنياتها الجوية في إفريقيا والشرق الأوسط، مرجعة ذلك إلى أداء الطائرات الروسية خلال استخدامها في ظروف قتالية فعلية. ويبدو أن موسكو تحاول تحويل خبرتها الميدانية إلى أداة تسويقية، عبر تقديم منتجاتها باعتبارها أسلحة مجرّبة، مع عرض خيارات للتدريب والصيانة والتطوير ونقل بعض الخبرات التقنية.
لكن أهمية شمال إفريقيا بالنسبة إلى روسيا تتجاوز سوق السلاح. فالمنطقة تمنح موسكو منفذاً واسعاً على البحر المتوسط، وقرباً من جنوب أوروبا، وبوابةً نحو دول الساحل وإفريقيا جنوب الصحراء، كما تمثل سوقاً كبيرة للطاقة والحبوب والتكنولوجيا والمشاريع الصناعية.
وتحتل مصر موقعاً مركزياً في هذه الاستراتيجية، ليس فقط بسبب ثقلها السياسي والعسكري، وإنما أيضاً بسبب قناة السويس وموقعها الرابط بين البحرين المتوسط والأحمر.
ويتجسد الحضور الروسي فيها عبر مشروع محطة الضبعة النووية، التي تتولى شركة “روساتوم” إنشاءها بأربعة مفاعلات روسية، ومن المتوقع أن تؤمّن عند تشغيلها نحو 10% من احتياجات مصر من الكهرباء.

كما تعمل الدولتان على دفع مشروع المنطقة الصناعية الروسية في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، بما يتيح للشركات الروسية تصنيع منتجاتها داخل مصر وتصديرها إلى أسواق إفريقيا والشرق الأوسط.
وتحاول روسيا إضافة بُعد غذائي ولوجستي إلى شراكتها مع القاهرة. ففي أبريل الماضي، طرح الرئيس الروسي فلاديمير بوتين فكرة إنشاء مركز للحبوب والطاقة في مصر، لتخزين المنتجات الروسية وإعادة توزيعها في إفريقيا والشرق الأوسط.
وتكتسب الفكرة أهميتها من كون مصر واحدة من أكبر مستوردي القمح الروسي، إذ بلغت مشترياتها منه 7.6 ملايين طن خلال الموسم المشار إليه، ما يجعل التعاون في الحبوب جزءاً من منظومة أمن غذائي تتجاوز العلاقة التجارية التقليدية.
أما الجزائر، فتمثل الشريك العسكري الأهم لروسيا في شمال إفريقيا، في ظل علاقات دفاعية تعود إلى الحقبة السوفياتية، واعتماد واسع داخل الجيش الجزائري على الأسلحة والمنظومات الروسية.
وتحرص موسكو على الحفاظ على هذه العلاقة عبر صفقات التسليح وبرامج التدريب والصيانة والتعاون التقني، بالتوازي مع محاولات توسيع الشراكة لتشمل قطاعات الزراعة والطاقة والصناعة والنقل.
وفي يونيو 2026، وصفت الحكومة الروسية الجزائر بأنها أحد شركائها الأساسيين في شمال إفريقيا، في وقت استمر فيه التنسيق العسكري بين البلدين، بما في ذلك زيارة مجموعة من السفن التابعة للأسطول الروسي إلى الجزائر ضمن برنامج التعاون العسكري لعام 2026.
ويمنح هذا التعاون موسكو شريكاً رئيسياً في غرب المتوسط، كما يتيح للجزائر الحفاظ على سياسة تنويع علاقاتها الدولية والابتعاد عن الارتباط بمحور غربي واحد.
وفي ليبيا، اتخذ الدور الروسي طابعاً أكثر وضوحاً، مستفيداً من العلاقة التي طورتها موسكو مع المشير خليفة حفتر القائد العام للقوات المسلحة العربية الليبية. وتعتبر روسيا ليبيا جسراً نحو دول الساحل، نظراً إلى موقعها واتصال جنوبها بحدود تشاد والنيجر والسودان، بما يسمح بربط الحضور الروسي في شمال إفريقيا بتحركاته في مالي والنيجر وبوركينا فاسو.

وتحافظ موسكو عبر هذه العلاقة على قدرة مؤثرة في الملف الليبي، بالتوازي مع التواصل مع الأطراف الأخرى وعدم إغلاق قنواتها السياسية.
كما ظهرت أهمية المسار الليبي في ملفات تتجاوز حدود البلاد، بعدما ساهمت السلطات في شرقي ليبيا، في أغسطس، في تحرير مواطن أميركي كان محتجزاً لدى جماعة مرتبطة بتنظيم “داعش” في منطقة الساحل، ونقله عبر الأراضي الليبية.
ولا تغيب تونس والمغرب عن التحرك الروسي، وإن بقيت العلاقات معهما ذات طابع اقتصادي وتجاري أكبر. فقد ارتفعت التجارة بين روسيا والمغرب بنحو 30% خلال النصف الأول من عام 2025، فيما وصلت قيمة التبادل التجاري بين روسيا وتونس إلى نحو 2.8 مليار دولار خلال عام 2024، مدفوعة بصادرات الحبوب والزيوت والمواد الغذائية الروسية.
وتبحث موسكو، منذ سنوات، إمكان إقامة ترتيبات للتجارة الحرة مع مصر والجزائر وتونس والمغرب، في محاولة لتحويل حضورها السياسي إلى شبكة اقتصادية أكثر استدامة.
وبذلك، لا يمكن فصل عرض مقاتلة “سو-57” والمنظومات الجديدة في العلمين عن المشهد الروسي الأوسع في شمال إفريقيا. فموسكو تتحرك في مصر عبر الطاقة النووية والحبوب والصناعة والطيران، وفي الجزائر عبر شراكة عسكرية وتقنية طويلة الأمد، وفي ليبيا من خلال الحضور الأمني والسياسي والارتباط بمنطقة الساحل، فيما تعتمد مع تونس والمغرب على التجارة والطاقة والأمن الغذائي.
ويمنح تنوع هذه الأدوات روسيا قدرة على التحرك بمرونة، بعيداً عن النموذج القائم على التحالفات السياسية الصلبة. فهي تعرض على دول المنطقة السلاح والطاقة والحبوب والاستثمار، بالتوازي مع خطاب يقوم على احترام السيادة وعدم فرض شروط سياسية مرتبطة بنظام الحكم. وفي المقابل، تحصل موسكو على أسواق جديدة، ومنافذ استراتيجية على المتوسط، وشركاء يساعدونها على توسيع حضورها في القارة ومواجهة محاولات عزلها دولياً.
من هنا، يبدو إعلان “شركة الطائرات المتحدة” عن الأهمية الاستراتيجية لشمال إفريقيا تعبيراً عن سياسة روسية متكاملة، لا مجرد حملة لتسويق مقاتلة جديدة. فالطيران يشكل إحدى بوابات هذا الحضور، لكنه يتحرك ضمن مشروع أوسع تسعى روسيا من خلاله إلى تثبيت نفسها شريكاً عسكرياً واقتصادياً وسياسياً طويل الأمد في واحدة من أكثر مناطق القارة حساسية وتأثيراً.
الجزائري سعيد بن رحمة يتألق في الدوري الفرنسي
