14 مايو 2026

دراسة علمية حديثة تكشف عن تحولات مقلقة في دينامية موجات الحر في شمال إفريقيا، حيث تسجل كل من المغرب والجزائر وتونس ارتفاعاً غير مسبوق في شدة وتواتر هذه الظواهر المناخية خلال السنوات الأخيرة.

وتشير الدراسة، المنشورة في مجلة “Earth Systems and Environment”، إلى أن موجات الحر لم تعد أحداثاً موسمية عابرة، بل أصبحت نمطاً مناخياً متكرراً يرتبط بتغير أنظمة الضغط الجوي واحتباس الكتل الهوائية الساخنة فوق المنطقة.

وتؤكد النتائج العلمية ارتفاع وتيرة موجات الحر وامتدادها لفترات أطول، مع تسجيل فروقات حرارية كبيرة مقارنة بالمعدلات المناخية المرجعية، في ظل بروز أنظمة ضغط جوي مرتفع تسهم في حبس الحرارة وتعميق حدتها.

وتصنف المعطيات المغرب والسواحل المغاربية ضمن أكثر المناطق تأثراً بهذه التحولات، بالنظر إلى موقعها الجغرافي وتفاعلها مع الأنظمة المناخية الإقليمية.

وتوضح القراءات المناخية أن موجات الحر في شمال إفريقيا لم تعد ظاهرة موسمية، بل تحولت إلى مؤشر واضح على تغيرات عميقة يشهدها النظام المناخي في المنطقة.

وتجمع الباحثة في جغرافية البيئة وتدبير المخاطر بالمغرب رشيدة المرابط، وأستاذ علم المناخ في تونس زهير الحلاوي، وأستاذ البيئة في الجزائر نراد احميم على أن المنطقة تتجه نحو ارتفاع متسارع في الظواهر المناخية المتطرفة، خصوصاً موجات الحر والجفاف.

وتوضح رشيدة أن ما يجري يعكس تحولاً بنيوياً في النظام الحراري الإقليمي، يتمثل في زيادة الأيام شديدة الحرارة وتراجع الليالي الباردة وارتفاع مدة موجات الحر، بما يؤكد انتقال التغير المناخي إلى مرحلة التحقق الميداني.

ويربط زهير هذا الاتجاه بتقارير الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ (IPCC)، التي تؤكد أن الاحترار العالمي يفاقم الظواهر القصوى، خاصة في مناطق مصنفة كبؤر مناخية ساخنة مثل شمال أفريقيا.

ويعتبر نراد أن تكرار موجات الحر والجفاف والأمطار العنيفة يعكس تحولات متسارعة لم تعد استثنائية، بل أصبحت جزءاً من نمط مناخي أكثر تطرفاً وتأثيراً على الإنسان والبيئة.

وتوضح رشيدة أن تأثيرات موجات الحر تختلف بين بلدان المغرب العربي بحسب الخصائص الجغرافية، حيث تتأثر المناطق الداخلية في المغرب بشكل أكبر، بينما تخفف السواحل الأطلسية نسبياً من حدة الظاهرة.

ويشير زهير إلى أن السواحل التونسية تشهد موجات حر مركبة تمتد ليلاً ونهاراً نتيجة تداخل الحرارة مع الرطوبة، ما يرفع من مستويات الإجهاد الحراري بشكل ملحوظ.

ويلفت نراد إلى أن توسع الجفاف والامتداد الصحراوي يفاقمان الضغط على الموارد الطبيعية ويهددان التنوع البيولوجي عبر تدهور المواطن البيئية.

وتحذر رشيدة من أن موجات الحر أصبحت تضغط بشكل مباشر على الموارد المائية والأنظمة الزراعية، عبر زيادة التبخر والإجهاد الحراري الذي يؤثر على نمو المحاصيل وإنتاجيتها.

ويؤكد زهير أن تراجع الموارد المائية السطحية والجوفية، بالتزامن مع فترات الجفاف، يعمق أزمة الإجهاد المائي ويهدد الأمن الغذائي في المنطقة.

ويشير نراد إلى أن جفاف التربة وتدهور الغطاء النباتي يؤديان إلى فقدان التنوع البيولوجي وارتفاع هشاشة النظم البيئية.

وترى رشيدة أن سياسات التكيف المناخي في دول المغرب العربي ما تزال محدودة، بسبب ضعف إدماج المعطيات المناخية في التخطيط العمومي.

ويؤكد زهير وجود تحديات مرتبطة بضعف التمويل وغياب التنسيق المؤسسي، إلى جانب الاعتماد على حلول قصيرة المدى بدل استراتيجيات طويلة الأجل.

ويشير نراد إلى أن تأثيرات الحرارة باتت تطال الحياة اليومية للسكان، خصوصاً مع تفاقم أزمة المياه والمخاطر الصحية المرتبطة بالحرارة الشديدة.

ويتفق الخبراء على ضرورة تطوير أنظمة إنذار مبكر متعددة المخاطر، وتعزيز إدارة الموارد المائية، وإدماج السيناريوهات المناخية المستقبلية في السياسات التنموية.

ويتوقع الباحثون استمرار ارتفاع موجات الحر خلال العقدين المقبلين، مع احتمال امتدادها إلى فصلي الربيع والخريف، ما يعكس تحولاً متسارعاً في خصائص المناخ الإقليمي، رغم استمرار هامش عدم اليقين في النماذج المناخية.

الجزائر تعيد فتح أبوابها للسياحة بطموحات كبيرة لعام 2030

اقرأ المزيد