حالة التوتر الأمني والتحشيد العسكري عادت لتلقي بظلالها على العاصمة الليبية طرابلس إثر نشوب خلاف حول تمركز القوات في منطقة “جزيرة القادسية” الواقعة بقلب العاصمة.
ويكشف هذا الصراع الجديد عدم استقرار الخارطة الأمنية التي جرت إعادة صياغتها على مدار العامين الماضيين، رغم المحاولات المتكررة التي بذلتها حكومة الوحدة الوطنية منتهية الولاية برئاسة عبد الحميد الدبيبة لضبط الوجود العسكري وتنظيم انتشار الأجهزة الأمنية والتطكيلات المسلحة في أرجاء المدينة.
وأصدر “لواء المحجوب”، التابع لمدينة مصراتة، بياناً مسائياً أعلن فيه انسحابه المشترك مع “جهاز الشرطة القضائية” من موقع “جزيرة القادسية”، ريثما يقام اجتماع مرتقب مع وزير الدولة لشؤون رئيس الحكومة، محمد بن غلبون، لتحديد نقاط التمركز والانتشار بشكل رسمي.
وأوضح اللواء في بيانه أن الطبيعة الإدارية والأمنية للخلاف تتجاوز أي أبعاد شخصية، مشيراً إلى استناده لترتيبات أمنية صادرة تمنحأي قوة مكلفة من وزارة الدفاع حق التواجد والتمركز في أي موقع مدرج ضمن التفاهمات المعتمدة.
وجاء هذا القرار عقب حالة شحن واحتكاك ميداني بين الطرفين حول أحقية الانتشار في هذه الجزيرة الحيوية، والتي شكّلت في مراحل سابقة نقطة تماس ساخنة وشهدت صدامات متكررة بين فصائل متعددة بسبب تداخل خطوط النفوذ والترتيبات الخاصة.
وكانت المنطقة قد شهدت العام الماضي دخول وحدات تابعة لـ”جهاز الأمن العام” التابع لوزارة الداخلية، ما أعقبه تحركات وتحشيدات مقابل لإعادة رسم خريطة السيطرة داخل طرابلس.
ولا يمثل الانسحاب الحالي حلاً نهائياً للأزمة، إذ يظل الاجتماع المرتقب لتحديد المواقع بمثابة اختبار حقيقي لقدرة حكومة الدبيبة على كبح جماح الصراعات المسلحة ومنع تدحرجها نحو مواجهات مفتوحة.
وتأتي هذه التطورات متزامنة مع ترتيباتابقة عقدتها حكومة الوحدة مع “جهاز الردع لمكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة” المناوئ لسياسات الدبيبة، وشملت إعادة نشر عناصر الجهاز في عدة تمركزات داخل العاصمة بعد فترة من الصدام حول شرعيته ومواقعه الميدانية.
وفي يوليو الماضي، تم إصدار توجيهات قضت بإعادة تموضع “جهاز الردع” في مقراته السابقة بشرق العاصمة ووسطها، وهي الخطوة التي اعتبرها مراقبون إعادة توزيع لخارطة القوة في طرابلس.
وتزداد تعقيدات المشهد العسكري بفعل تعدد الأجهزة المسلحة المتواجدة داخل طرابلس، إذ تضم العاصمة وحدات تابعة لوزارتي الدفاع والداخلية، و”جهاز الردع”، و”الشرطة القضائية”، إضافة إلى تشكيلات قادمة من مصراتة ومدن أخرى، وهو ما يجعل أي خلاف حول نقطة تمركز مرشحاً للتحول إلى نزاع أوسع ما لم يتم احتواؤه عبر المسارات السياسية والأمنية.
وعلى الرغم من محاولات حكومة الدبيبة إعادة تنظيم المشهد منذ اشتباكات العام الماضي، فإن اعتمادها على عدة قوى لفرض الأمن أبقى مسألة التوازن الحرج قائمة، وهو ما تجسد في إنشاء “قوة إسناد مديرية أمن طرابلس” التي دمجت عناصر من مؤسسات وأجهزة كانت تتمتع بقطاعات نفوذ متباينة.
ويُعرف “لواء المحجوب” بأنه أحد الفصائل المسلحة المنحدرة من مدينة مصراتة ويعمل تحت مظلة المنطقة العسكرية الوسطى ببيئة قيادية جماعية، بينما يتبع “جهاز الشرطة القضائية” رسمياً لوزارة العدل بحكومة الوحدة، ويتولى مهام تأمين المحاكم والمؤسسات الإصلاحية وتطبيق الأوامر القضائية ونقل النزلاء، رغم ما شهده من تداخلات وتغيرات متكررة في قياداته نتيجة صراعات السيطرة بالعاصمة خلال السنوات الماضية.
ومن جانب آخر، يبرز “جهاز الردع لمكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة”، بقيادة عبد الرؤوف كارة، كأحد أكثر القوى نفوذاً واستقلالية في العاصمة، حيث يتمركز أساساً في “مجمع معيتيقة” الذي يضم المطار المدني والقاعدة الجوية والسجن المركزي.
ورغم التبعية الاسمية للجهاز لصالح المجلس الرئاسي أو الحكومة في فترات متفرقة، فإن علاقته بحكومة الدبيبة شهدت توترات شديدة العام الماضي، قبل أن تنتهي إلى ترتيبات أمنية صيف العام الحالي أعادت عناصره إلى مواقعهم السابقة.
وإلى جانب هذه التشكيلات، تتواجد قوى أخرى تؤثر في ميزان القوى كـ “اللواء 444 قتال” و”اللواء 111“، فضلاً عن مجموعات مسلحة من مصراتة والمدن الغربية ووحدات تابعة لوزارتي الدفاع والداخلية.
ويعكس إعلان انسحاب “لواء المحجوب” والشرطة القضائية بانتظار نتائج الاجتماع المرتقب أن حسم نقاط التمركز لا يزال غائباً بين الفصائل الميدانية، بينما تظل قدرة الحكومة على تطبيق خطة أمنية موحدة ومنع الانزلاق نحو اقتتال مباشر هي الرهان الأكبر لاستقرار طرابلس خلال الفترة المقبلة.
خبير بالشؤون الإقليمية: التواجد العسكري التركي في ليبيا يثبت الاستقرار ويبقي التوازن
