تظهر المحاكمات في تونس التي تطال صحفيين وسياسيين ومحامين ونشطاء أكثر من مجرد سلسلة قضايا منفصلة، إنها بنية حكم تظهر في تضييق قانوني، وتأديب سياسي، وإعادة تشكيل للمجال العام يجعل النقد مخاطرة، والمعارضة عبئا، والمؤسسات تدور حول مركز رئاسي متضخم.
هذه البنية هي الخيط الذي يجمع بين قضايا صحفيين بارزين، والأحكام المتلاحقة على معارضين وقيادات حزبية، والاحتجاجات المتكررة للمحامين، والدعوات الصادرة من أطراف مؤيدة للرئيس إلى تجميد عمل البرلمان بحجة أنه “حاد” عن المسار الرئاسي.
من المسار الاستثنائي إلى إعادة هندسة النظام
منذ 25 يوليو 2021، حين جمد الرئيس قيس سعيد البرلمان وأقال الحكومة وفتح مساراً استثنائياً أعاد تركيز السلطات في يد الرئاسة، دخلت تونس طوراً سياسياً جديداً عبر الانتقال من أزمة حكم داخل نظام تعددي مضطرب إلى محاولة بناء نظام رئاسي يقدم نفسه باعتباره علاجاً نهائياً لفشل العشرية السابقة.

هذا التحول لم يكن إجرائياً فقط، بل حمل معه سردية كاملة تقوم على أن المؤسسات الوسيطة، من الأحزاب والبرلمان، والقضاء المستقل، والإعلام النقدي والنقابات، ليست ركائز توازن ديمقراطي، بل عوائق أمام “إرادة الشعب” كما يعرفها الرئيس ومحيطه.

تفكيك هذه الوسائط يصبح شرطاً لاستمرار المسار، لا مجرد نتيجة جانبية له، فالسلطة لم تعد تتعامل مع التعددية بوصفها جزءاً من الحياة السياسية، بل شبهة تعطيل أو مظهراً من مظاهر الانحراف عن “التصحيح” الذي يزعم المسار أنه جاء لإنجازه.
المحاكمات السياسية: قضاء للعدالة أم أداة لإدارة المجال العام؟
لا ينبغي قراءة المحاكمات الراهنة باعتبارها فقط رداً على أفعال محددة، بل كجزء من هندسة سياسية أوسع، فحين تستخدم تهم ثقيلة من قبيل “التآمر على أمن الدولة”، أو تفعل نصوص زجرية وفضفاضة في قضايا النشر والتعبير، فإن الرسالة الأساسية لا تتعلق فقط بالمتهمين أنفسهم، بل بالمجال العام كله عبر تضيق حرية التعبير، وخفض سقف الاعتراض، ورفع كلفة المعارضة.

معظم التقارير تتحدث عن محاكمات طالت معارضين من اتجاهات مختلفة، وأحكام سالبة للحرية ضد صحفيين وإعلاميين، واحتجاجات من المحامين على ما يعتبرونه إخلالاً بشروط المحاكمة العادلة، ومنعاً للصحفيين من تغطية تحركات داخل المحاكم، وهذا الوضع يخرج عن كونه نزاعاً قانونياً معزولاً، بل بمشهد سياسي يستخدم فيه القضاء لضبط إيقاع المجال العمومي، ولإرسال رسالة ردع إلى كل من يفكر في معارضة السلطة أو مساءلتها.
استهداف الإعلام: خنق السردية البديلة
استهداف الصحفيين في هذا المشهد يظهر مسعى السلطة في إحكام قبضتها على المجال السياسي، مع إدراكها أن الإعلام المستقل يمثل آخر المساحات القادرة على تفكيك خطابها أو فضح تناقضاته، لذلك فإن ملاحقة الصحفيين، أو الزج بهم في قضايا ذات طابع جزائي، أو تعطيل عملهم داخل المحاكم، لا يهدف فقط إلى معاقبة أفراد، بل إلى تجفيف الساحة من أي رواية موازية للرواية الرسمية.
الأخطر أن هذا الاستهداف يجري في لحظة تتدهور فيها أوضاع الثقة العامة بالمؤسسات، فبدلاً من توسيع هامش الشفافية، يجري تضييق الوصول إلى المعلومة، وبدلاً من حماية الصحافة باعتبارها صمام أمان ديمقراطي، يجري التعامل معها كخصم ينبغي تأديبه، ويصبح خنق الإعلام جزءاً من خنق السياسة نفسها.
دعوات تجميد البرلمان: المؤسسة المقبولة هي المؤسسة المطيعة
أما الدعوات الصادرة من حزب تونسي مؤيد للرئيس إلى تجميد عمل البرلمان بعد “حياده” عن المسار، فهي تكشف ما هو أبعد من مجرد خصومة مع مجلس نواب محدود الصلاحيات أصلاً، وهذه الدعوات تعبر عن منطق سياسي بات يعتبر الشرعية مشروطة بمقدار الانسجام مع الرئاسة، لا باستقلال المؤسسة أو وظيفتها التمثيلية.
البرلمان، وفق هذا المنطق، مقبول فقط ما دام غرفة صدى؛ فإذا حاول أن يتصرف كسلطة، أو حتى كمؤسسة ذات إيقاعها الخاص، صار موضع شبهة، ما يوضح أن جوهر الأزمة الراهنة لم تعد في قوة البرلمان أو ضعفه، بل في فكرة وجود مؤسسة يمكن أن تراجع أو تعارض أو تبطئ القرار الرئاسي.
اللافت أن هذه الدعوات جاءت مقرونة بخطاب شعبوي يتصل بملف المهاجرين والأمن والسيادة، ما يكشف عن توظيف المخاوف المجتمعية لتبرير مزيد من التركيز السلطوي، فكلما اشتدت الأزمة، استحضرت ملفات حساسة لإعادة تعبئة الأنصار وإحراج الخصوم وإظهار أي اعتراض على أنه خروج على مصلحة الدولة.
من أين يأتي الدعم لهذا المسار؟
السؤال الجوهري هو ما الذي يدعم استمرار هذه التغييرات السياسية رغم السخط الشعبي وتدهور الأوضاع المعيشية؟ الجواب لا يكمن في عنصر واحد، بل في تداخل عدة عناصر.
- أولاً، هناك رصيد رمزي متبق من لحظة 25 يوليو نفسها، فجاء هذا المسار مستفيداً من غضب شعبي واسع على الأحزاب، ومن إنهاك اقتصادي واجتماعي، ومن نفور متزايد من طبقة سياسية بدت عاجزة عن الحكم وغارقة في الصراعات، وحتى مع تراجع هذا الرصيد، فإن جزءاً من الشارع لا يزال يرى في القبضة الرئاسية، ولو على مضض، بديلاً أقل سوءاً من فوضى ما قبل 2021.
- ثانياً، تستند السلطة إلى دعم مؤسساتي صامت أو منضبط، خاصة من الأجهزة البيروقراطية والأمنية التي ترى في استمرار الوضع القائم شكلاً من أشكال الاستقرار، أو على الأقل بديلاً عن انهيار الدولة، وقد لا يكون هذا الدعم تعبيراً عن اقتناع سياسي كامل، لكنه في الحد الأدنى قبول عملي باستمرار المعادلة الحالية.
- ثالثاً، تستفيد الرئاسة من ضعف المعارضة وتشتتها، فالمعارضة التونسية، رغم اتساعها، لم تنجح حتى الآن في إنتاج جبهة وطنية ذات مصداقية اجتماعية وسياسية كافية، وما تزال أسيرة الانقسامات القديمة، وعبء الرموز المستهلكة، والعجز عن تقديم بديل مقنع للفئات التي أنهكها الغلاء والبطالة وفقدان الأفق.
- الأمر الأخير هو استخدام متكرر لخطاب التخويف، سواء من “المتآمرين”، أو من الإعلام “المغرض”، أو من المهاجرين، أو من عودة المنظومة القديمة، وهذا الخطاب يسمح للسلطة بإعادة تعريف القمع بوصفه حماية للدولة، لا اعتداء على الحقوق.
لماذا يستمر المسار رغم التذمر الشعبي؟
السلطة الحالية لا تستمد بقاءها من النجاح الاقتصادي أو من دينامية سياسية جامعة، بل من معادلة أكثر قسوة: ضعف البديل، وتعب المجتمع، وتآكل الثقة بالأحزاب، وتوظيف القضاء والخطاب السيادي لإدارة الخوف العام.
هذا ما يفسر كيف يمكن لمسار سياسي يواجه انتقادات متزايدة أن يواصل التقدم رغم تراجع الرضا الشعبي.

لا تبدو التجربة التونسية مجرد تعثر سياسي عابر، بل تكشف على نحو مؤلم ما انتهت إليه أولى ثورات ما سُمي بالربيع العربي؛ انتقال من وعد التحرر والديمقراطية إلى إعادة إنتاج الحكم الفردي بأدوات قانونية ومؤسساتية جديدة.
المفارقة أن هذه التجربة لا تزال، في بعض الخطابات الغربية، تستدعى بوصفها النموذج الأوضح على إمكان العبور من الاستبداد إلى ديمقراطية مستقرة، فيما تؤشر الوقائع بأن ذلك الوعد جرى تفكيكه تدريجياً من داخل الدولة نفسها، لا بفعل انقلاب مفاجئ، بل عبر مسار متدرج من تركيز السلطة وإضعاف الوسائط السياسية والقضائية والإعلامية.

لكن استمرار المسار السياسي التونسي الحالي لا يعني الاستقرار، فثمة تناقض بنيوي يتعمق، حيث السلطة تنجح نسبياً في إغلاق المجال السياسي، لكنها تفشل في فتح أفق اقتصادي واجتماعي يقنع الناس بكلفة هذا الإغلاق، ومع تراجع القدرة الشرائية، وتآكل الطبقة الوسطى، وتنامي الاحتقان داخل قطاعات مهنية ونقابية، يصبح القمع بديلاً عن السياسة، لا أداة عابرة فيها.
المفارقة أنه كلما عجزت السلطة عن إنتاج حلول، احتاجت أكثر إلى ضبط المجال العام؛ وكلما ضاقت السياسة، اتسعت الحاجة إلى الردع، لذلك تبدو المحاكمات والتضيق علامة قلق عميق داخل بنية الحكم نفسها.
الشباب والشارع: معارضة جديدة أم إنذار مبكر؟
المسألة المهمة تبدو في التحركات الشبابية التي تتصدر واجهة الاحتجاجات، وهذه الظاهرة تشير إلى أن المجال السياسي، وإن جرى تضييقه لا يزال يعيد إنتاج نفسه، فالشباب الذين خرجوا تحت شعارات الحرية والكرامة لا يتحركون فقط بدافع سياسي مجرد، بل أيضا نتيجة انسداد الأفق الاقتصادي، وتراجع فرص العمل، وتبدد فكرة المستقبل.

الصعود الشبابي حتى الآن ليس بديلاً سياسياً متماسكاً، لكنه يفضح محدودية المعارضة التقليدية؛ ويثبت أن إغلاق المؤسسات لا يلغي السياسة، بل يدفعها إلى أشكال احتجاجية جديدة، أقل انضباطاً وأكثر قابلية للانتشار.
تونس تواجه أزمة معنى سياسي للدولة نفسها، فهل هي دولة قانون ومؤسسات متوازنة، أم دولة مسار أحادي يبتلع القضاء والإعلام والبرلمان باسم التصحيح؟ ما يجري اليوم يوحي بأن السلطة اختارت الاحتمال الثاني.
هذا الخيار، مهما بدا قادراً على فرض نفسه بالقوة والردع، لا يحل المعضلة الأساسية، فلا يمكن لحكم يضيق السياسة أن يعوضها إلى ما لا نهاية، ولا لقضاء مسيس أن يمنح شرعية دائمة، ولا لبرلمان منزوع الاستقلال أن يؤدي وظيفة التمثيل الحقيقي، فهذا المسار ينجح في تمديد عمره عبر الخوف والتعبئة والخصومة مع الماضي، لكنه يراكم في الوقت نفسه أسباب هشاشته المستقبلية.
بقلم: نضال الخضري
اشتداد الخلافات داخل الاتحاد العام التونسي للشغل
