10 يونيو 2026

يصعب اختزال قضية تسليم المواطن الليبي مرعي صالح العرفي، المعروف بلقب “بنزينة” وكنيتة “أبو حفص”، إلى الولايات المتحدة في سؤال واحد؛ هل تورط الرجل في أعمال إرهابية أم لا؟ فالاتهامات المتداولة خطيرة، وبعضها يتصل بوقائع دامية شهدتها بنغازي بعد عام 2011.

خطورة الاتهام لا تمنح السلطة التنفيذية حق تجاوز القضاء، كما أن مكافحة الإرهاب لا تبرر نقل مواطن ليبي إلى دولة أجنبية في عملية غير معلنة، من دون بيان قانوني يوضح الجهة التي أمرت بالتسليم، ومسار التحقيق، وضمانات الدفاع، وطبيعة التهم التي سيواجهها.

نقل مرعي العرفي إلى قوات أميركية داخل مقر الكلية الجوية في مصراتة، من دون إعلان رسمي يوضح الأساس القانوني للعملية أو الجهة التي اتخذت قرار التسليم، كما لم تكشف حكومة الوحدة الوطنية منتهية الولاية ما إذا كان الملف خضع لمراجعة قضائية، أو ما إذا منح المتهم حق الاعتراض والطعن قبل نقله إلى خارج البلاد.

ملف أمني ثقيل يحتاج إلى محكمة لا إلى عملية سرية

تقدم التقارير صورة العرفي كمشتبه به بشخصية غير عادية، فهو ولد في في بنغازي عام 1984 والمنحدر من منطقة الماجوري، وكان مطلوباً في ملفات أمنية سبقت سقوط نظام معمر القذافي.

تفيد المعلومات الواردة بأنه اعتقل في مارس 2008 على خلفية قضية أمنية تعود إلى عام 2007، بعدما ارتبط اسمه بتوزيع تسجيلات دعائية وأناشيد وخطب جهادية أمام المساجد، ثم خرج من سجن أبو سليم في أغسطس 2011 بعد اقتحامه خلال انهيار النظام السابق.

التحق العرفي بعد ذلك بتشكيلات مسلحة في بنغازي، بينها “سرايا راف الله السحاتي”، ضمن ما عرف بسرية عبيدة بن الجراح، وتشير تقارير محلية إلى صلات محتملة بينه وبين مجموعات اتهمت بالمشاركة في الهجوم على البعثة الأميركية في بنغازي ليلة 11 سبتمبر 2012، الذي أودى بحياة السفير الأميركي كريستوفر ستيفنز وثلاثة أميركيين آخرين.

كما تربط المعلومات المتداولة اسمه بمحاولة اغتيال القنصل الإيطالي غويدو دي سانكتيس في يناير 2013.

ينسب إلى العرفي أيضا أدواراً في تفجير مقر الصليب الأحمر في بنغازي في مايو 2012، واستهداف القنصلية البريطانية في يوليو من العام نفسه، وقتل المدرس الأميركي روني سميث في ديسمبر 2013، والمشاركة في خطف نجل القيادي العسكري ونيس بوخمادة في يناير 2014.

وهناك اتهامات موجهة إليه عن مسؤوليته في عمليات تفخيخ سوق الحوت والصابري، ومبايعته تنظيم “داعش” في يوليو 2014، وتوليه قيادة سرية “عشاق الشهادة” في سرت، قبل فراره من المدينة لاحقاً.

هذه الاتهامات، مهما اتسع نطاقها، لا تتحول إلى أحكام بمجرد تداولها في تقارير أمنية أو منشورات إعلامية، فبعض التفاصيل لم تثبت بعد أمام محكمة علنية، كما أن مدير المركز الليبي للدراسات الأمنية والعسكرية أشرف بوفردة حذر من المبالغة في تقدير دور العرفي مقارنة بأسماء أكثر بروزاً في ملفات الإرهاب الليبية.

أين القضاء الليبي؟

ينص قانون الإجراءات الجنائية الليبي على أن تسليم المتهم أو المحكوم عليه إلى الخارج لا يجوز، كقاعدة عامة، إلا بعد صدور قرار من محكمة الجنايات المختصة.

ويلزم القانون بعرض المطلوب على القضاء، وتعيين محام له إن لم يكن لديه دفاع، وإجراء تحقيق في مواجهته، ثم إصدار قرار قضائي مُعلل قابل للطعن أمام هيئة من مستشاري محكمة النقض، ولا يجيز التسليم من دون العرض على المحكمة إلا في حالات محدودة، من بينها موافقة المطلوب نفسه وعدم اعتراضه.

المشكلة في قضية “بنزينة” أن الرأي العام لا يعرف ما إذا اتبعت هذه الإجراءات أصلا،ً فلا توجد إفادة حكومية معلنة، ولا قرار قضائي منشور، ولا توضيح من وزارة العدل أو مكتب النائب العام، وإذا ثبت أن النقل جرى من خلال ترتيبات أمنية مباشرة، فإن القضية لن تعود مجرد تعاون مع واشنطن، بل ستصبح تجاوزاً لمنظومة العدالة الليبية وتحويلاً للمؤسسات الأمنية إلى قنوات تسليم خارج الرقابة القضائية.

من أبو عجيلة إلى البكوش.. نمط يتكرر

لا تأتي قضية العرفي من فراغ، ففي ديسمبر 2022 نقل أبو عجيلة مسعود المريمي إلى الولايات المتحدة لمحاكمته في قضية تفجير طائرة “بان آم 103” فوق لوكربي عام 1988، وأثارت العملية انتقادات واسعة بسبب غموض ظروف القبض عليه ونقله، وبينت “هيومن رايتس ووتش” بعدم وجود محكمة ليبية أمرت بتسليمه أو راجعت القرار، مشيرة إلى عدم وجود معاهدة لتسليم المطلوبين بين ليبيا والولايات المتحدة.

وفي فبراير 2026 أعلنت وزارة العدل الأميركية وجود الزبير البكوش في عهدتها، ووجهت إليه ثماني تهم مرتبطة بهجوم بنغازي، تشمل القتل وتقديم دعم مادي لإرهابيين والحرق العمد، وبحسب لائحة الاتهام الأميركية، يشتبه في مشاركته ضمن مجموعة مسلحة هاجمت المجمع الأميركي وأضرمت النار في منشآته.

سبق ذلك نقل أحمد أبو ختالة عام 2014، واعتقال أبو أنس الليبي في طرابلس عام 2013، وتكرار الحالات في عهد حكومة الدبيبة يرسخ انطباعاً بأن التعاون الأمني مع واشنطن أصبح بديلا ًعن بناء مسار قضائي ليبي واضح، وليس استثناء تحكمه الضرورة.

احتمال العقوبة القصوى ليس تفصيلا هامشيا

لم تعلن السلطات الأميركية حتى الآن لائحة اتهام بحق العرفي، ولا يمكن الجزم بالعقوبة التي سيواجهها.

غير أن طبيعة الملفات المرتبطة بهجوم بنغازي تفتح الباب أمام تهم اتحادية شديدة الخطورة، فالقانون الأميركي يجيز عقوبة الإعدام أو السجن المؤبد في بعض جرائم استخدام المتفجرات أو الحريق إذا نتج عنها موت أشخاص.

تظهر هنا مسؤولية الحكومة الليبية بصورة أكثر وضوحاً، فحتى في حالة المتهم بجرائم إرهابية، يجب أن تكون هناك ضمانات معلنة تمنع نقله بصورة تعسفية، وتكفل حقه في الدفاع والطعن والتواصل مع أسرته ومحاميه.

لا يتعلق الأمر بالدفاع عن العرفي، إنما بالدفاع عن قاعدة قانونية عامة، حيث لا يجوز أن يصبح المواطن الليبي قابلاً للتسليم بقرار أمني غير معلن.

السيادة ليست حماية للمتهمين

يتزامن الجدل حول تسليم العرفي مع تقارير عن استعداد حكومة طرابلس للتعاون مع المحكمة الجنائية الدولية حتى عام 2027 في ملفات جنائية، وهو ما أثار انتقادات قانونية بشأن العلاقة بين القضاء الوطني والولاية الدولية.

ليست السيادة شعاراً لعرقلة العدالة، ولا وسيلة لحماية المتورطين في الإرهاب، ومعناها العملي أن تمتلك الدولة مؤسسات قادرة على التحقيق والمحاكمة، وأن تتم أي مساعدة قضائية خارجية وفق القانون، لا عبر ترتيبات غامضة في منشأة عسكرية.

أما حين ينقل المواطنون تباعاً إلى الخارج من دون توضيح رسمي، فإن الرسالة التي تصل إلى الليبيين أن الدولة تتنازل تدريجياً عن إحدى وظائفها الأساسية عبر احتكار الحق في تطبيق القانون.

بقلم نضال الخضري

أسئلة حول إلغاء ضريبة الجهاد في ليبيا.. أين ذهبت الأموال؟

اقرأ المزيد