07 يونيو 2026

أعادت شهادة المدير العام الأسبق للأمن الوطني والمصالح المختصة كمال القيزاني ملف التنصت في تونس إلى صدارة النقاش السياسي.

تظهر أهمية القضية في طبيعة الاتهامات المطروحة، وفي الموقع الوظيفي لصاحبها، كما أنها خرجت إلى العلن بعد سنوات من إعادة تشكيل النظام السياسي حول مركز رئاسي شديد القوة.

القيزاني وفي مقابلة بثتها منصة تابعة لشبكة الجزيرة مطلع يونيو 2026، أوضح أن عمليات تنصت غير قانونية استهدفت مسؤولين ومعارضين وشخصيات داخل مؤسسات الدولة، وأن أفراداً من الدائرة العائلية المقربة من الرئيس قيس سعيد ومسؤولين أمنيين استغلوا أجهزة الدولة لخدمة مصالح شخصية وسياسية.

كما تحدث عن ضغوط لإغلاق الملف، وعن صلة بين هذه القضية والملاحقات التي تعرض لها القاضي بشير العكرمي، مشيراً إلى فبركة تقارير أمنية واستخدام وشايات تفتقر، بحسب روايته، إلى المصداقية الزمنية والمكانية.

تبقى هذه المعطيات اتهامات تحتاج إلى تحقيق مستقل وشفاف، ولا يصح التعامل معها بوصفها أحكاما نهائية، حيث لم يظهر رد رسمي مفصل على مضمونها، غير أن أثرها السياسي لا يتوقف على ثبوت كل جزئية فيها، لأن القضية تطرح سؤالاً أوسع، فهل انتقلت تونس من أزمة التوازن بين السلطات إلى أزمة التوازن داخل السلطة نفسها؟

شهادة أمنية في توقيت سياسي حساس

يحمل خروج القيزاني إلى العلن دلالة عميقة، فهو مسؤول أمني سابق، وليس معارضاً حزبياً تقليدياً، كما أنه طرف في صراع قضائي وسياسي قائم.

وكانت محكمة استئناف تونسية أيدت في فبراير 2026 حكماً بالسجن لمدة 35 عاماً صدر بحقه غيابياً في قضية التآمر على أمن الدولة، ضمن أحكام طالت شخصيات سياسية وأمنية بارزة، بينها مديرة الديوان الرئاسي السابقة نادية عكاشة.

ينفي المتهمون صحة ما نسب إليهم، ويصفون الاتهامات بأنها سياسية، بينما يؤكد الرئيس قيس سعيد أن إجراءاته تستهدف مكافحة الفساد والفوضى وأنه لا يتدخل في القضاء، وتفرض هذه الخلفية قدرا ًإضافياً من الحذر عند قراءة شهادة القيزاني، فهي جزء من دفاع سياسي وقانوني عن النفس، وتتضمن في الوقت ذاته معطيات تستحق التدقيق بحكم موقعه السابق داخل الدولة.

لكن أهميتها الأساسية في أنها تنقل الجدل من خارج المؤسسات إلى داخلها، ومن اتهامات المعارضة للسلطة إلى شهادة مسؤول أمني سابق عن طريقة عمل الأجهزة وعلاقتها بالقضاء والقصر الرئاسي.

يتزامن ذلك مع مناخ داخلي يتسم بتصاعد الاحتقان، حيث شهدت تونس في مايو 2026 احتجاجات ضد الاعتقالات وتدهور الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، ورفع متظاهرون شعارات تنتقد الحكم الفردي واتساع دائرة السجون، كما أثار توقيف الصحفي زياد الهاني في أبريل، بعد مقال انتقد فيه القضاء، اعتراض نقابة الصحفيين ومخاوف متجددة بشأن حرية التعبير.

تركيز السلطة لم ينه صراع النفوذ

منذ 25 يوليو 2021، أعاد قيس سعيد ترتيب النظام السياسي التونسي جذرياً، فحل البرلمان، وحكم بالمراسيم، ثم دفع باتجاه دستور جديد أقر عام 2022 ومنح الرئاسة صلاحيات واسعة.

كما حل المجلس الأعلى للقضاء واستبدله بهيئة مؤقتة، وأتاح مرسوم رئاسي إمكان إعفاء القضاة؛ وهي خطوات اعتبرتها منظمات حقوقية دولية تهديداً لاستقلال القضاء، بينما قدمتها الرئاسة باعتبارها جزءاً من مكافحة الفساد داخل المؤسسات.

تكشف قضية التنصت مفارقة جوهرية، فتركيز القرار في يد مركز واحد يؤدي إلى تقليص التعدد المؤسساتي، لكنه لا يلغي التنافس على الوصول إلى الرئيس أو التأثير في قراراته، بل يدفع إلى مساحات أقل شفافية، حيث تصبح التقارير الأمنية والعلاقات الشخصية والقرب من الدائرة الرئاسية أدوات لترجيح كفة جناح على آخر.

وتكشف الاتهامات المطروحة عن تدخل شخصيات لا تحمل صفات رسمية، وعن صراع بين مفهومين للأمن؛ أمن جمهوري يحمي الدولة والقانون، وأمن سياسي يوظف لخدمة الحاكم والدائرة المحيطة به.

تحتاج هذه الاتهامات إلى إثبات قضائي، غير أن مجرد تداولها على نطاق واسع يعكس أزمة ثقة داخل بنية الحكم، فالدولة التي تعتمد بصورة متزايدة على الولاء الشخصي تواجه صعوبة أكبر في ضمان حياد المؤسسات، لأن الخلاف بين الموظف والرئيس المباشر أو بين جهازين أمنيين يتحول إلى نزاع حول البقاء الوظيفي وربما الشخصي.

القضاء في قلب المعركة

تكتسب قضية التنصت خطورتها من ارتباطها بالجدل حول استقلال القضاء، فالتنصت غير القانوني، متى ثبت، يشكل انتهاكاً بذاته، أما استخدام المعلومات المستخرجة منه لبناء ملفات قضائية أو الضغط على القضاة، فيحول القضية إلى اختبار شامل لسلامة منظومة العدالة.

ويتحدث القيزاني عن ضغوط مورست لإغلاق الملف، معتبراً أن القاضي بشير العكرمي دفع ثمن مباشرته التحقيق فيه، فيما امتدت الملاحقات، بحسب الاتهامات المطروحة، إلى قضاة ومسؤولين أمنيين وحقوقيين وإعلاميين.

يصعب فصل هذه المزاعم عن السياق الأوسع، فمنظمة العفو الدولية اعتبرت حل المجلس الأعلى للقضاء عام 2022 إلغاء للضمانات المؤسساتية لاستقلال العدالة، كما حذر مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان من أن المراسيم الرئاسية أتاحت للرئيس التدخل في تعيين القضاة وترقيتهم وتأديبهم.

كما يتزامن تجدد ملف التنصت مع صدور أحكام مشددة في قضية “الجهاز السري” المنسوبة إلى حركة النهضة، ما يمنحها بعدا ًسياسياً إضافياً، فتتحول تهمة بناء جهاز مواز داخل الدولة من ملف يتعلق بخصوم السلطة إلى سؤال يطال السلطة نفسها، ويصبح معيار المصداقية واحداً في الحالتين ومرتبط بتحقيق مستقل، وحق الدفاع، وشفافية الإجراءات، وقدرة القضاء على العمل بعيداً عن ضغط الأطراف السياسية.

انتقال السلطة.. نص دستوري وفجوة مؤسسية

تأخذ القضية بعداً أكثر حساسية في ظل تزايد التساؤلات السياسية والإعلامية حول استمرارية مؤسسات الدولة عند حدوث أي طارئ يتعلق بالرئيس.

يضع دستور 2022 ترتيبات واضحة جزئياً، ففي حال العجز المؤقت، يمكن للرئيس تفويض صلاحياته إلى رئيس الحكومة بمرسوم، وفي حال الشغور النهائي بسبب الوفاة أو الاستقالة أو العجز المطلق، يتولى رئيس المحكمة الدستورية رئاسة الدولة مؤقتاً لمدة تتراوح بين 45 و90 يوماً إلى حين انتخاب رئيس جديد.

تظهر المعضلة في غياب المحكمة الدستورية التي يفترض أن يؤدي رئيسها هذا الدور، حيث بقيت تونس طوال سنوات من دون محكمة دستورية مكتملة، رغم النص عليها في دستور 2014 ثم إعادة إدراجها في دستور 2022، ويخلق هذا الغياب فجوة عملية في صلب آلية انتقال السلطة.

هذه المسألة تتجاوز فرضية الطارئ الصحي أو الشغور الرئاسي، فغياب المؤسسة الدستورية التي تحسم النزاعات ويسند إلى رئيسها دور محوري في المرحلة الانتقالية يزيد من قيمة دوائر النفوذ غير الرسمية، وعندما تغيب آلية مؤسسية مجربة وواضحة، تتسع مساحة التأويل، وتتصاعد مخاوف الفاعلين داخل الدولة من فقدان مواقعهم أو تعرضهم للمحاسبة بعد أي تغير في موازين القوة.

تآكل الثقة في مؤسسات الدولة

لا تقدم قضية التنصت دليلاً كافياً على وجود انقسام شامل داخل الأجهزة الأمنية، كما لا تسمح المعطيات المتاحة بالجزم بأن تونس تقف على أعتاب صدام مفتوح بين مؤسسات الدولة، لكنها تكشف مؤشرات جدية على تآكل الثقة بين مكونات المنظومة الحاكمة، وعلى انتقال الصراع السياسي إلى المجال الأمني والقضائي.

يتوقف احتواء الأزمة على فتح تحقيق مستقل يحدد طبيعة عمليات التنصت، والجهات التي أمرت بها أو استفادت منها، ومدى استخدامها في بناء ملفات قضائية، كما يتطلب الأمر استكمال بناء المحكمة الدستورية وترميم الضمانات المؤسسية لاستقلال القضاء.

تواجه تونس أزمة تتجاوز أسماء المسؤولين والخصوم، فالدولة التي تصبح أجهزتها موضوعا للاتهام المتبادل تفقد تدريجيا قدرتها على إنتاج الحقيقة القانونية المقبولة من الجميع، ويشكل هذا التآكل خطرا ًعلى استمرارية المؤسسات يفوق أثر أي تسريب منفرد، لأن جوهر الدولة الحديثة لا يقوم على احتكار القوة وحده، بل على خضوع القوة لقواعد واضحة وقابلة للمساءلة.

بقلم نضال الخضري

تونس تسجل نمواً ملحوظاً في الاستثمارات الأجنبية خلال الربع الأول من 2025

اقرأ المزيد