21 مايو 2026

جاء الحكم الصادر في قضية سيف الإسلام القذافي، بعد مقتله، كإعلان متأخر عن عبثية ملف ظل مفتوحاً لسنوات طويلة، ثم أغلق حين فقدت القضية قيمتها السياسية والعملية، لا بوصفه نهاية طبيعية لمسار قضائي مكتمل.

القضية التي بدأت بوصفها عنواناً للعدالة الانتقالية والمحاسبة على أحداث دامية، انتهت إلى تبرئة المتهمين أو سقوط الدعوى عن بعضهم، بعدما تغير المشهد، وتبدلت موازين القوى، وغاب عدد من أطرافها موتاً أو قتلاً أو اختفاء.

المفارقة القاسية أن الحكم صدر بعد أن استنزفت جدوى العدالة نفسها؛ فلا الضحايا وجدوا حقيقة مكتملة تنصف ذاكرتهم، ولا المتهمون نالوا حسماً قضائياً في زمن معقول يحفظ لهم حق الدفاع والاعتبار، فتحول الزمن، في هذه القضية، من إطار للإجراءات إلى جزء من العقوبة، ومن ضمانة للتثبت إلى وسيلة لتعليق المصائر.

قضية ولدت من السياسة

لم تكن هذه القضية ملفاً قضائياً عادياً، حيث ولدت في مناخ سياسي شديد الاضطراب، عقب انهيار نظام معمر القذافي، وفي ظل رغبة عارمة في محاسبة رموز النظام السابق.

كان مطلب المحاسبة مشروعاً من حيث المبدأ، لأن الدماء التي سقطت والانتهاكات التي ارتكبت لا يجوز أن تطوى بلا مساءلة، لكن المشكلة أن العدالة، حين تدار في ظل الانقسام والسلاح والانتقام السياسي، تتحول سريعاً من أداة إنصاف إلى وسيلة تصفية حساب.

استخدمت القضية أداة لإبقاء شخصيات النظام السابق خارج المجال العام، وكان سيف الإسلام القذافي في قلب هذه المعادلة ليس بسبب اتهام جنائي، بل لأنه كان يمثل احتمالاً سياسياً مزعجاً لخصومه.

ظل الملف حاضراً كلما اقترب الرجل من العودة إلى المشهد، وغامضاً كلما اقتضت الحسابات السياسية تأجيل الحسم.

سيف الإسلام.. المتهم الذي لم تكتمل محاكمته

مقتل سيف الإسلام القذافي قبل اكتمال المسار القضائي أفرغ القضية من أحد أهم عناصرها، فالرجل لم يكن متهماً عادياً، بل كان شخصية مركزية في سردية أحداث 2011، وفي الصراع على شرعية ما بعد القذافي، وبموته، لم تغلق الدعوى ضده فقط، بل أغلق أيضاً باب مهم من أبواب الحقيقة.

كان يمكن لمحاكمة جدية وعلنية ومنضبطة أن ترسم خريطة المسؤولية كاملة، من مستويات القرار، وسلاسل التنفيذ، وحدود المسؤولية السياسية والجنائية، والفارق بين المحاسبة على أفعال محددة وبين تجريم الانتماء إلى نظام مهزوم.

لكن غياب المحاكمة الفاعلة، ثم غياب المتهم نفسه، جعلا الحقيقة ناقصة من جهتين؛ الضحايا الذين لم يحصلوا على رواية قضائية متماسكة، والمتهم الذي لم يحاكم حتى النهاية في حياته.

لاهاي وطرابلس.. مساران متوازيان لعدالة ليبية متعثرة

بالتزامن مع الحكم ببراءة 31 من قيادات النظام الليبي السابق، بدأت المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي محاكمة خالد الهيشري، الملقب ب”البوطي”، في أول إحالة فعلية لمتهم ليبي منذ فتح تحقيقات المحكمة في الملف الليبي عام 2011.

ويواجه الهيشري، القيادي السابق في جهاز الردع والمشرف السابق على قسم النساء في سجن معيتيقة، اتهامات بارتكاب انتهاكات جسيمة بحق مهاجرين ومحتجزين، بينها التعذيب والاحتجاز التعسفي والإذلال الجنسي، قبل انتقاله عام 2022 إلى جهاز الشرطة القضائية وتوليه إدارة سجن الجديدة في طرابلس.

وشمل حكم محكمة استئناف طرابلس بالبراءة شخصيات بارزة من نظام معمر القذافي، من بينهم عبد الله السنوسي، والبغدادي المحمودي، ومنصور ضوء، ومحمد أبو القاسم الزوي، ومحمد أحمد الشريف، بعد مسار قضائي استمر أكثر من 12 عاماً منذ قيد القضية عام 2014، ونحو 15 عاماً على اندلاع “الثورة الليبية”، كما قضت المحكمة بسقوط الدعوى عن مسؤولين سابقين توفوا قبل صدور أحكام الإدانة، أبرزهم أبو زيد دوردا وعبد الحفيظ الزليطني، في مشهد يعكس تعقيدات العدالة الليبية بين قضايا محلية استنزفها الزمن، وملفات دولية تتقدم ببطء تحت إشراف المحكمة الجنائية الدولية.

خمسة عشر عاما من التعليق القضائي

أحد أخطر أوجه هذه القضية هو الزمن، فالعدالة التي تأتي بعد خمسة عشر عاماً لا تكون عدالة كاملة، حتى لو انتهت إلى حكم صحيح من الناحية الشكلية.

الزمن هنا لم يكن تفصيلاً إدارياً، بل جزءاً من العقوبة، فبقاء إنسان سنوات طويلة رهن التحقيق أو الاتهام أو الملاحقة، من دون حسم قضائي واضح، يعني أن الدولة عاقبته قبل أن تثبت إدانته.

ينطبق هذا الأمر على جميع الأطراف، فالمتهمون عاشوا تحت وطأة قضية مفتوحة بلا نهاية، والضحايا تحت وطأة انتظار لا ينتهي، والمجتمع بقي عالقاً بين روايات متناقضة، وكل طرف كان ينتظر حقيقة ما تأخرت حتى فقدت قدرتها على الفعل.

براءة لا تنهي الجرح

تبرئة المتهمين لا تعني بالضرورة أن الجرح الوطني أغلق، فالبراءة القضائية تعني أن المحكمة لم تجد ما يكفي للإدانة، أو أن الملف لم يبن بطريقة قانونية راسخة، لكنها لا تجيب وحدها عن سؤال الضحايا من المسؤول عن الدم؟ ولا تجيب عن سؤال المجتمع لماذا استمر الملف كل هذه السنوات إذا كان هشاً إلى هذا الحد؟

تظهر هنا المأساة الحقيقية، فإذا كانت الأدلة غير كافية، فلماذا ترك الناس خمسة عشر عاماً في دائرة الاتهام؟ وإذا كانت كافية، فلماذا لم تنجز المحاكمة في وقتها؟ وفي الحالتين، تبدو الدولة عاجزة، فإما أنها فتحت قضية بلا أساس قانوني متين، أو أنها امتلكت أساساً ولم تستطع إدارته بعدالة وشفافية.

القضاء بين السلاح والسلطة

لا يمكن عزل هذه القضية عن السياق الليبي العام، فليبيا بعد 2011 لم تعرف دولة مستقرة قادرة على احتكار القوة وتوحيد المؤسسات.

القضاء عمل في بيئة منقسمة، محاصرة بالسلاح والولاءات المحلية والضغوط السياسية، وفي مثل هذه البيئة، تصبح القضايا الكبرى رهينة التوازنات لا النصوص القانونية وحدها.

القاضي يملك أحياناً النص، لكنه لا يملك دائما القدرة على حماية مساره من نفوذ القوى المسلحة أو السياسية، والنيابة تفتح ملفاً، لكنها تعجز في بعض الحالات عن استكماله، والمتهم يستدعى إلى المحكمة، لكنه يكون في قبضة تشكيل مسلح أو خارج سلطة الدولة.

لم تكن القضية اختباراً لسيف الإسلام ورفاقه فقط، بل كانت للدولة الليبية نفسها، وفشلت فيه إلى حد بعيد.

الضحايا المنسيون

أشد ما يثير المرارة في هذه القضية أن الناس، في النهاية، خرجوا منها بلا شيء، فأسر الضحايا لم تحصل على حقيقة قضائية مقنعة، وعائلات المتهمين لم تحصل على إنصاف مبكر، والمواطن الليبي العادي لم ير دولة تحاكم وفق القانون، بل رأى ملفاً يفتح ويغلق وفق الحاجة.

حين تختزل العدالة في الصراع بين المنتصرين والمهزومين، يضيع الإنسان، فالضحايا يتحولون إلى شعارات، والمتهمون إلى رموز سياسية، والقضاء إلى مسرح مؤجل، أما المواطن الذي ينتظر دولة تحميه وتحاسب من يعتدي عليه، فيكتشف أن العدالة ليست حقاً عاماً، بل ورقة ضمن لعبة السلطة.

من العدالة الانتقالية إلى تصفية الحسابات

كان يمكن لهذه القضية أن تصبح مدخلاً لعدالة انتقالية حقيقية، وتقوم على كشف الحقيقة، وتحديد المسؤوليات، وجبر الضرر، وضمان عدم التكرار، لكن ذلك يتطلب مؤسسات مستقلة، وإرادة سياسية ناضجة، ومصالحة لا تلغي المحاسبة ولا تستخدمها للانتقام.

ما حدث كان العكس حيث تحولت القضية إلى ملف سياسي استهلك الزمن، ثم إلى عبء على أصحابه، وأخيراً إلى حكم متأخر لا يرضي أحداً.

لا الضحايا رأوا عدالة، ولا المتهمون رأوا إنصافاً في الوقت المناسب، ولا الدولة خرجت بصورة المؤسسة القادرة على الفصل بين القانون والخصومة.

حين تموت العدالة قبل المتهمين

قضية سيف الإسلام القذافي تكشف مأزقاً أعمق من مصير شخص أو مجموعة متهمين، حيث فقد القضاء وظيفته نتيجة استخدامه، وتحولت القضية نتيجة الزمن الطويل من وسيلة إنصاف إلى أداة إنهاك، ثم إلى وثيقة إدانة للنظام القضائي والسياسي معاً.

تم فتح القضية بحسابات سياسية، وأغلقت حين تغيرت الدوافع، وبين الفتح والإغلاق، ضاعت سنوات من أعمار الناس، ورحلت أطراف، وتوارى آخرون، وبقيت الحقيقة معلقة، أما الضحايا، وهم جوهر أي عدالة، فتركوا على هامش المشهد.

البراءة هنا ليست انتصاراً صافياً، والإدانة التي لم تحدث ليست خسارة كاملة، بينما أهدرت ليبيا فرصة لمعرفة ما جرى، وفرصة لبناء قضاء موثوق، وفرصة لإقناع مواطنيها بأن القانون أعلى من السلاح وأبقى من الانتقام، وحين تصل العدالة بعد موت المتهمين، فإنها لا تعود عدالة؛ تصبح مجرد خاتمة إدارية لقضية ماتت أخلاقياً قبل أن تموت قانونياً.

بقلم: نضال الخضري

تقلص الإيرادات النفطية الليبية

اقرأ المزيد