24 يوليو 2026

أثار إعلان تأسيس “تجمع الرؤية الوطنية” في طرابلس يوم 19 يوليو/تموز 2026 اهتماماً يتجاوز مضمون بيانه السياسي.

وتكمن أهمية التجمع في تركيبته التي تضم رجال أعمال ومسؤولين سابقين أداروا ملفات المصرف المركزي والنفط والرقابة الإدارية والدبلوماسية، إلى جانب شخصيات تمتلك امتدادات داخل مصراتة.

وفي قراءة أقرب للمشهد الليبي، يظهر التشكيل كمركز ضغط مستقل قيد التأسيس، تتقاطع مصالح أعضائه مع الحد من احتكار حكومة عبد الحميد الدبيبة، منتهية الولاية، للتمثيل السياسي في غرب ليبيا.

ولم يتحول التجمع حتى الآن إلى تحالف معارض منظم، كما لا يملك برنامجاً انتخابياً أو هيكلاً حزبياً يسمحان بوصفه قوة سياسية مكتملة.

إعلان في توقيت إعادة ترتيب السلطة

عقد التجمع لقاءه التأسيسي في فندق كورنثيا بطرابلس، بالتزامن مع تحركات سياسية شهدتها طرابلس ومصراتة والزاوية والزنتان، ومع تصاعد الجدل حول المبادرة الأميركية التي يقودها مسعد بولس، مستشار الرئيس الأميركي دونالد ترامب.

وتتحدث المعلومات المتداولة عن خطة تمنح صدام حفتر رئاسة مجلس تنفيذي أو رئاسي جديد، مع إبقاء الدبيبة رئيساً لحكومة موحدة. كما تتضمن الترتيبات المقترحة مرحلة انتقالية مدتها 36 شهراً، وتوحيد المؤسسات العسكرية والمالية، وتنفيذ اتفاق تنموي لتوزيع الإنفاق بين الشرق والغرب، مع منح معسكر حفتر دوراً واسعاً في إدارة مخصصات التنمية.

وعزز تعيين القائم بالأعمال الأميركي جيريمي بيرندت مستشاراً أول لمسعد بولس في سياسات ليبيا الاعتقاد بأن واشنطن انتقلت من الاتصالات الاستكشافية إلى إدارة مسار تفاوضي طويل.

لكن بيرندت لم يُعيَّن رسمياً مبعوثاً أميركياً خاصاً، وبقي الحديث عن توليه هذه المهمة ضمن التوقعات السياسية.

كما سبق إعلان تجمع طرابلس بأقل من 48 ساعة اجتماع نحو 60 سياسياً وناشطاً في جنيف، انتهى إلى اختيار مصطفى المجذوب رئيساً لما سمي “حكومة ليبية موحدة”، في وقت نفت البعثة الأممية أي علاقة لها بالاجتماع، ولم تشارك فيه المؤسسات المخولة بتشكيل الحكومات، ما جعله خطوة رمزية محدودة التأثير.

ويختلف تجمع الرؤية عن تجربة جنيف، لأنه لم يعلن حكومة موازية، بل قدم نفسه بوصفه إطاراً يسعى إلى المشاركة في صناعة التسوية.

شبكة نفوذ مالي وإداري ودبلوماسي

يوفر محمد الطاهر عيسى للتجمع ثقلاً اقتصادياً يستند إلى شبكة أعمال واسعة في الاستيراد والتصنيع والنقل والاستثمار، ويمنحه موقعه داخل دوائر الأعمال في مصراتة قدرة على التواصل مع فاعلين اقتصاديين واجتماعيين خارج مؤسسات الحكومة.

وكان عيسى قريباً من الدبيبة خلال مرحلة سابقة، لكن تقارير لاحقة تحدثت عن انتقاله إلى موقع الخصومة السياسية والرغبة في بناء دور مستقل، ليصبح أحد أبرز منتقدي رئيس الحكومة منذ عام 2024.

أما سالم جحا، فيحمل أيضاً خلفية عسكرية وسياسية، إذ تولى رئاسة المجلس العسكري في مصراتة، وبرز خلال حرب عام 2011، إلا أن نفوذه لا يشمل جميع مراكز القوة في المدينة، ولا سيما بعد مواقفه السابقة المؤيدة للتقارب مع خليفة حفتر، التي أضعفت حضوره لدى بعض التشكيلات “الثورية”.

ويمثل الصديق الكبير الخبرة المالية في التجمع بعد إدارته مصرف ليبيا المركزي بين عامي 2011 و2024، إذ تتيح له معرفته بتدفقات الإيرادات النفطية والإنفاق العام والعلاقات مع المؤسسات المالية الدولية تقديم نفسه بوصفه صاحب مشروع لضبط المالية العامة. وهو على خلاف مباشر مع الدبيبة، بعدما انتقد إنفاق حكومته، ودعا إلى موازنة موحدة ووقف مسارات الصرف الموازية.

ويضيف محمد عون معرفة فنية بقطاع النفط، بعد عقود من العمل في المجال وتوليه وزارة النفط والغاز.

ودخل عون أيضاً في نزاعات مع الدبيبة حول صلاحيات الوزارة والاتفاقيات النفطية وإدارة المؤسسة الوطنية للنفط، ثم تعرض للإيقاف والإبعاد. ويمنح وجوده في التجمع قدرة على صياغة مقترحات تتعلق بالإنتاج والعقود وتوزيع العائدات، وهي ملفات تقع في قلب الصراع على السلطة.

ويتولى سليمان الشنطي تمثيل الخبرة الرقابية والقانونية، مستنداً إلى رئاسته السابقة لهيئة الرقابة الإدارية، بينما يوفر إبراهيم الدباشي خبرة دبلوماسية اكتسبها من تمثيل ليبيا لدى الأمم المتحدة، كما تساعد شبكته الخارجية على مخاطبة البعثة الأممية والدول المنخرطة في الملف الليبي بلغة سياسية وقانونية.

كما ورد اسما محمد العلاقي ومحمد المنتصر ضمن الشخصيات المرتبطة بالتجمع في بعض التغطيات المحلية.

مركز مستقل لا جبهة معلنة لإسقاط الدبيبة

يصعب اعتبار التجمع مشروعاً محسوباً على الدبيبة، فالطاهر عيسى انتقل إلى موقع منافس داخل مصراتة، والكبير خاض معه صراعاً على الإنفاق والسيطرة على المصرف المركزي، وعون اتهم الحكومة بتهميش وزارة النفط، بينما وجه الدباشي انتقادات متكررة لاستمرار حكومة الوحدة.

وفي الوقت نفسه، لم يتطرق البيان التأسيسي إلى الدبيبة، أو إلى إسقاط حكومته وتشكيل سلطة بديلة، فالتجمع يمثل، وفقاً لتحركه الحالي، تحالف مصالح في مواجهة احتكار الحكومة للقرار، لكنه ليس جبهة معارضة رسمية حتى الآن.

ويبدو أن هدفه المباشر أوسع من إسقاط الدبيبة، إذ يسعى إلى ضمان إدخال أعضائه والقوى القريبة منهم ضمن الترتيبات المقبلة.

مصراتة تمنحه الامتداد ولا تمنحه التفويض

يشكل وجود الطاهر عيسى وسالم جحا ورقة مهمة داخل مصراتة؛ المدينة التي تجمع ثقلاً اقتصادياً وعسكرياً، وتعد قاعدة رئيسية للدبيبة.

وكانت المدينة مسرحاً لاعتراضات من قيادات عسكرية وأعيان ومنظمات مدنية على مبادرة بولس، بسبب مخاوف من منح الشرق موقعاً يفتح المجال أمام “عسكرة الدولة”.

لكن مصراتة ليست كتلة واحدة، إذ تنقسم مراكزها بين مؤيدين للدبيبة، وخصوم له، وتيارات ترفض قيادات الشرق الليبي، وشخصيات تقبل التسوية معهم. ويستطيع التجمع تكوين شبكة داخل المدينة، لكنه لا يستطيع الادعاء بتمثيلها قبل الحصول على دعم بلدي واجتماعي وتنظيمي معلن.

موقف مرن من المبادرة الأميركية

رحب البيان التأسيسي بالجهود الدولية والبعثة الأممية، وطالب بآليات شفافة تضمن مشاركة القوى المدنية والسياسية، ورفض فرض خيارات خارجية أو اختزال الأزمة في تقاسم النفوذ بين الأطراف السياسية والعسكرية.

وأوضح نص البيان المنشور أن التجمع ينظر إلى المساعي الأميركية باهتمام، ويربط موقفه النهائي بمعرفة مضمونها.

ولا يمثل هذا الموقف رفضاً مطلقاً لخطة بولس، خلافاً لما ذكرته منصات معارضة للتجمع، بل يعكس موقفاً مرناً يسمح بالاحتفاظ بقنوات الاتصال مع واشنطن، مع المطالبة بتوسيع قائمة المشاركين في المفاوضات، فهو يعترض على استبعاده من التسوية بقدر اعتراضه على مضمون تقاسم السلطة.

وعملياً، يتبنى التجمع إنهاء المراحل الانتقالية وتوحيد مؤسسات الدولة عبر الانتخابات، لكنه لم يحول هذه المبادئ إلى مسار تنفيذي يوضح كيفية الانتقال من الوضع الراهن إلى سلطة منتخبة.

كما لا يوضح البيان كيفية ترجمة مبادئه إلى سياسات تعالج أسباب الانقسام، وهو ما يجعل خطابه قريباً من خطاب الدبيبة في زليتن، الذي طرح مبادئ عامة مشابهة، ودعا إلى حوار وطني موسع من دون تحديد آلية لتنفيذها.

قوة تفاوضية أكثر منها قوة انتخابية

يمتلك التجمع المال والخبرة وشبكات الاتصال، لكنه يفتقر إلى العضوية المنظمة والامتداد الوطني في الشرق والجنوب، والقاعدة الشعبية القابلة للقياس.

كما يواجه اتهاماً بإعادة تدوير مسؤولين شغلوا مواقع مؤثرة خلال سنوات الانقسام، من دون تقديم مراجعة لمسؤوليتهم عن أداء المؤسسات السابقة.

ويمثل “تجمع الرؤية الوطنية” حالياً مركز نفوذ نخبوي مستقل في غرب ليبيا، وليس حزباً انتخابياً أو جبهة مكتملة لإسقاط الدبيبة. وتجعل تركيبته منه معارضاً عملياً لاستمرار احتكار الحكومة للسلطة، بينما يسمح له خطابه المرن بالتفاوض مع الولايات المتحدة والبعثة الأممية.

ويتوقف تحوله إلى قوة سياسية مؤثرة على نشر برنامج محدد، وبناء تنظيم عابر للمناطق، وإعلان موقف صريح من السلاح والانتخابات ومصالح أعضائه، وإلا فسيبقى دوره الأقرب ضمان مقاعد لأعضائه في ترتيبات السلطة المقبلة.

بقلم مازن بلال

مصرع أكثر من 50 مهاجرا وإنقاذ 200 في الصحراء بين النيجر وليبيا

اقرأ المزيد