25 يوليو 2026

تقرير حكومي بريطاني أظهر تصاعد التكلفة الإنسانية للنزاع في السودان، موثقاً مقتل أكثر من 52 مدنياً يومياً بين يناير 2024 ويونيو 2026، وسط تعثر جهود التسوية وتوسع الأزمة.

وأوضح التقرير الصادر عن وزارة الداخلية البريطانية استناداً إلى بيانات مشروع “مواقع وأحداث النزاعات المسلحة” (ACLED) -أحد أبرز قواعد البيانات العالمية المتخصصة في رصد الصراعات وتوثيقها- أن المشروع وثق سقوط 18,766 قتيلاً في صفوف المدنيين خلال الفترة من يناير 2024 وحتى يونيو 2026، فيما بلغت الحصيلة الإجمالية للضحايا من المدنيين والمقاتلين نحو 52,904 قتلى حتى يونيو 2026.

ولفت التقرير إلى أن الحصيلة الفعلية قد تكون أعلى بكثير، في ظل صعوبة الوصول إلى مناطق القتال، واستمرار المعارك، وتعطل عمليات التوثيق في أجزاء واسعة من البلاد.

ويأتي التقرير، الذي أصدرته وزارة الداخلية البريطانية ضمن تحديثها الدوري لتقييم الأوضاع الأمنية في السودان، ليقدم أكثر الصور شمولاً لمسار الحرب منذ اندلاعها في أبريل 2023، مستنداً إلى بيانات الأمم المتحدة، ومؤشرات (ACLED)، ومنظمات حقوقية وإنسانية، إلى جانب تقارير بعثات دولية ومراكز أبحاث متخصصة.

وشدد التقرير على أن توثيق ضحايا الحرب في السودان بات مهمة بالغة الصعوبة، بسبب استمرار العمليات العسكرية، وتعذر الوصول إلى مناطق واسعة، وانهيار مؤسسات الدولة، الأمر الذي أدى إلى تفاوت كبير في تقديرات أعداد القتلى.

فبينما وثّق مشروع (ACLED) مقتل 52,904 أشخاص من المدنيين والمقاتلين حتى يونيو 2026، تشير تقديرات أممية أخرى إلى أن العدد الإجمالي لضحايا الحرب قد يصل إلى نحو 150 ألف قتيل.

كما أورد التقرير أن الأمم المتحدة وثقت مقتل 11,300 مدني خلال عام 2025 وحده، بما يعادل أكثر من 31 مدنياً يومياً. وأكد التقرير أن هذا التفاوت يعود إلى القيود الكبيرة التي تواجه عمليات الرصد والتوثيق، وليس إلى تضارب في الوقائع، نتيجة استمرار القتال، وصعوبة الوصول إلى مناطق النزاع، ووجود أعداد كبيرة من الضحايا لم تُسجل رسمياً.

وعلى الصعيد الميداني، رصد التقرير تحولاً لافتاً في خريطة العمليات العسكرية خلال الأشهر الأخيرة، موضحاً أن استعادة الجيش السوداني السيطرة على أجزاء واسعة من الخرطوم وولاية الجزيرة لم تؤد إلى انحسار الحرب، بل أعادت رسم خريطة المواجهات، لتنتقل بؤرة المعارك إلى ولايات كردفان، مع استمرار القتال العنيف في دارفور، واتساع نطاق الاشتباكات في ولاية النيل الأزرق.

وأشار إلى أن الخرطوم وسنار شهدتا تراجعاً نسبياً في وتيرة القتال مقارنة بالمراحل السابقة، فيما ظلت ولايات البحر الأحمر، ونهر النيل، والشمالية، والقضارف، وكسلا الأقل تأثراً بالنزاع. ووفقاً للتقرير، يسيطر الجيش السوداني حالياً على أكثر بقليل من نصف مساحة البلاد، بينما تواصل قوات الدعم السريع فرض نفوذها على معظم إقليم دارفور وأجزاء واسعة من غرب السودان والجنوب الغربي.

كما وثق التقرير ارتكاب طرفي الحرب، إلى جانب المجموعات المسلحة المتحالفة معهما، انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان، شملت استهداف المدنيين، والقتل خارج نطاق القانون، والاعتقال التعسفي، والتعذيب، والعنف الجنسي، والنهب، والتجنيد، إضافة إلى انتهاكات ذات دوافع عرقية في عدد من المناطق.

ورصد تدهوراً حاداً في منظومة العدالة بمناطق سيطرة طرفي النزاع؛ ففي المناطق الخاضعة لسيطرة الجيش، أشار التقرير إلى محاكمات لا تستوفي معايير العدالة، صدرت بموجبها أحكام بالإعدام أو السجن المؤبد بحق أشخاص اتهموا بالتعاون مع الطرف الآخر، وسط مخاوف من استهداف أفراد على أساس الانتماء الجغرافي أو العرقي.

وأما في المناطق الخاضعة لسيطرة قوات الدعم السريع، فتحدث التقرير عن غياب منظومة قضائية مستقلة، وإنشاء محاكم طوارئ ترتبط مباشرة بالأجهزة الأمنية.

ورغم تراجع حدة القتال في بعض المناطق، حذر التقرير من اعتبار ذلك مؤشراً على تحسن الوضع الأمني، مؤكداً أن أجزاء واسعة من السودان لا تزال تعاني انتشار الذخائر غير المنفجرة، والانفلات الأمني، واستمرار الانتهاكات المسلحة، وانهيار الخدمات الأساسية.

وأضاف أن العائدين إلى مناطق النزاع يواجهون تحديات كبيرة، في مقدمتها الدمار الواسع الذي طال البنية التحتية، وتعطل مؤسسات الدولة، واستمرار القيود على الحركة في بعض المناطق، إلى جانب النقص الحاد في المياه، والرعاية الصحية، والتعليم، والخدمات الأساسية، بما يجعل العودة الآمنة والمستدامة بعيدة المنال في الوقت الراهن.

وأكد التقرير أن الحرب في السودان أفرزت واحدة من أكبر الأزمات الإنسانية في العالم، مع استمرار نزوح الملايين داخل البلاد وخارجها، وتدهور الأمن الغذائي، وانهيار المنظومة الصحية، واتساع رقعة المجاعة والأوبئة في عدد من الولايات.

وحذر من أن استمرار العمليات العسكرية سيؤدي إلى تعميق الكارثة الإنسانية، وتقويض فرص التعافي الاقتصادي، وزيادة الضغوط على دول الجوار التي تستضيف ملايين اللاجئين السودانيين، في وقت تتراجع فيه الموارد المتاحة للاستجابة الإنسانية.

ويرى التقرير أن جميع محاولات التوصل إلى وقف لإطلاق النار أو إطلاق عملية سياسية شاملة منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023 لم تحقق أي اختراق، في ظل تمسك طرفي النزاع بالخيار العسكري، واستمرار تدفق السلاح، وتشابك المصالح الإقليمية والدولية.

وأشار إلى أن النزاع لم يعد مجرد مواجهة بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، بل تحول إلى حرب ممتدة متعددة الجبهات، تغذيها الانقسامات الداخلية، وتعدد الفاعلين المسلحين، والتدخلات الخارجية، بما يجعل فرص التوصل إلى تسوية سياسية أكثر تعقيداً.

واختتم التقرير بالإشارة إلى أن الحرب تحولت إلى نزاع طويل الأمد يعيد تشكيل الخريطة السياسية والعسكرية في السودان، بينما يواصل المدنيون دفع الثمن الأكبر وسط غياب أي أفق واضح لإنهاء القتال.

وُيعد التقرير البريطاني أحدث تقييم رسمي غربي شامل للوضع الأمني في السودان، ويُستخدم مرجعاً في تقييم طلبات اللجوء والحماية، كما يرسم صورة شاملة لحجم الدمار الذي خلفته الحرب، والتحديات الأمنية والإنسانية التي لا تزال تحول دون أي مسار جاد نحو الاستقرار.

القضاء السوداني يوجه اتهامات إلى رئيس الوزراء السابق عقوبتها الإعدام

اقرأ المزيد