السجون التونسية تواجه أزمة اكتظاظ متفاقمة بلغت مستويات قياسية خلال العامين الأخيرين، وسط تحذيرات حقوقية من تداعياتها على سلامة المحتجزين وكرامتهم، ومطالب بإصلاح المنظومة السجنية وتوسيع العقوبات البديلة.
وتشير بيانات الهيئة الوطنية للوقاية من التعذيب إلى ارتفاع عدد السجناء من 23 ألفاً إلى نحو 33 ألفاً، في حين لا تتجاوز الطاقة الاستيعابية للسجون 17 ألفاً، ما رفع نسبة الإشغال إلى قرابة 200%، وجعل المؤسسات السجنية تعمل بنحو ضعف طاقتها الاستيعابية.
وأفادت مصادر حقوقية بتسجيل حالات وفاة بين السجناء خلال الصيف الماضي، عُزيت أسبابها إلى موجات الحر الشديدة ونقص التهوية، وتتركز المخاوف على كبار السن والمصابين بأمراض مزمنة، في ظل الظروف القاسية داخل الزنازين المكتظة.
واعتبر الحسين بوشيبة، رئيس الشبكة التونسية للعدالة الانتقالية، أن الأزمة تحولت إلى مشكلة هيكلية تستدعي مراجعة شاملة للمنظومة السجنية، مشيراً إلى أن غياب التحديث الدوري للبيانات الرسمية يعرقل تحديد الحجم الحقيقي للأزمة ويصعّب مهام الرقابة والتقييم.
وأوضح بوشيبة أن تداعيات الاكتظاظ لا تقتصر على السجناء، بل تشمل أيضاً العاملين في المؤسسات السجنية، الذين يواجهون ضغوطاً مهنية ونفسية متزايدة، وأضاف أن هذه الظروف تؤدي إلى تراجع جودة الخدمات الصحية والنظافة، وترفع احتمالات وقوع حوادث العنف والتوتر.
وفي هذا السياق، دعا حقوقيون إلى مراجعة سياسة اللجوء إلى السجن بوصفه الخيار الأول للعقاب، والعمل على ترشيد السياسة الجزائية في البلاد، ويرى مراقبون أن توسيع نطاق العقوبات البديلة بات ضرورة لتخفيف الضغط عن المؤسسات الإصلاحية، وليس مجرد خيار تكميلي.
كما تصاعدت المطالب بمراجعة المرسوم 54، الذي يقول ناشطون إنه أسهم في زيادة أعداد الموقوفين في قضايا تتعلق بحرية التعبير وأنظمة المعلومات، ويرى هؤلاء أن الإفراج عن سجناء الرأي والموقوفين في جنح بسيطة قد يساعد في خفض عدد النزلاء، وتوفير ظروف أفضل للمحتجزين الآخرين.
وعلى الصعيد الصحي، حذّر شكري لطيف، رئيس المنظمة التونسية لمناهضة التعذيب، من مخاطر انتشار الأمراض المعدية والجلدية داخل الزنازين المكتظة، وأشار إلى أن ضعف التهوية، بالتزامن مع انقطاع التيار الكهربائي، قد يؤدي إلى حالات اختناق وسكتات قلبية مفاجئة بين المحتجزين الأكثر عرضة للخطر.
وطالب لطيف بمواءمة التشريعات التونسية مع المعايير الدولية، ولا سيما “قواعد نيلسون مانديلا” التي تحدد الحد الأدنى لمعاملة السجناء، مؤكداً أن الحق في الحياة والسلامة الجسدية يظل حقاً أصيلاً لا يسقط بصدور أحكام سالبة للحرية.
وفي إطار البحث عن حلول، دعا ائتلاف “أحرار” البرلمان التونسي إلى تعديل المجلة الجزائية، التي لم تشهد تغييرات جوهرية منذ عقود، واقترح الائتلاف تقليص مدد الإيقاف التحفظي، التي قد تتجاوز عاماً، للحد من تراكم القضايا وارتفاع أعداد الموقوفين الذين لم تصدر بحقهم أحكام نهائية.
ومن جهته، اقترح أحمد الهمامي، المتحدث باسم الائتلاف، استبدال العقوبات السجنية القصيرة، التي تقل مدتها عن سنة، بأعمال للمصلحة العامة أو بالمراقبة الإلكترونية، وشدد على أن بناء سجون جديدة لا يمثل الحل الأمثل، داعياً إلى التركيز على إصلاح السياسة الجنائية وتفعيل آليات الرقابة الحديثة.
وفي المقابل، أكدت وزارة العدل التونسية أنها بدأت بالفعل تطبيق بعض العقوبات البديلة، وأن هذه الإجراءات شملت مئات الحالات حتى نهاية عام 2025، وتعمل الوزارة على استكمال الأطر القانونية واللوجستية اللازمة لتوسيع استخدام السوار الإلكتروني بديلاً عن الاحتجاز التقليدي.
ومن جانبها، دافعت الهيئة العامة للسجون والإصلاح عن إجراءاتها، ونفت وجود أي إهمال طبي متعمد بحق النزلاء، وأكدت، في تصريحات رسمية، اتخاذ التدابير اللازمة لمواجهة الظروف المناخية الصعبة وتوفير الرعاية الصحية لجميع السجناء دون استثناء.
ويستمر الجدل بين الرواية الرسمية والتقارير الحقوقية بشأن أوضاع السجون في تونس، بالتزامن مع دعوات دولية إلى تحسين ظروف الاحتجاز، وتبقى آمال السجناء وعائلاتهم معلقة على تنفيذ الوعود الحكومية المتعلقة بتحديث المنظومة القانونية وتوسيع استخدام العقوبات البديلة، بما يحقق العدالة ويحافظ على الكرامة الإنسانية.
تونس.. قلق حقوقي بعد تسجيل 23 وفاة في السجون خلال الصيف
