09 مايو 2026

أعاد السجال بين رئيس حكومة الوحدة الوطنية منتهية الولاية، عبد الحميد الدبيبة والصادق الغرياني فتح ملف النفوذ الحقيقي داخل غرب ليبيا، حيث كشف حجم التداخل بين السلطة الرسمية وشبكات الإسلام السياسي والتشكيلات المسلحة والرعاة الخارجيين.

التوتر الذي ظهر إلى العلن تجاوز حدود الخلاف حول “الإخوان”، فعكس صراعاً أعمق على من يمتلك القدرة الفعلية على توجيه القرار السياسي في طرابلس، وعلى حدود الدور الذي يمكن أن يلعبه كل طرف داخل منظومة الحكم الهشة.

يأتي هذا التصادم في لحظة تشهد فيها غرب ليبيا إعادة اصطفاف سياسية معقدة، بعد المبادرات الدولية الأخيرة ومحاولات واشنطن الدفع نحو تسوية جديدة، وفي ظل تراجع “الإخوان” إلى العمل من خلف الواجهات الحزبية والسياسية، وبرزت مؤشرات على اهتزاز التفاهمات التي حكمت العلاقة بين الدبيبة والتيار الإسلامي، وسط تساؤلات متزايدة حول من يحكم فعلياً غرب ليبيا؛ الحكومة، أم شبكات النفوذ الموازية القادرة على تعطيل أي تسوية لا تنسجم مع مصالحها؟

تصريحات الدبيبة.. رسالة إلى الداخل والخارج

تصريح الدبيبة بأن “الإخوان لم يعد لهم وجود”، وأنهم لن يعودوا إلى المشهد السياسي جاء في توقيت حساس، بعد وعكة صحية أثارت، وفق روايته، تحركات من داخل المعسكر ذاته للبحث عن بديل له، ولم يكن الدبيبة يهاجم خصماً تقليدياً، بل يطلق النار داخل البيت السياسي الذي منحه، في مراحل مختلفة، غطاءً وعمقاً وحماية.

جاء رد الغرياني سريعاً وحاداً، مطالباً بعدم التعميم، ومعتبراً أن في الجماعة “شرفاء وأحراراً”، ومحاولاً حصر غضب الدبيبة في جناح محمد صوان والحزب الديمقراطي الليبي، لا في التيار الإسلامي كله، وأكدت تقارير حديثة أن الغرياني رأى في خطاب الدبيبة تشبهاً بمنطق “الاستخبارات الدولية” التي تساوي بين الإخوان والإرهاب.

لكن محاولة الغرياني تضييق دائرة الاتهام تكشف جوهر الأزمة، فـ”الإخوان” في ليبيا لم يعودوا، بالضرورة، تنظيماً ظاهراً ببطاقات عضوية وشعارات معلنة، حيث تراجعوا إلى الظل، وبدلوا الواجهات، وخرج بعض رموزهم من الجماعة رسمياً، كما فعل خالد المشري، فيما أعاد حزب العدالة والبناء تموضعه تحت اسم “الحزب الديمقراطي الليبي”.

السؤال السياسي لا يتعلق بالاسم، بل بالشبكة، فمن يملك القدرة على التأثير داخل المجالس والوزارات والتشكيلات والمنابر الدينية وغرف التفاوض؟

“الإخوان” في الظل.. تبدل الواجهة لا يعني زوال النفوذ

يبرز وليد اللافي بوصفه أحد النماذج الدالة على استمرار حضور التيار الإسلامي داخل دوائر النفوذ المحيطة بالدبيبة.

صعود شخصية ارتبط اسمها لسنوات ببيئة “الإخوان” إلى مواقع حساسة، وصولا ًإلى رئاسة وفد الحكومة في لجنة 4+4، يعكس أن العلاقة بين حكومة طرابلس وهذا التيار لم تنقطع فعلياً، بل أعيد تنظيمها ضمن توازنات جديدة تحكمها البراغماتية وتبادل المصالح أكثر مما تحكمها القطيعة السياسية.

يسعى الدبيبة، وفق هذا المنطق، إلى تقليص نفوذ الشخصيات والتيارات التي استخدمت قربها منه كورقة ضغط سياسية وأمنية خلال السنوات الماضية، سواء داخل المؤسسات الحكومية أو عبر شبكات النفوذ المرتبطة بالإسلاميين وبعض التشكيلات المسلحة.

في المقابل، لا يبدو مستعداً لقطع العلاقة بالكامل مع هذه القوى، لأنه يدرك أنها ما تزال تملك أدوات تأثير مهمة داخل غرب ليبيا، وأن بقاء حكومته ارتبط جزئياً بتفاهمات معها، وخطابه ضد “الإخوان” لا يعكس بالضرورة رغبة في إقصائهم نهائياً، بقدر ما يشير إلى محاولة إعادة ترتيب العلاقة معهم وتقليص قدرتهم على فرض شروطهم عليه، مع الإبقاء على قنوات الاتصال والتحالف التي تضمن استمرار التوازنات القائمة.

مبادرة مسعد بولس.. الشرارة الحقيقية للخلاف

الخلفية الأهم للصدام هي مبادرة مسعد بولس التي منحت واشنطن دوراً مباشراً في محاولة إعادة تركيب السلطة التنفيذية، وربط شرق ليبيا بغربها عبر تفاهمات بين مراكز النفوذ الرئيسية في الجانبين، بما يتجاوز المسارات المؤسسية التقليدية وآليات التسوية المتعارف عليها.

واشنطن ومعضلة “من يحكم طرابلس؟”

اصطدم الحساب الأمريكي بحقيقة ليبية قديمة لا يكفي أن تمنح الخارج دوراً لرجل في طرابلس كي يصبح قادراً على ضبط طرابلس، فواشنطن ترى في الدبيبة شريكاً تنفيذياً يمكنه تمرير صفقة، لكنها تصطدم بسؤال أكثر تعقيداً، فهل يملك الرجل القرار داخل الغرب الليبي، أم أنه مجرد مركز ضمن شبكة مراكز؟

عملياً فإن الغرياني، بما يمثله من سلطة رمزية وتحريضية لدى جزء من التيار الإسلامي والتشكيلات المتعاطفة معه، أثبت أن الفيتو لا يصدر فقط من البرلمان أو الجيش أو البعثة الأممية، بل أيضاً من منابر دينية وسياسية تستطيع تحويل التسوية إلى خيانة، والبراغماتية إلى سقوط أخلاقي.

بدا رد الغرياني دفاعاً عن “الإخوان”، لكنه في العمق كان دفاعاً عن هندسة نفوذ كاملة، فهو يدرك أن شيطنة الإخوان، حتى لو وجهت ظاهرياً إلى صوان أو جناح بعينه، تفتح الباب أمام إعادة فرز داخل طرابلس ومصراتة بين تيار يريد البقاء ضمن التفاهمات الدولية الجديدة، وتيار يرى في أي تقارب مع الشرق أو واشنطن أو مشروع بولس تهديداً لمكاسبه.

ومن هنا خطورة العبارة التي نسبت إلى الغرياني بأن الدبيبة قد يخسر «السند الحقيقي» الذي أبقاه في السلطة.

لعبة الدبيبة المزدوجة

الدبيبة يحاول اللعب بشكل مزدوج، فمن جهة يريد مخاطبة الخارج بوصفه رجل الدولة المدنية القادر على ضبط الإسلاميين ورفض “الأجندات المستوردة”، ومن جانب آخر يعرف أنه لا يستطيع خوض قطيعة كاملة مع القوى التي وفرت له، سياسياً وأمنياً، شروط البقاء.

لذلك يمكن قراءة هجومه بوصفه رسالة إلى واشنطن والشرق والبعثة الأممية بأنه ليس أسير الإخوان، لكنها أيضاً رسالة إلى حلفائه السابقين بأن زمن الابتزاز انتهى، أو يجب أن ينتهي.

المشكلة أن هذا النوع من الرسائل في ليبيا لا يبقى داخل اللغة، فالتاريخ القريب يثبت أن الانقسامات السياسية داخل الغرب الليبي تنتقل سريعاً إلى خطوط تماس أمنية، خصوصاً حين تتقاطع مع ملفات حساسة مثل تسليم مطلوبين، أو إعادة هيكلة الأجهزة، أو توحيد الإنفاق، أو تغيير قواعد تقاسم الموارد.

وجاء الجدل متزامناً مع نقاش أوسع حول مبادرة بولس ومسارات الحل، وسط تباينات بين الأطراف الليبية بشأن «الدستور أولاً» أو إعادة تشكيل السلطة التنفيذية.

هل انتهى “الإخوان” فعلا؟

السؤال ليس هل انتهى الإخوان في ليبيا؟ بل هل انتهى شكلهم القديم فقط؟ فالجماعة التي تفقد لافتتها تحتفظ بشبكاتها، والتيار الذي يخرج من الحزب يبقى داخل التحالف، والرمز الديني الذي لا يشغل منصباً رسمياً يكون أقدر على تعطيل المبادرات من مسؤول يحمل ختم الدولة.

هذه هي المفارقة التي تربك واشنطن، فالخطة تبدو مثالية على الورق لأنها تتعامل مع أسماء ومناصب، لكنها تتعثر ميدانياً لأنها لا تفهم بما يكفي اقتصاد النفوذ غير الرسمي.

صدام الدبيبة والغرياني ليس نهاية تحالف، بل بداية مفاوضة خشنة على شروط استمراره، فالدبيبة يريد أن يتحرر من فائض كلفة الإسلاميين من دون أن يخسر أدواتهم، والغرياني يريد تذكيره بأن شرعية الأمر الواقع في طرابلس لا تصنع في السفارات وحدها.

بينهما تقف غرب ليبيا أمام حقيقتها العارية، والسلطة ليست في يد الحكومة وحدها، ولا في يد المفتي وحده، ولا في يد الميليشيات وحدها، بل في شبكة متداخلة تجعل كل تسوية خارجية قابلة للكسر من الداخل.

بقلم: نضال الخضري  

حين تُحاصَر الثقافة بالسياسة: معركة بنغازي العربية

اقرأ المزيد