09 سبتمبر 2026

حرائق اندلعت في ولاية جيجل شرقي الجزائر نهاية أغسطس ألحقت أضراراً بقطاع الفلين، الذي تمثل الولاية إحدى أبرز مناطق إنتاجه في البلاد، إلى جانب ولاية سكيكدة المجاورة.

وتثير الخسائر الناجمة عن الحرائق مخاوف العاملين في القطاع من حدوث نقص حاد في المادة الأولية للفلين، خصوصاً في ظل مساعي الجزائر لاستعادة موقعها في السوق الدولية، بعد سنوات من تراجع الإنتاج والصادرات.

وتزامنت الحرائق مع موسم جني الفلين، الذي يمتد عادة بين يونيو ونهاية أغسطس، الأمر الذي ضاعف من تداعياتها على القطاع. ويستخدم الفلين أساساً كعازل طبيعي للحرارة والصوت في قطاع البناء، كما يدخل في صناعة سدادات العبوات الغذائية والزجاجات.

ويرجح رئيس التجمع الجزائري لمحولي الفلين، صالح بونار، تسجيل انخفاض كبير في إنتاج المادة الأولية خلال الفترة المقبلة، نتيجة الأضرار التي لحقت بالغابات جراء الحرائق.

وأوضح بونار في تصريح صحفي أن القطاع كان يواجه مشكلات في توفير المادة الأولية حتى قبل اندلاع الحرائق، ولا سيما بسبب غياب الصيانة الدورية للغابات التي تعود ملكية 80% منها إلى الدولة، مشيراً إلى أن الحرائق الأخيرة فاقمت أزمة التموين بالفلين بصورة كبيرة.

وأفاد بأن هذه الظروف دفعت العاملين في القطاع إلى تشكيل “التجمع الجزائري لمحولي الفلين”، بهدف تنظيم نشاط تحويل الفلين وتطويره في الجزائر، مؤكداً أن القطاع يتمتع بأهمية اقتصادية كبيرة ويمكن أن يسهم في جلب العملة الصعبة، خصوصاً أن نحو 90% من المنتجات موجهة إلى التصدير.

ودعا بونار إلى إجراء دراسة تقنية دقيقة وشاملة لتقييم آثار الحرائق ووضع تصور علمي لإعادة إطلاق القطاع وتنميته، معتبراً أن المرحلة الحالية تمثل فرصة لإجراء تقييم أكثر دقة للوضع الحقيقي لأشجار البلوط الفليني والظروف التي تعيشها داخل الغابات.

وأشار إلى أن الحرائق أثرت بصورة كبيرة في المردود الموسمي الطبيعي المعتاد لأشجار الفلين، ما يجعل الحاجة ملحة إلى دراسة أوضاعها وتحديد حجم الأضرار التي لحقت بها وانعكاساتها على الإنتاج خلال المواسم المقبلة.

وتضم ولاية جيجل 18 وحدة إنتاج خاصة متخصصة في تحويل الفلين، أنشأها رجال أعمال ينشطون في هذا المجال، وتوفر هذه الوحدات وظائف دائمة لشباب المنطقة، فيما يوجه جزء كبير من إنتاجها إلى الأسواق الخارجية، إلى جانب وجود وحدات أخرى تعمل بصورة غير نظامية.

ويعمل في المنطقة أيضاً مركب حكومي يحمل اسم “الكاتمية للفلين”، ويتخصص في إنتاج الفلين الأسود الممدد والصفائح المستخدمة في العزل الحراري والصوتي، بطاقة إنتاج سنوية تصل إلى 4500 متر مكعب، وإضافة إلى تلبية احتياجات السوق المحلية، تصدر الشركة إنتاجها إلى فرنسا وإيطاليا وإسبانيا والبرتغال.

وتعتمد بعض العائلات والشباب في المناطق الريفية والجبلية بجيجل على أشجار الفلين كمصدر للدخل، من خلال جمع لحائها، فيما يمارس بعض العاملين هذا النشاط بصورة غير نظامية، وتراقب مصالح الغابات هذه الأنشطة.

وتتميز أشجار الفلين في منطقة جيجل بلحائها السميك والمرن، الذي يستخرج منه الفلين الطبيعي، ووفق بيانات المديرية العامة للغابات، تمثل أشجار الفلين نحو 21% من إجمالي مساحة الغطاء النباتي في الغابات الجزائرية، وتمتد على مساحة تبلغ نحو 350 ألف هكتار.

وبلغ إنتاج الجزائر من الفلين خلال العام الماضي نحو 40 ألف قنطار، وهي كمية تمثل تراجعاً كبيراً مقارنة بمستويات الإنتاج المسجلة خلال العقود السابقة، ففي ستينيات القرن الماضي، كانت الجزائر تتصدر قائمة الدول المصدرة للفلين عالمياً، بإنتاج بلغ نحو 150 ألف قنطار، بينها 60 ألف قنطار كانت تنتجها غابات جيجل وحدها.

وتقتصر صادرات الجزائر حالياً من الفلين على ما تتراوح قيمته بين أربعة وخمسة ملايين دولار، بحسب بيانات رسمية، في مؤشر على التراجع الكبير الذي شهده هذا القطاع مقارنة بمكانته السابقة في السوق العالمية.

وأظهرت بيانات نشرتها محافظة الغابات في جيجل خلال مايو الماضي أن التوقعات كانت تشير إلى إنتاج نحو 12 ألف قنطار من الفلين، إلا أن الحرائق الأخيرة ستدفع بالإنتاج إلى مستويات أقل بكثير من هذه التقديرات.

وأكد محمد بشير، مسؤول مؤسسة “زعيمن” لتحويل الفلين، أن توقيت اندلاع الحرائق كان عاملاً إضافياً في تفاقم الخسائر، كونها جاءت خلال موسم جني الفلين، لافتاً إلى أن إنتاج القطاع في ولاية جيجل شهد تراجعاً بالفعل، بعدما بلغ نحو 5 آلاف قنطار خلال العام الماضي.

وبيّن بشير أن قطاع الفلين يمثل مصدراً لجلب العملة الصعبة، كما يوفر نحو 3 آلاف وظيفة دائمة، إلى جانب العمال الموسميين والعاملين بصورة غير مباشرة، ومن بينهم العاملون في مجال النقل وغيرها من الأنشطة المرتبطة بالقطاع.

وحذر من أن الحرائق التي أتت على مساحات من الغابات ستخلف آثاراً اقتصادية واجتماعية، وقد تدفع وحدات الإنتاج إلى تقليص عدد العمال، ما لم تحصل على دعم حكومي كافٍ لتعويض الخسائر ومواصلة النشاط.

وشدد بشير على صعوبة تعويض الأضرار التي لحقت بالقطاع، مؤكداً أن استعادة الإنتاج تحتاج إلى وقت طويل مقارنة بقطاعات أخرى، إذ تحتاج شجرة الفلين إلى ما بين 9 و12 عاماً حتى تتجدد في حال نجت من الحرائق، بينما يتطلب غرس أشجار جديدة أكثر من 25 عاماً قبل أن تصبح قابلة للاستغلال.

شاب جزائري يروي لحظات مرعبة مع مهاجرين في عرض البحر قبل وفاتهم

اقرأ المزيد