تدرس الجزائر اللجوء إلى القانون الدولي بشأن تلوث وادي مويلح القادم من المغرب، وسط مخاوف على سد حمام بوغرارة ومصادر المياه في تلمسان.
وتتجه الجزائر إلى إعداد ملف قانوني تمهيداً لاحتمال مقاضاة المغرب دولياً، على خلفية اتهامات بتلوث مياه وادي مويلح العابر للحدود، وما قد يترتب على ذلك من تداعيات بيئية وصحية واقتصادية، خصوصاً على سد حمام بوغرارة ومصادر المياه بولاية تلمسان غربي البلاد.
وجاء هذا التوجه عقب توصيات الندوة الدولية حول حماية المجاري المائية العابرة للحدود والوقاية من التلوث البيئي، التي احتضنتها ولاية تلمسان بين 26 و29 أكتوبر 2026، بمشاركة خبراء وباحثين وممثلين عن مؤسسات دولية.
وقال مصطفى كمال ميهوبي، الوزير الجزائري السابق للموارد المائية والأستاذ بالمدرسة العليا للري، إن الجزائر تعتزم مواصلة الأبحاث بالتعاون مع مؤسسات علمية، بهدف إعداد ملف يستند إلى التحاليل المخبرية والأدلة العلمية، تمهيداً للاستناد إلى القانون الدولي والأعراف المنظمة للمياه المشتركة.
وأوضح ميهوبي، في تصريحات نقلتها صحيفة «الخبر» الجزائرية، أن مياه وادي مويلح تنطلق من منطقة سيدي عابد بجودة طبيعية، قبل عبورها الأراضي المغربية وعودتها إلى الجانب الجزائري محملة بملوثات، معتبراً أن استمرار تدفق المياه الملوثة يصعّب عمليات المعالجة داخل الجزائر، ويجعل معالجة مصادر التلوث من المنبع ضرورة ملحة.
تحاليل تكشف مستويات مرتفعة من التلوث
وأظهرت المعطيات التي عرضها خبراء جزائريون خلال الندوة تسجيل تراكيز مرتفعة من ملوثات متعددة في مياه وادي مويلح، بينها المعادن الثقيلة والمواد الكيميائية والملوثات العضوية، مع ربطها بالمخلفات الصناعية والمنزلية القادمة من محيط مدينة وجدة المغربية والمناطق المجاورة.
ونقلت وكالة الأنباء الجزائرية عن لطفي بن عدة، رئيس قسم الري بجامعة أبي بكر بلقايد في تلمسان، قوله إن الدراسات والتحاليل التي أجرتها فرق ومخابر جامعية أظهرت ارتفاعاً كبيراً في مستويات التلوث، وتجاوز بعض المؤشرات المعايير الدولية، محذراً من انعكاسات ذلك على سد حمام بوغرارة والأنشطة الزراعية والصناعية في المنطقة.
ويربط خبراء جزائريون هذه المؤشرات بتوسع النشاط الصناعي في محيط وجدة، وما يصاحبه من تصريف للمخلفات في المجاري المائية، مشيرين إلى وجود وحدات صناعية تطرح مخلفاتها في مجرى وادي إسلي، الذي يتصل بوادي مويلح قبل وصول المياه إلى الأراضي الجزائرية.
وتحدثت تقارير إعلامية جزائرية عن وجود أكثر من 400 وحدة صناعية في منطقة وجدة، وعن تجاوز بعض مؤشرات التلوث الحدود المرجعية بمئات المرات. غير أن إثبات مسؤولية هذه المنشآت يتطلب نشر نتائج التحاليل التفصيلية والتحقق المستقل من مصادر العينات ومنهجيات قياس التلوث.
وتكتسب هذه التحذيرات أهمية بالنظر إلى ارتباط المجرى المائي بسد حمام بوغرارة، الذي تبلغ طاقته التخزينية نحو 177 مليون متر مكعب، ويعد من المنشآت المائية المهمة في ولاية تلمسان، وفق بيانات نقلتها وكالة الأنباء الجزائرية.
سد حمام بوغرارة في قلب المخاوف الجزائرية
يمثل سد حمام بوغرارة محوراً أساسياً في المخاوف المتعلقة بتلوث وادي مويلح، نظراً لدوره في توفير المياه لعدد من المناطق السكنية والزراعية في غرب الجزائر، بينها مغنية وتلمسان وأجزاء من ولاية عين تموشنت.
وتشير تقديرات محلية إلى أن نحو مليوني نسمة يستفيدون من الموارد المائية المرتبطة بالسد، ما يجعل أي تراجع في جودة المياه تهديداً محتملاً للأمن المائي والصحي في المنطقة.
ويرى ميهوبي أن استمرار وصول المياه الملوثة يضع السلطات الجزائرية أمام تحد مزدوج يتمثل في حماية الموارد المائية وتطوير قدرات المعالجة والتصفية، إذ يؤدي التدفق المتواصل للملوثات إلى زيادة كلفة المعالجة والضغط على المنشآت المخصصة لتوفير مياه صالحة للاستخدام.
ولا تقتصر التداعيات المحتملة على مياه الشرب، بل تمتد إلى الزراعة والأنشطة الاقتصادية والتوازن البيئي، مع مخاوف من انتقال بعض الملوثات إلى التربة والمياه الجوفية وتأثيرها على الأراضي الزراعية والموارد الطبيعية.
وفي إطار مواجهة هذه المخاطر، تتجه السلطات الجزائرية إلى تكثيف عمليات أخذ العينات ومراقبة جودة المياه في الأودية والنقاط الحدودية، بالتعاون مع الجامعات ومراكز البحث العلمي.
كما أشارت المعطيات المعروضة خلال الندوة إلى تعاون بين سد بوغرارة وجامعة بسكرة لتطوير جهاز عائم يراقب مؤشرات جودة المياه بصورة فورية، من بينها مستويات الأكسجين والألومنيوم والفوسفات، بما يسمح برصد التغيرات والتدخل عند تسجيل مؤشرات مقلقة.
وتشمل الإجراءات المطروحة أيضاً تطوير محطات التصفية وتعزيز قدرات المعالجة، إلى جانب دراسة حلول تقنية طارئة، من بينها تحويل مجرى المياه أو الحد من وصول التدفقات شديدة التلوث إلى السد، وهي خيارات تتطلب إمكانات مالية وهندسية كبيرة.
الجزائر تلوّح بالقانون الدولي
تستند التحركات الجزائرية المحتملة إلى المبادئ الدولية المنظمة لاستخدام المجاري المائية العابرة للحدود، وفي مقدمتها الاستخدام المنصف والمعقول للمياه المشتركة، وواجب اتخاذ التدابير المناسبة لمنع إلحاق أضرار ذات شأن بالدول الأخرى، فضلاً عن التعاون وتبادل المعلومات.
وفي هذا السياق، استحضر ميهوبي قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 64/292 الصادر عام 2010، الذي اعترف بالحق في مياه الشرب المأمونة والنظيفة والصرف الصحي باعتباره حقاً أساسياً من حقوق الإنسان.
كما تبرز اتفاقية الأمم المتحدة لعام 1997 بشأن قانون استخدام المجاري المائية الدولية في الأغراض غير الملاحية، التي تضع إطاراً للتعاون بين الدول المتشاطئة، وتؤكد مبادئ الاستخدام المنصف والمعقول ومنع إحداث ضرر ذي شأن.
ويرى المسؤول الجزائري السابق أن توثيق جودة المياه قبل عبورها الأراضي المغربية، ومقارنتها بنتائج التحاليل بعد عودتها إلى الجزائر، يمثل أساساً علمياً يمكن الاستناد إليه في أي تحرك قانوني مستقبلي.
لكن الانتقال من الاتهامات البيئية إلى دعوى قضائية دولية يتطلب إثبات مصادر التلوث، وتحديد الجهات المسؤولة عنه، وإقامة علاقة سببية بين التصريفات المشتبه فيها والأضرار المسجلة، فضلاً عن تحديد الجهة القضائية المختصة والأساس القانوني للتحرك.
محاكمة مؤثرين جزائريين في فرنسا بتهم التحريض
